هل ثمة تحول حقيقي في الوعي الغربي لقضية فلسطين؟

عبدالله عطية شناوة
2023 / 12 / 5

يتداول رواد مواقع التواصل الأجتماعي مقاطع لا حصر لها عن مظاهرات، لا حصر لها أيضا، في بلدان الغرب، تعبيرا عن السخط على جرائم الأبادة الجماعية والتطهير العرقي التي يقترفها جيش العدوان النازي الصهيوني، في الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وكذلك مقاطع لسياسيين او مواطنين غربيين، مؤثرين أو عاديين، بدأوا في التعرف إلى حقيقة إسرائيل كدولة فصل عنصري قامت على إغتصاب أراضي الشعب الفلسطيني، وواصلت على مدى ثمانين عاما تنظيم المجازر الجماعية ضده وضد الشعوب العربية التي حاولت مساندته.

مثل هذه المقاطع تبعث شعورا بالارتياح في أجواء خانقة يسودها الأحباط بين المساندين العرب للشعب الفلسطيني وقضيته، جراء عجزهم عن تحوبل تضامنهم المعنوي الى تضامن حقيقي يغير من موازين القوى على ساحة الصراع. وتوحي تلك المقاطع بان وضع القضية الفلسطينية على أعتاب تغير ناجم عن انزياح الحجب التي حالت دون رؤية الرأي العام الغربي لحقائق المعضلة الفلسطينية، وأن هذا لابد ان ينعكس عاجلا أو آجلا على مواقف بلدان الغرب ونخبها السياسية المتنفذة، أرتباطا بطبيعة الأنظمة ((الديمقراطية)) السائدة في تلك البلدان، والتي يفترض أن تتكيف مع متغيرات الوعي الأجتماعي. وربما عقد البعض أمالا مبالغا فيها على الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الأجتماعي على هذا الصعيد، مما يعني أن أشلاء الأطفال الفلسطينيين الممزقة، ودمائهم المهرقة، وعويل الفلسطينيات على أطفالهن الرضع الذين يختنقون في الحاضنات التي قطع عنها النازيون الصهاينة الأوكسجين، لن تكون بلا ثمن.

وهنا يتعين أن نصارح أنفسنا ونحصنها من الأنسياق إلى المبالغة في هذه التوقعات، فمئات الألوف الذين انخرطوا في مظاهرات الغضب على جرائم النازية الصهيونية في عواصم ومدن الغرب، تتألف غالبيتها الساحقة من مواطني بلدان الغرب ذوي الأصول العربية والإسلامية، ومن أوساط اليسار بين المواطنين الغربيين من أصول غير أوربية، ويدخل في هذا الأطار اليهود اليساريون، واليهود الأصوليون الذين ينطلقون من قناعة دينية بأن إسرائيل دولة صهيونية غير شرعية، يتعارض وجودها مع التعالم اليهودية السلفية. أما نسبة المشاركين في الأحتجاجات من المواطنين الغربيين ذوي الأصول الأوربية فلا تزيد في أحسن الأحوال عن الـ 5%، وهم في الغالب من ناخبي أحزاب اليسار التي كانت واستمرت داعمة لقضايا الشعوب العادلة.
أما الغالبية الساحقة من الغربيين ذوي الأوصول الأوربية، فتتوزع مواقفها بين:

1 ــ مواصلة التأييد التقليدي لإسرائيل، كأمتداد لما ترسخ في الأذهان عن أن إسرائيل نموذج غربي متقدم، ينهض بذات المهام التي نهض بها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، من أستيطان مناطق تسكنها أثنيات متخلفة عاجزة عن مواكبة أنجازات الرجل الأبيض، الذي شيد الحضارة الحديثة، وأن على تلك الأثنيات المتخلفة أما أن تذوب في هذه الحضارة وتخضع لأهم شروطها: الخضوع لقيادة الرجل الأبيض، وأدواته المختارة أو المتطوعة لخدمة مشاريعه من أفراد تلك الأثنيات (من شاكلة لويد أوستن، ريتشي سوناك ووزيرة داخليتة المقالة)، أو أن يتم التخلص منها بمختلف الأساليب ومنها التطهبر العرقي، سلما أو بالأبادة الجزئية أو الجماعية.
2 ــ أعتبار ما يجري في الشرق الأسط مجرد حلقة من حلقات العنف المستمرة في هذه المنطقة المتخلفة، والتي لن تتوقف بسبب (( ثقافات التخلف والصرعات الدينية والثقافية )) ولهذا فان ما يجري في غزة، لا يستحق الأهتمام، فلا شيء يغير من الأوضاع، التي تتصل بـ ((جذور الشرق ومعضلاته وتخلفه المستديم)).
3 ــ النأي عن تحديد موقف، على خلفية الأعتراف بالعجز عن فهم تعقيدات الصراعات والمجابهات المستديمة والمتوالدة عقودا بعد عقود. والتركيز على الأهتمامات الشخصية، وحل الصعوبات والأهتمام بالعائلة أو بالمتع الفردية.

فهم النخب السياسية الغربية المنتفذة لأتجاهات التفكير التي أشرنا إليها في مجتمعاتها، تجعلها في وضع آمن وبعيد عن القلق، من احتمال تغير كبير في خيارات الناخبين، يساعدها في ذلك الضخ الأعلامي الذي تغدقه مؤسسات إعلامية عملاقة، ووسائل متعة وترفيه، مملوكة أو ممولة من أولياء نعم تلك النخب السياسية، ومموليها مباشرة أو بشكل غير مباشر.

ليس الغرض من هذه السطور خلق حالة من الأحباط، وأنما الأبتعاد عن التعويل على مظاهر قد تخفي ضخامتها تفاصيل يتعين الأنتباه لها، بما يبعدنا عن التعويل على أوهام. فالقضية الفلسطينية لن ينصرها غير أصحابها أولا، وغير الشرفاء، وأصحاب الضمائر الحية، الذين تحرروا من هيمنة الجهد الفكري والأعلامي الذي قامت، وتواصل القيام به الأجنحة السياسية والثقافية الفكرية لسلطة رأسالمال الأمبريالي العالمي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت