لماذا تقوم الحروب ؟!

أحمد فاروق عباس
2023 / 12 / 7

هل تقوم الحروب فى المطلق ، بلا هدف محدد ، أو بلا نتيجة معينة يريد كل طرف أن يصل إليها ؟!

الحروب تقوم للوصول إلى هدف قابل للتحقيق ، أو حتى كخطوة على طريق تحقيقه ، ويمكن لشعب معين أن يتحمل ألام الحروب القاسية وتكاليفها الكبيرة في سبيل تحقيق هدفه أو - على الأقل - كخطوة في سبيل تحقيقه ..

والأهداف في الحروب يمكن قياسها ، وليست احلاما هائمة مع السحاب ..
ومن تاريخ كل الحروب فى العالم يمكن القول أن طرفا حقق أهدافه من الحرب عندما يصل إلى الآتى :

١ - تحرير أرض متنازع عليها بين طرفين ، فعندما يضع طرف ما يده على تلك الأرض يمكن القول أنه حقق هدفه ..

٢ - أو منع العدو من تحقيق هدفه .. ربما أدخل حربا من أجل منع الطرف الآخر من تحقيق هدفه ، فعلى سبيل المثال دخلت بريطانيا وفرنسا الحرب ضد مصر عام ١٩٥٦ من أجل منع مصر من السيطرة علي قناة السويس ، وعندما لم تتمكن بريطانيا وفرنسا تحقيق ذلك الهدف عدهما العالم كله أنهما هزمتا أمام مصر ، على الرغم من أنهما - عسكريا - انتصرتا ، ولكن الهدف الذى من أجله دخلتا الحرب لم يتحقق ..

٣ - أو إجبار العدو على تحقيق ما أريده منه ، وقد يكون ما أريده منه اجباره على الجلوس على طاولة المفاوضات ، أو كف يده عن الأذى ..

وبتطبيق ذلك على ما يحدث في غزة الآن يمكن القول أن ما فعلته حماس ربما شفى فى البداية غليلنا مما تفعله إسرائيل ، ولكن لم يحقق حتى الآن هدف يستحق كل هذه الآلام والدمار ..

وما تحقق الآن هو الآتى :
١ - تدمير شبه كامل لقطاع غزة ، بكافة مرافقه .. منازل - مدارس - مستشفيات - محطات وقود - محطات كهرباء ... إلخ ..
٢ - مقتل أكثر من ١٦٠٠٠ ألف فلسطينى ، واضعافهم من المصابين ..
٣ - تهجير أهل شمال القطاع إلى جنوبه ، تمهيدا لتفريغ القطاع - أو الجزء الأكبر منه - من سكانه ..

والكلام الآن فى العواصم الكبرى عن الأماكن التى سيذهب إليها أهل فلسطين فى نكبتهم الثالثة ( الأولى عام ١٩٤٨ - والثانية عام ١٩٦٧ ) ..

٤ - إعادة إحتلال قطاع غزة بواسطة إسرائيل ، ولمن لا يعرف ، فقد كان قطاع غزة محررا بالكامل يوم ٧ أكتوبر وقبل عملية حماس ، ولم يكن بالقطاع جندى اسرائيلى واحد ..

وفى المقابل .. ماذا حققت حماس ؟
هل حررت أرضا ؟!
هل أجبرت إسرائيل على تعديل سلوكها مع أهل فلسطين ؟

والجواب واضح وليس فى حاجة إلى اجتهاد ..

والآن .. على ماذا تتفاوض حماس مع إسرائيل ؟!

تتفاوض حماس مع إسرائيل على تبادل الأسرى !!
أى أن تطلق حماس مجموعة من الأسرى الإسرائيليين ومن الجنسيات الأخرى مقابل أن تخرج إسرائيل مجموعة من الأسرى الفلسطينيين ..

ومما شاهدناه في أسبوع الهدنة ، تطلق إسرائيل ٢٤٠ أسيرا فلسطينيا ، لتأخذ مكانهم ٢٦٠ آخرين خلال أيام الهدنة !!

أى أن التفاوض مع إسرائيل ليس على الانسحاب من أراضى فلسطينية ، أو حتى الانسحاب من قطاع غزة والرجوع إلى حدود ٧ أكتوبر الماضى ( وقد كان القطاع وقتها محررا بالكامل ) أو إجبار إسرائيل على التفاوض وإعادة الأرض الفلسطينية اذا كنت غير قادر على تحريرها بالقوة ..

هل فى ما أقوله دعوة للاستسلام ؟!
لا بالطبع ..

ولكن دعوة لاختيار وسيلة للمقاومة تتفق مع أوضاعى أنا كدولة محتلة ، وأوضاع الإقليم أو المنطقة التى أعيش فيها ، وأوضاع العالم الذى نعيش لحظته الراهنة ..

وأن أعرف أن للسياسة ساعتها ، كما أن للحرب وقتها ، ولوسائل المقاومة السلمية زمنها ( بالفعل وبالكلمة وبعرض قضيتى على العالم بذكاء وبجمع الأنصار استعدادا ليوم يكون فيه الاحتكام إلى السلاح ممكنا .. وهو يوم أت مهما طال الزمن ) ..

ربما يكون عدوى أقوى منى بكثير ، ولكن ليس دوري أن أسهل له مهمته ، وحماس حاربت إسرائيل فى ملعبها ، وهو استخدام القوة الغاشمة ، وهى واثقة أن وراءها أمريكا والاتحاد الأوروبي ..

لم ينكر أحد على الفلسطينيين مقاومة محتليهم ، ولكن للمقاومة وسائل لا تنتهى ، ولكل وسيلة وقتها ..

و بالنسبة لتحدى إسرائيل عسكريا فقد اختارت حماس أسوأ توقيت ..
فالساحة العالمية أصبحت مرتع لأمريكا دون حسيب أو رقيب ..
فروسيا - وهى دولة عظمى عسكريا - منكفئة على نفسها ، ومشغولة بحرب اوكرانيا ، ولا تعرف كيف تنتصر فيها ، ولا تعرف حتى كيف تنهيها ..

والصين ، وهى دولة نووية ولديها تحت السلاح ما يقارب من ٢ مليون جندى ، لا تستطيع استعادة أرضها نفسها ( تايوان ) من قبضة أمريكا ، مع أن تايوان لا تبعد عن الصين خطوات ، فى حين أنها تبعد عن أمريكا آلاف الكيلومترات !!

وأوروبا - تلك القارة العظيمة - أصبحت تابعا صغيرا وذليلا لأمريكا ، تتعامل أمريكا معها كما تتعامل مع دول العالم الثالث ..

وقد كان فلاديمير بوتين صادقا عندما قال أن ألمانيا واليابان دولتان محتلتان بالكامل - قراراً وسياسة واقتصاداً وعسكرياً - لأمريكا ..

واليابان هى القوة الاقتصادية الثالثة في العالم ..
وألمانيا هى القوة الاقتصادية الرابعة فى العالم ..

هكذا تفعل أمريكا مع القوتين الثالثة والرابعة عالميا .. فما بالنا بالباقى !!

والعالم العربي والاسلامى مفكك ، والكل يبحث عن مصلحته الذاتية ، كما أن الكل يريد أن ينجو بنفسه من هذا الثور الأمريكى الهائج ..

واذا أخذنا تركيا كمثال ، فسوف نجد دولة من أقوى واغنى الدول الإسلامية ، وحزبها الحاكم ينتمى إلى نفس التيار السياسي الذى تنتمى إليه حماس ..

وقد تدخل الجيش التركى فى العشر سنوات الأخيرة فى الدول التالية : سوريا ، والعراق ، وقطر ، وليبيا ،وأذربيحان !!

وفى الحرب بين روسيا وأوكرانيا امدت تركيا اوكرانيا بالطائرات المسيرة التركية الشهيرة من نوع بيرقدار ..

أما فى فلسطين وفى غزة ، فلم يجدها حزب تركيا الحاكم - حزب العدالة والتنمية - تستحق أن يتدخل من أجلها الجيش التركى كما فعل فى غيرها ، ولا أن يرسل إليها بطائرات البيرقدار كما أرسلها إلى اوكرانيا !!

والشاهد في كل ما سبق ..

ليس من الجبن أن أعرف وأحسب قوة عدوى ( ومن وراءه ) ولكن من الجهل أن أخرج لقتال قبل استكمال عدته ، وأن أوهم نفسى انه الجهاد أو العزة أو عدم الانبطاح ... الخ ..

ففى هذه الحالة تكون الألفاظ نوع من المخدر ، الذى يحجب عنى حقائق الزمن الذى أعيش فيه ..

وفى النهاية أكون حققت لعدوى كل ما يتمناه .. بغباء ورعونة وعدم تقدير للمسئولية يستحق التعجب والدراسة ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت