أوزماندياس-؛ أو -رمسيس الثاني..

حكمت الحاج
2023 / 12 / 4

قصيدة: بيرسي بيش شيللي
ترجمة وتعقيب: حكمت الحاج*

قابلتُ مسافرًا قادما من أرض قديمة
قال لي: "هنالك في الصحراء
تنتصب قدمان عملاقتان من الحجر،
وبجانبهما، على الرمال،
يكمن نصف وجه غاضب محطم،
بشفتين مزموتين
وابتسامة ساخرة،
وثمة نقش يُخبر
أن نحات النصب قد قرأ جيدا
تلك العواطف التي لا تزال قائمة
وهي مطبوعة على هذه الأشياء الخاملة
وتكمن تلك اليد التي سخرت منها
والقلب الذي أطعمها؛
وعلى قاعدة التمثال
ظهرت هذه الكلمات:
اسمي هو أوزماندياس
ملك الملوك؛
انظروا إلى أعمالي يا أيها الأقوياء
واستسلموا لليأس إذ لا شيء يضاهيها
وحول هذا الحطام الضخم
تمتد الرمال الوحيدة
البعيدة المستوية
بلا حدود
إلى ما لا نهاية."

"Ozymandias" by Percy Bysshe Shelley

* تعقيب:/ في قصيدته الشهيرة هذه، يستخدم بيرسي بيش شيللي الاسم الرمزي "أوزماندياس" لنقل رسالة قوية حول طبيعة السلطة العابرة والتراجع الحتمي للحكام الأقوياء. يستعين شيللي بالشخصية التاريخية لرمسيس الثاني لتمثيل الغطرسة والغرور لأولئك الذين يتولون مناصب السلطة. اذ استمد اسم "أوزماندياس" نفسه من الاسم اليوناني للفرعون المصري رمسيس الثاني (1279-1213 ق.م) الذي كان معروفًا بتماثيله الضخمة ومشاريعه الطموحة. من خلال اختيار هذا الاسم الرمزي، طوال القصيدة، يصف شيللي أطلال تمثال يصور أوزماندياس، مؤكدًا على الانحطاط والتدمير الذي حل بهذا الحاكم العظيم في السابق، بينما توجد نقشة على التمثال تقول:
"أنا أوزماندياس، ملك الملوك؛
انظروا إلى أعمالي، يا أيها الأقوياء،
واستسلموا لليأس!"
وتسلط هذه النقشة الضوء على الغطرسة وهواجس العظمة التي كانت تتملك أوزماندياس. ومع ذلك، تكمن السخرية في حقيقة أن كل ما تبقى من إمبراطورية أوزماندياس هي هذه الأطلال المهجورة والمنسية. فالحاكم العظيم الذي كان مهابا في السابق لم يعد سوى آثار منسية من الماضي. يعمل هذا الاسم الرمزي كتذكير بأنه بغض النظر عن مدى قوة أو تأثير شخص ما خلال حياته، فإن إرثه في النهاية مؤقت ومعرض لعاديات الزمان. من خلال استخدام الاسم الرمزي "أوزماندياس"، يحث شيللي القراء على التفكير في زوال السلطة وعبثية السعي وراء الخلود والمجد من خلال الممتلكات المادية والإنجازات. إنه يخلق لنا حكاية تحذيرية ضد خطورة الطموح غير المقيد والطبيعة العابرة لإنجازات الإنسان وكتذكير بعدم دوامها. من خلال هذا الرمز، ينقل شيللي رسالة عميقة حول طبيعة السلطة العابرة والتفاهة النهائية للطغاة الأقوياء في مواجهة الزمن.
لا يحمل أي من الأهرامات اسم رمسيس الثاني. فقد تم بناء الأهرامات كمقابر للفراعنة، وكان كل هرام منها مكرس لفرعون معين. في حين تقع مقبرة رمسيس الثاني في وادي الملوك في الأقصر، وليس في منطقة الأهرامات. ولاشك أن أشهر الأهرامات في مصر هو الهرم الأكبر في الجيزة، الذي تم بناؤه للفرعون خوفو، والهرم الأصغر الذي تم بناؤه للفرعون خفرع. غالبًا ما يستخدم الشعراء الرموز لنقل معانٍ ورسائل أعمق في أعمالهم. في هذه القصيدة، يصف شيللي بقايا تمثال يصور أوزماندياس، مؤكدًا الانهيار والتدمير الذي حل بهذا الحاكم العظيم في السابق. تسلط النقشة على التمثال الضوء أيضًا على الغطرسة وأوهام العظمة التي كانت تتملك الفرعون المصري. وهكذا استطاع شيللي وعبر قصيدة قصيرة وبسيطة، أن يمرر رسالة عميقة حول زوال السلطة و"تافهية" حتى أقوى الطغاة أمام قوة الزمن.

* لكن، ما السلطة؟
يمكن تعريف السلطة بأنها القوة أو الحق في إصدار الأوامر واتخاذ القرارات وفرض الطاعة. في الشعر، يمكن أن تتجلى السلطة من خلال استخدام الشاعر للغة والصورة والرمزية لنقل شعورٍ بالقوة والسيطرة. قد يستخدم الشعراء أيضًا سلطتهم للتعامل مع قضايا اجتماعية أو سياسية هامة، مما يعطي صوتًا للمجتمعات المهمشة ويتحدى الهياكل السلطوية القائمة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تتجلى السلطة في الشعر من خلال قدرة الشاعر على إثارة العواطف القوية وتحفيز التفكير لدى القارئ. من خلال كلماتهم، يمكن للشعراء أن
يؤكدوا سلطتهم ويؤثروا في فهم القارئ وتفسيره للعالم من حوله.
فلسفيا، كل معرفة هي سلطة، ولها سلطة. وكل سلطة بالضرورة لها معرفتها. ذلك هو الجدل أو الدياليكتيك. وعلى وفق ما يذكره ميشيل فوكو، فإن السلطة تقوم على المعرفة وتستفيد من المعرفة؛ من ناحية أخرى، تعيد السلطة إنتاج المعرفة من خلال تشكيلها بحسب نواياها الغامضة. تعيد السلطة تأسيس مجالات الممارسة الخاصة بها من خلال المعرفة.
بشكل عام، السلطة في الأدب، وخاصة في الشعر، هي مفهوم معقد ومتعدد الجوانب يمكن التعبير عنه بطرق مختلفة، مما يشكل في النهاية تأثير وأهمية عمل الشاعر، كما تجلى ذلك في هذه القصيدة الخالدة، "أوزماندياس".

* بيرسي بيش شيللي كان شاعرًا وفيلسوفًا وكاتبا مسرحيا إنگليزيًا مشهورًا. وُلد في أغسطس من عام 1792 وتوفي في 1822 في مقاطعة ساسكس بإنگلترا، ويُعتبر شيللي واحدًا من أعظم الشعراء الرومانسيين في عصره. كانت حياة شيللي المبكرة مليئة بالمآسي والمعاناة والتمرد. تم طرده من جامعة أكسفورد بسبب نشره كتيبًا يروج للإلحاد، والذي كان يُعتبر مثيرًا للجدل للغاية في ذلك الوقت. على الرغم من مواجهته للانتقادات والمعارضة، استمر شيللي في التعبير عن أفكاره الراديكالية من خلال شعره. غالبًا ما تناولت أعمال شيللي مواضيع الحب والطبيعة وقوة الخيال. تشمل أشهر قصائده "قصيدة إلى الريح الغربية" و "إلى طائر السمان" و"أوزماندياس". تُظهر هذه القصائد الأسلوب اللغوي الشاعري لشيللي وقدرته على إثارة المشاعر القوية في قرائه. بالإضافة إلى شعره، كان شيللي معروفًا أيضًا بنشاطه السياسي. كان مدافعًا قويًا عن العدالة الاجتماعية والمساواة، وكتاباته غالبًا ما انتقدت المؤسسات القمعية في ذلك الوقت. معتقدات شيللي السياسية والتزامه بحرية التعبير جعلته شخصية مثيرة للجدل في حياته.
بشكل مأساوي، انقطعت حياة شيللي في سن الـتاسعة والعشرين عندما غرق قاربه في حادث قبالة سواحل إيطاليا. على الرغم من وفاته المبكرة، ما زال إرث شيللي كشاعر ومدافع عن الحرية الفردية مستمرا في إلهام أجيال من الكتاب والفلاسفة والشباب. وما زالت شعرية بيرسي بيش شيلي تحتفى بجمالها وشغفها وروحها الثورية. لقد أثرت أعماله بشكل عميق على تطور الأدب الإنجليزي، وما زالت تدرس وتُقدر من قبل القراء في جميع أنحاء العالم.

* إثر حوار خاص جمعني بالصديقين، الشاعرة عواطف محجوب والكاتب محمد علي أحمد، حول تطور مفهوم السلطة عبر العصور وانعكاسه على الأدب، فكرت أن أدلي إليهما برأيي في الموضوع، فكانت هذه الترجمة، وكان هذا التعليق. وليتقبلا مني ذلك مشفوعا بامتناني.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت