لماذا المنافسة في الانتخابات الرئاسية باهتة ؟!

أحمد فاروق عباس
2023 / 12 / 7

هناك إجماع بين المصريين أن نتيجة الانتخابات الرئاسية معروفة سلفا وأنها شبه تحصيل حاصل ، وأن فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤكد ..

وكل ما سبق صحيح ..
ولكن السؤال .. لماذا ؟!

أن من ينافس الرئيس السيسي فى الانتخابات اتجاهات سياسية عريقة ، لها فى تاريخ مصر جذور قوية .. وهم :

١ - حزب الوفد .. وممثله في الانتخابات الرئاسية رئيسه عبد السند يمامة ..
وحزب الوفد تاريخيا قلعة الليبرالية في مصر ..

٢ - والحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى ، وممثله في الانتخابات الرئاسية رئيسه فريد زهران .. وهو رجل معروف في الحركة اليسارية المصرية منذ السبعينات ..

والحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى ينتمى إلى يسار الوسط .. وهو نوع من الأحزاب او الاتجاهات السياسية معروفة في الغرب باليسار الجديد ..

واليسار عموما له فى مصر جذور قديمة ، منذ نشأة أفكار الاشتراكية في مصر فى عشرينات القرن العشرين ، وكان اليسار - القديم - اتجاها سياسيا قويا فى مصر فى ستينات وسبعينات القرن العشرين ..
وإلى الحزب تنتمى شخصيات شهيرة مثل د محمد أبو الغار ، د حازم الببلاوى ، د زياد بهاء الدين ..

٣ - حزب الشعب الجمهورى ، وممثله في الانتخابات الرئاسية رئيسه حازم عمر ، وهو حزب يصنف نفسه بأنه مدني ليبرالي ، وله فى مجلس النواب ٥٠ عضوا ، ونائب رئيس الحزب هو رجل الأعمال المشهور أحمد أبو هشيمة ..

إذن .. هناك اتجاهات سياسية واضحة وعريقة الجذور في مصر لها فى انتخابات الرئاسة رجالها ومرشحيها ، فمن أين جاءت تلك الرتابة في الجو السياسى فى مصر ؟!

والجواب .. لأن هذه الاتجاهات السياسية لا تعبر عن شئ حقيقي في مصر اليوم ، أو بمعنى آخر هى اتجاهات سياسية لا تسندها فئات اجتماعية واضحة أو معروفة ..

فعن من يعبر حزب الوفد مثلا ؟
وحزب الوفد هو الحزب الليبرالي الرئيسي في مصر ، ومع ذلك .. هل يعبر حزب الوفد عن رجال المال والأعمال والاقتصاد ؟!
هل يعبر عن المنتجين أو الأغنياء ؟!
والإجابة .. لا .

وعن من يعبر الحزب المصرى الديموقراطي بالضبط ؟
هل يعبر مثلا عن الطبقة العاملة في مصر ؟
هل يعبر عن طبقة الفلاحين ؟
هل يعبر عن صغار المنتجين أو الحرفيين ؟

والجواب .. لا .

ليس للطبقة الرأسمالية أو الطبقة العاملة في مصر أحزابها ، كما هو معروف في بريطانيا مثلا - وهى اعرق ديموقراطية في العالم - حيث هناك حزبان :

أ - حزب المحافظين .. وهو حزب الطبقة الرأسمالية البريطانية ، وحزب الاتجاهات المحافظة في بريطانيا ..
ب - حزب العمال .. وهم حزب الطبقة العاملة في بريطانيا ، وحزب الاتجاهات اليسارية والتقدمية عموما فى بريطانيا ..

ليس للطبقات الاجتماعية أحزابها في مصر ، ولذلك حديث طويل ، خلاصته أن تجربة نمو الطبقات تاريخيا في مصر تختلف بشدة عن تجربة نمو تلك الطبقات في غرب أوروبا ..

وبالتالى فليس هناك فى مصر طبقة متحدة الاتجاه والكلمة لرجال الأعمال والمال والاقتصاد ..
وبعد ثورة يناير وعندما أعلن السيد نجيب ساويرس - ممثلا للرأسمالية المصرية - حزب المصريين الأحرار ، لم يجد الحزب مساندة من الطبقة الرأسمالية المصرية ، وظل حزبا قائما على جهد - ومال - فرد واحد ..

وحتى عندما نشأ بعد ثورة يناير أيضا الحزب الشيوعي المصرى معبرا عن الطبقة العاملة والشغيلة في مصر لم يلتفت إليه أحد لا من العمال ولا من الشغيلة ..

وعندما أعلن الأستاذ عبد الغفار شكر تأسيس حزب التحالف الشعبى كحزب يسارى جديد وصوت للمهمشين ، ضاع صوته في الزحام ولم يقتنع حتى هؤلاء المهمشين أن ذلك صوتهم ..

النتيجة .. أن الفئات الاجتماعية في مصر لم تصل من النمو ومن الوعى إلى درجة من التماسك يجعلها تتصرف كطبقة مستقلة ، وبالتالى تعبر عنها إتجاهات سياسية واضحة ..

مع غيبة أحزاب سياسية تعبر عن فئات اجتماعية محددة كما فى الغرب ، لا يبقى فى الساحة سوى الأحزاب العقائدية أو الأحزاب الأيديولوجية ..

وهى أحزاب قائمة على " آراء " معينة قد تكون مستندة على الدين ، كأحزاب الإخوان المسلمين أو أحزاب السلفيين أو غيرهم من الاتجاهات الدينية ..

أو أحزاب قائمة على أيديولوجيات دنيوية مثل الأحزاب القومية .. كحزب البعث فى سوريا وفى العراق - فى الماضى - والأحزاب الناصرية ..

ومشكلة هذا النوع من الأحزاب أنها قائمة على أفكار معينة تريد تطبيقها ، وهذه الآراء ليس هناك إجماع عليها ، مثل أفكار تطبيق الشريعة الاسلامية أو الخلافة الإسلامية بالنسبة للأحزاب الإسلامية ، هى نفسها تختلف فى مفهوم تلك الآراء وأسلوب تطبيقها ..

ومثل تطبيق الاشتراكية أو الوحدة العربية بالنسبة للأحزاب القومية والناصرية ..

وأحزاب الطبقات - كما فى أوروبا الغربية - داعية للاستقرار والاستمرار لأنها قائمة على مصالح دائمة .. هى مصالح طبقاتها ..

اما أحزاب الأفكار والآراء كما فى مصر فهى داعية دائمة للتغيير والثورة ، لأنها ليست قائمة على فئات اجتماعية محددة لها مصالح ثابتة ..

يبقى على الساحة - بعد غيبة أحزاب الطبقات ، ووجود أحزاب الأفكار والآراء - جهاز الدولة ..

وجهاز الدولة في كل دول العالم داع للاستقرار ، وهو بحكم طبيعته يجد نفسه في تناقض مع أفكار التغيير والثورة ، وخاصة إذا كانت هذه الأفكار جامحة ، وليس وراءها واقع يمكن الوصول إليه ، ولكن اغلبها أحلام وتصورات ورؤى بها من الشطط أكثر مما فيها من الأمل ..

وفى حالة وصول تلك التيارات الأيديولوجية إلى السلطة - فى ظروف معينة - تجد نفسها فورا فى صراع مع قوى الاستقرار في الدول ، وأول وأهم قوى الاستقرار في جهاز الدولة هو قواتها المسلحة ..

واذا أخذنا أحزاب الاسلام السياسي كأهم واكبر الأحزاب الأيديولوجية كمثال سوف نجد الآتى ..

لا يبقى أمام الدول التى وصل فيها أحزاب أيديولوجية إلى السلطة إلا طريق من إثنين ..

١ - اما أن تقوم تلك التيارات الأيديولوجية بتحطيم الجيش ، وتكوين جيشها الخاص ، وتأميم السياسة فى البلد لمصلحتها الخاصة ، وعدم السماح بظهور اتجاهات مخالفة فى السياسة أو فى الفكر أو غيرها ، تحت دعوى أن تلك الآراء مخالفة للدين ..
وهو ما حدث في إيران بالضبط ..

٢ - واما أن يقوم الجيش بتحطيمها ، وهو عين ما حدث في مصر ، تاركا الفرصة لنشأة أحزاب قائمة على نمو قوى وعلاقات الإنتاج ، ومهما تأخر ظهورها فإن الأمل فى قيامها يظل على بند المستقبل فى تلك الدول ، وليس بابا مسدودا وصل إليه البعض وفتحه لنفسه وأنصاره ثم قام بإغلاقه بأحكام أمام غيره ، تحت دعوى أنهم - كما حدث في مصر نفسها عام ٢٠١٢ - ليبراليين أو علمانيين أو حتى - اذا ارتفعت معارضتهم - مجموعة من الملحدين !!

تلك خلاصة القصة فى مصر ..

١ - احزاب لم تجد طريقها للظهور بعد ، تعيد تجربة الديموقراطيات العريقة فى الغرب ، وهى قائمة على نمو الطبقات الاجتماعية .. وهى لم تزل فى مصر لم تصل بعد إلى تصور معين لقيامها ودورها ..

٢ - وأحزاب أيديولوجية .. تعبر عن أنصار متعصبين ، تجد نفسها في تصادم مع الجميع ، ليس أولهم المخالفين لأفكارها من الشعب ، وليس آخرهم قوى الاستقرار في جهاز الدولة ..

فى أثناء ذلك تجد قوى الاستمرار - ممثلة في جهاز الدولة وفى القلب منه قواتها المسلحة - دورها مطلوبا ، خوفا - أولا - من التيارات الأيديولوجية المغامرة ، وانتظارا - ثانيا - لقوى وعلاقات الإنتاج أن تؤدى دورها في نشأة طبقات اجتماعية متمايزة ، تصل بعد فترة إلى درجة من القوة والنضج أن يصبح دورها السياسى طبيعيا وجاء أوانه ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت