مُسائَّلة في غايات طوفان الأقصى

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 11 / 28

لا شك أن عملية طوفان الأقصى الحمساوية ضد إسرائيل كانت ضربة عسكرية على مستوى عالٍ من الإتقان والبراعة والامتياز في التخطيط والتنفيذ لدرجة ربما فاجأت حتى من دبروها ونفذوها أنفسهم قبل غيرهم. لكن لا شك أيضاً أن نفس العملية سياسياً كانت ضرباً من الحماقة والجنون الذي يصل إلى حد الانتحار لدرجة جعلت أي محلل مستبصر يتساءل: ماذا كانت غاياتهم على وجه التحديد؟ وإذا كان لهم، ألم تتوفر بدائل أخرى أفضل لبلوغها؟ إذا كان الفلسطينيون وقضيتهم العادلة على رأس أولويات أولي الأمر من حماس المتحكمون في غزة، ألم يكن بالإمكان ضبط تخطيط وتنفيذ العملية العسكرية بشكل آخر يُفضي إلى نتائج سياسية أفضل، إذا كانت الأخيرة هي غايتهم فعلاً؟

سيناريو بديل محتمل
بدلاً من اختراق الحدود الإسرائيلية والركض المسلح في كل اتجاه دونما هدف محدد سوى قتل وأسر واختطاف أكبر عدد ممكن من العسكريين والمدنيين الإسرائيليين، كان يمكن الاكتفاء بهدف محدد، مثل كيبوتس أو مستوطنة إسرائيلية في المتناول وتضم عدة مئات أو آلاف السكان. وبدلاً من القتل والاختطاف بغِل أعمى دون تمييز، كان يمكن الاكتفاء بتحييد هذا الهدف أرضاً وسكاناً تحت سيطرة المسلحين الفلسطينيين، الذي لا يستلزم من القتلى سوى ما يقع من الطرفين في تبادل مباشر لإطلاق النيران حتى تستتب السيطرة. ثم تفخيخ المستوطنة بالكامل وأخذ سكانها بالكامل رهائن، والتهديد بأن أي اقتراب من الجيش الإسرائيلي سواء من المستوطنة أو من أرض قطاع غزة سيؤدي إلى تفجير كل المستوطنين اليهود ومعهم مقاتلي حماس. في قول آخر، عملية اختطاف انتحارية فلسطينية لمستوطنة إسرائيلية كاملة. وأعتقد أنها كانت أسهل تخطيطاً وتنفيذاً، وذات نتائج محتملة أقل دموية وأكثر إيجابية للفلسطينيين مما حدث بالفعل.

لا شك أن في مثل هذه العملية إرهاب صريح لا يحتمل التأويل، لأنها تنطوي على الاستيلاء على منشأة مدنية وأخذ سكانها رهائن والمساومة عليهم. لكن، من جهة أخرى، هذه المنشأة قائمة على أرض فلسطينية محتلة. وكل من الاحتلال الإسرائيلي والإرهاب الفلسطيني جريمتين صريحتين وفقاً للقانون الدولي.

في هكذا سيناريو- أقل قدر ممكن من القتلى الذين في معظمهم من المسلحين في تبادل لإطلاق النار؛ عدد ضخم من الإسرائيليين أرواحهم مهددة بما لا يقبل الشك؛ المسلحون الفلسطينيون خارج أرضهم مدججين ومفخخين ومستعدين لتحويل المستوطنة وأهلها وأنفسهم إلى رماد في أقل من ساعة زمن إذا ما أقدمت إسرائيل على حماقة- ضع نفسك في مكان صناع القرار الإسرائيليين وقُل لي بالله عليك- يا صانع القرار في حماس- ماذا كنت ستفعل؟!

هل حقاً تريد تحريك القضية بعد طول ركود وإغفال؟ تريد، كما تدعي، تصفير السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين؟ أو تريد، كما تدعي أيضاً، تخفيف الحصار ورفع المعاناة عن كاهل المواطنين الفلسطينيين؟

في هكذا سيناريو، كان العالم كله، وقبل الكل الإسرائيليون، سيقفون على أظافر أصابعهم من شدة التوتر وفرط الاهتمام. وبالنظر إلى حجم الكارثة شبه المؤكدة، ما كان أمام أي أحد على الإطلاق من خيار آخر سوى بدء المساومة، التي كان يُرجح أن تخرج منها- يا صانع القرار الحمساوي- بكل ما سبق وفوقه عودة عناصرك المسلحة التي اخترقت الحدود ونفذت العملية سليمة وحية إلى ديارهم أو إلى مكان آخر بعيداً يُتفق عليه. وفي جميع الأحوال، ما كان يُرجح أبداً أن تُرمى قذيفة واحدة فوق مدينة غزة، أو يُقتل أو يُشرد مدني واحد من أبنائها.

حماس والنفق
ربما حماس لم تستثمر في شيء أكثر مما استثمرت في حفر وتجهيز وتسليح وصيانة شبكة عملاقة من الأنفاق تحت الأرض. وحماس حين تفعل ذلك تفعله لنفسها، أكثر من أي شيء آخر. حماس نفق- مُظلم وسَدْ دون فتحة في نهاية الأفق. عقيدة وممارسة، حماس نفق محفور في اليأس دون بصيص أمل في مستقبل وحياة أفضل. هي أشبه بمن انهزم داخلياً أمام قسوة ومرارة واقعة البائس، وسَلَّم نفسه لليأس من الحياة كلها وما عاد أمامه- كما يتخيل عقله المنكوب- إلا الخلاص عبر تخليص نفسه ومن معه ومن ضده من هذه الحياة الظالمة. حماس أيديولوجية ظلامية ومُهلكة، بدلاً من العيش في النور وسط الناس وتحت أشعة الشمس فوق الأرض، وبذل الجهود الممكنة لتحسين واقعها البائس بأي درجة ممكنة، اختارت أن تهرب من الواقع وتختبئ من مشاكله في أنفاق تحت الأرض حفرتها بيدها. وكلما أَطَّلت علينا من هذا النفق الأيديولوجي- الذي تريد منا جميعاً الاختباء فيه- لا تستعجب أن يكون فعلها من شاكلة طوفان الأقصى.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت