الرسام العراقي المغترب (هاني دلة) والفراغ الممتلئ

سمرقند الجابري
2023 / 12 / 4

منذ دراستي للفن في عام 1994 وحتى وقتنا هذا، تعرفت الى عدة فنانين عراقيين وأطلعت على أساليبهم وتقنياتهم خلال حضوري للمعارض الفنية في بغداد او اتتبع انجازاتهم عبر الصحف المحلية والمواقع، غير ان اغلب الفنانين العراقيين المغتربين تعرفت إليهم عبرالانترنيت، ولم يكن ذلك يكفيني بل كنت أحب أن أقف امام اللوحة وأطرح تساؤلاتي على الفنان نفسه.
عرفت لوحات الفنان المغترب (هاني دلة) عبر الفضاء الالكتروني، كنت أحب أن انشر في صفحي بين حين وآخر لوحة له، لأقول لأصدقائي:
- "صباح الخير أيها العالم الطيب"
وهكذا عملت "طاقة الأرض" على منحي فرصة حضور معرض فني للفنان هاني دلة في بغداد كأن الجمال يكافؤني على صبري الجميل.
شهدت قاعة غاليري في بغداد-ساحة عقبة بن نافع مساء الجمعة 17 نوفمبر 2023 افتتاحا للمعرض الشخصي للفنان (هاني دلة) حمل عنوان (الفراغ الممتلئ) 30 لوحة تنوعت بين قياسات (40×50) وصولا الى لوحة امتدت الى ما يعادل خمسة أمتار وكان لا بد للزائر ان يرى من بعيد ذلك البرتقالي المصفر الذي يضج بالحياة وهو المفضل للفنان هاني الذي يغلب على معظم اعماله، وهذه المرة زاحم اللون الأزرق الغامق الذي يدل على الفقدان والموت والرحيل في بعض الاعمال.
بالنسبة لي أحببت رؤية الفنان التشكيلي "مازن منذر" عن المعرض حين تبادلنا الحوار حول قراءتنا الفنية عن الاعمال:
-" بدء الفنان في اول لوحة بوضع صورته الشمسية ضمن سياق العمل، موضحا ذكريات الطفولة وبعدها وضع لوحتين بضلعين متقابلين كل واحدة منهما استحلت الجانب الأيمن من القاعة والجانب الايسر، اللوحة الأولى لامرأة بثياب ذات لون ازرق غامق مما يدل على الموت او الفقدان، لامرأة تنتظر بملامح مغيبة في فضاء واسع بلون رمادي، اللوحة عن اليمين هناك مفتاح في اعلى الجدار يدل على مدخل لباب عتيق وقد تدل على غرفة الغائب، اذن لم يكن الفراغ فراغا بقدر ما قد يحمله الفراغ من ذكريات وحكايا، في اللوحة الثانية المرأة مقيدة جالسة على كرسي الانتظار تحمل مظروفا ورقيا لرسالة ترتبط بفترة المراسلات البريدية للأشخاص البعيدين عنا، وفيها رمز للطائرة باتجاه الأعلى في تلك اللوحة المفتاح اختفي واستحل الباب مكانا جانبيا، وهناك رمز الطفولة البعيدة لعبة الكرات الزجاجية التي يطلق عليها العراقيون تسمية (الدعابل) التي تتخذ من المثلث المقلوب مكانا لها، واستحل مكان الكرات الجانب البعيد الاقصى وتراوحت الشخصيات في لوحات الفنان بين المرأة والعائلة والرجل المغيب.
لعل أكبر عمل في المعرض هو الذي شكل مركز اهتمام الزائرين، حيث نُفذ بألوان حيادية (الأبيض والأسود والرمادي بتدرجاته) للوحة امتدت وسط المعرض مستوحاة من (لوحة الجورنيكا -بابلو بيكاسو) التي تمثل قصف المدينة ودمارها في الحرب الاسبانية، بمساحة خمسة أمتار رأى فيها الفنان استعراضا لحياته التي تشبه تلك اللوحة.
يدور الزائر مع تساؤلاته بين اللوحات الكبيرة والمتوسطة الحجم والصغيرة وهو يحمل جواله، ناقلا الى العالم ثورة لونية بدأت من (قاعة غاليري) بدأت من ذكرى صورة فوتوغرافية شمسية للفنان ولا تنتهي تفاصيلها المختزلة في اللوحة كأنها تمتد الى معارضه القادمة.
تجولنا في المعرض مرة ولم نكتفي، خرجنا لشرب القهوة وتنشق هواء بغداد التي تستقبل الشتاء وعدنا مرة أخرى، لعلي انا التي اردت ان اعود بعد يومين الى المعرض لأجد متعة خاصة في التأمل بعيدا عن ضوضاء يوم الافتتاح، اتمايل مع ذكريات ذلك الفراغ الممتلئ مع الموسيقى التي تتجول بهدوء التي تم اختيارها باتقائية عالية من قبل العزيزة "ست ميس-مشرفة القاعة" وانا اتنفس عالما منتصرا على تفاصيل الواقع.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت