صعود الديمقراطية الأُصولية-2

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 11 / 30

قصة أربعة ديمقراطيات

ما الأثر الذي خَلَّفه الخلط بين الدين وبين الهويات القومية على نوعية الديمقراطية العالمية؟ في 2005، ومع بدء حقبة الركود الديمقراطي، كانت الديمقراطيات الأربعة الأكبر في العالم من حيث عدد السكان هي الهند والولايات المتحدة الأمريكية وإندونيسيا والبرازيل. وهي اليوم تستوعب مجتمعة حوالي 2.25 مليار شخص، أو قرابة 28 بالمئة من تعداد البشر على كوكب الأرض. في 2005، صَنَّفت فريدم هاوس جميع هذه البلدان الأربعة "حُرَّة". وكان متوسط درجاتها في الحريات السياسية لتلك السنة يساوي 1.75، بينما كان المتوسط في الحريات المدنية يساوي 2.25 على مقياس من سبعة نقاط (الدرجات الأدنى تشير إلى مستويات أكبر من الحرية). لكن بحلول 2022، كانت اثنتان فقط من البلدان الأربعة لا تزال ضمن فئة "الحُرَّة"- الولايات المتحدة والبرازيل- بينما سقطت الاثنتان الأخريان- الهند وإندونيسيا- إلى "حُرَّة جزئياً". كان متوسط درجات الحقوق السياسية لهذين البلدين قد ساء إلى درجة 2، بينما تدهور متوسط الحريات المدنية إلى 3.25 مُقلقة. كانت كل واحدة من الدول الأربعة قد شهدت انتكاسة ديمقراطية.

على الرغم من تشَعُب الأسباب وراء هذا الأفول الديمقراطي، إلا أنه حري بالذكر أن كل بلد من هذه البلدان قد شهد ظهور حركات دينية-قومية كبرى استاءت من التعددية الدينية وطالبت بالمحاباة تجاه أديان الأغلبية. دعونا نلقي نظرة سريعة على كل واحدة من هذه البلدان الأربعة على حدة.

في الهند، الديمقراطية الأكبر في العالم، ظلت الحرية تتعرض لهجوم مطرد منذ عام 2014، حين انتُخب ناريندرا مودي، سياسي قومي هندوسي سبقت له الخدمة كرئيس لحكومة ولاية غوجارات، رئيساً لوزراء الهند. إذ بفضل الدعم من فصيل صَحَوِّي من القومية الهندوسية المسلحة، نجح حزب مودي، بهاراتيا جاناتا- وهو تنظيم قومي هندوسي يميني يرفض صراحةً مبدأ العلمانية السياسية- في العودة إلى السلطة بعد عشرة سنوات من التجميد. يتبنى حزب بهاراتيا جاناتا أيديولوجية سياسية تُدعى هندوتفا (تعني حرفياً، "الهندوسية") ورثها بدوره من منظمة طوعية قومية هندوسية تُعرف باسم راشتريا سوايامسيفاك سانغ (منظمة التطوع الوطنية)، التي تنشد إقامة راشترا (أُمَّة) هندوسية نقية لا تُدنسها الأقليات الدينية.

بمجرد توليه زمام الأمور، مررت الحكومة المركزية بقيادة حزب مودي القوانين وسنت السياسات التي قنَّنَت الامتيازات الهندوسية وحولت حياة الأقليات الدينية إلى جحيم لا يُطاق. متسلحة بقانون تنظيم التبرعات الأجنبية، وهو قانون ينظم الوصول إلى التمويل الأجنبي، وضعت حكومة مودي قيوداً صعبة على الكيانات الدينية الأجنبية العاملة في الهند، وألغت أو جمدت تسجيلات مئات الجمعيات الخيرية المنتسبة إلى أديان الأقلية. كان من هذه الجمعيات منظمة الخدمة الاجتماعية المسيحية البروتستانتية، الرحمة الدولية والمبشرين الخيرية، وهي أخوية تتبع الأخوات الروم الكاثوليك التي أسستها الأم تيريزا في الهند عام 1950. وفي أغسطس 2019، أنهت حكومة مودي الوضعية الخاصة للدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة في الهند، واعتقلت العشرات من قادتها السياسيين والمدنيين دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة. ثم قطعت الإنترنت بالكامل عن هذه الدولة لفترة طويلة. وفي ديسمبر من نفس العام، مررت الحكومة قانون تعديل المواطنة، الذي يحرم فعلياً المسلمين المولودين لأجانب من أن يصبحوا مواطنين هنود.

أدى تمكين القومية الهندوسية على المستوى الوطني إلى إطلاق العنان لها على المستوى المحلي أيضاً. لذا أقدمت حكومات بعض الولايات الخاضعة لسيطرة حزب بهاراتيا جاناتا، ومن ضمنها ولايات غوجارات وماهاراشترا وراجستان، على إعادة كتابة الكتب المدرسية في مسعى لإبراز المساهمة الهندوسية في تاريخ وتنمية الهند، وفي الوقت نفسه طمس المساهمات المقدمة من غير الهندوس. كما سعت الحكومات المحلية في عدة ولايات أيضاً إلى تقنين العلاقة بين الهندوسية والسلطة الحكومية عبر تمرير أو تعزيز تشريعات تحظر ذبح الأبقار (التي تعتبر مقدسة في الهندوسية) وتمنع التحول من الهندوسية إلى أديان الأقليات.

هذا التحول الأُصولي للهند هو المسؤول إلى حد بعيد عن انتكاستها الديمقراطية. في دراسة استطلاعية تغطي عام 2020، خَفَّضت فريدم هاوس تصنيف الوضع الديمقراطي للهند إلى "حرة جزئياً" للمرة الأولى منذ فرضت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي حالة "الطوارئ" وحكمت بالمراسيم وعلقت الحريات المدنية في منتصف السبعينات. وفي طبعة 2021 من تقرير "الحرية في العالم"، نوهت فريدم هاوس إلى "نمط مستمر منذ سنوات" من "تصاعد العنف والسياسات التمييزية" ضد المسلمين فضلاً عن "قمع" أكبر ضد الانشقاق الداخلي. وفي نفس الوقت تقريباً، صَنَّف مشروع "أنواع الديمقراطية" الهند ضمن فئة "الأوتوقراطية الانتخابية."

بالتزامن مع انتكاستها فيما كانت ذات يوم الديمقراطية الأكبر في العالم، شهدت الديمقراطية كذلك انحساراً في الديمقراطية الأقدم في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية. في كلا حملتي الانتخابات الرئاسية في 2016 و2020، استحوذ دونالد ترامب على أكثر من 80 بالمئة من أصوات المسيحيين الإنجيليين البيض. كان من العوامل الهامة المُفضية إلى هذا التأييد الكاسح عزمه المُعلن على مناصرة القضايا المسيحية. في يناير 2016، خاطب ترامب جمهور الحاضرين بجامعة دوردت، مدرسة مسيحية بولاية آيوا، متعهداً بأن إدارته ستبعث "قوة حقيقية" في المسيحية التي قال إنها كانت تحت "حصار مروع". وفي الوقت نفسه، لم يتوانى ترامب عن توجيه الانتقادات اللاذعة للإسلام.

بمجرد تربع ترامب على سدة الإدارة الأمريكية، تحولت القومية المسيحية- وهى أيديولوجية تنادي بالمزج بين شكل معين من المسيحية وبين الدولة فضلاً عن امتيازات عمومية للمسيحية- إلى موضوع بارز على أجندة رئاسته. ومع أن قليلون فقط قد يرون في ترامب مسيحياً (مُلتزماً)، لكن ذلك لم يمنع هذا الرئيس من أن يرمي بكل ثقله وراء الأجندة القومية المسيحية. قَلدَّ ترامب القوميين المسيحيين مناصب أساسية في إدارته ووجه لهم الدعوة بانتظام إلى البيت الأبيض بغرض التشاور والإحاطة. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تشهد السنوات التي قضاها ترامت في البيض الأبيض ذبولاً مطرداً في المؤسسات الديمقراطية والحريات المدنية.

أدى احتضان ترامب للقومية المسيحية إلى تهديد الضمانة الدستورية للحماية المتساوية بموجب القانون، التي تشكل حجر الزاوية في الديمقراطية. وقد روج المتشددون من دعاة القومية المسيحية لسياسات تسعى إلى تعزيز الوضعية المهيمنة للدين المسيحي في المجتمع، وهو ما شكل خطراً على مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة والحظر الدستوري على المنشآت الدينية. ومهد منح الامتيازات للمسيحية الطريق أمام التمييز ضد جماعات الأقلية. كان من أولى القرارات التي اتخذها ترامب كرئيس هي إصدار أمراً تنفيذياً يحظر على المواطنين من سبعة دول ذات أغلبية مسلمة دخول الولايات المتحدة- وهو تحرك لاقى استحساناً كبيراً من القوميين المسيحيين.

لعبت القومية المسيحية دوراً بارزاً في أكبر محاولة لقلب نتائج انتخابات حرة ونزيهة يشهدها العالم الحديث: أعمال الشغب في مبنى الكابيتول (المقر الرئيسي للسلطة التشريعية الاتحادية في الولايات المتحدة الأمريكية) عام 2021. وليس من قبيل المبالغة وصف اعتداءات 6 يناير على الكابيتول بالانتفاضة المسيحية، حيث رفع المقتحمون الأناجيل والصلبان الخشبية والرايات المسيحية ولافتات مكتوب عليها "المسيح المُنقذ." ورددوا الأناشيد الدينية وهتفوا بالدعاء وركعوا مبتهلين مستغيثين بالله أن ينقذ البلاد والعباد. وقف جاكوب تشانسلي، الشخصية الأشهر المتزعمة للانتفاضة التي اقتحمت قاعة مجلس الشيوخ لتعطيل مداولاته- الرجل العاري الصدر، ذو القرنين، الذي سيلقب باسم "كيو أنون شامان" لشدة إيمانه بنظرية المؤامرة تلك- وسط قاعة المجلس وأَمَّ المنتفضين في صلاة "باسم المسيح القدوس" شكر فيها الله "لقضائه بميلاد جديد للولايات المتحدة الأمريكية" و"وحُكمه لنا بالتخلص من الشيوعيين والعولميين والخونة داخل حكومتنا." لقد رأي تشانسلي في هذه الانتفاضة فرصة لكي يبعث برسالة واضحة إلى أعداء الله: "هذه أرضنا، وهذا ديننا."

كانت الأعمال التحضيرية لهذه الانتفاضة قد أُنْجِّزت بالفعل في الشهر السابق خلال "مسيرة أريحا" بالعاصمة واشنطن، التي أعاد خلالها المؤيدون لترامب تجسيد مشهد من معركة أريحا كما يرويها سفر يشوع التوراتي. تماماً كما فتح يشوع مدينة أريحا بالسير حول أسوارها سبعة مرات، اعتقد هؤلاء المشاركون في مسيرة أريحا الحالية أن باستطاعتهم الاحتفاظ بترامب في منصبه الرئاسي بالسير حول أراضي الكابيتول سبعة مرات. وكانوا أثناء مسيرتهم يتلون الصلوات ويرتلون الترانيم وينفخون في الشوفار (يضربون بالدف؟).
،،،يُتبع،،،
________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://doi.org/10.1353/jod.2023.a907688

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت