صعود الديمقراطية الأُصولية

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 11 / 26

عقب نهاية الحرب الباردة، شعر الباحثون وصانعو السياسات بكثير من التفاؤل حيال المستقبل السياسي العالمي. حينذاك بَشَّرَ المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما بنبوءته الشهيرة عن بلوغ العالم "نهاية التاريخ،" التي قصد بها "نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للبشرية وشمول الديمقراطية الليبرالية الغربية العالم باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية." لعدة سنوات بعد الحرب الباردة، بدا أن التطورات العالمية تؤكد نبوءة فوكوياما المفرطة في التفاؤل. ظلت الديمقراطية الليبرالية تواصل الزحف حول العالم. وتبنت دول الكتلة السوفيتية الأسبق، ومن ضمنها روسيا، انتخابات حرة ونزيهة وإصلاحات ليبرالية. كما لم يكن توسع الديمقراطية في أماكن مثل أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية أقل من المذهل. رغم الانتكاسات، كان المنحنى المجمل إيجابياً بشكل واضح.

تواصل التحرك باتجاه تبني عالمي للديمقراطية حتى حوالي 2005. لكن منذ ذلك الحين شهد العالم ركوداً ديمقراطياً. وقد وثقت طبعة عام 2023 من تقرير "الحرية في العالم" الذي تصدره سنوياً منظمة فريدم هاوس تراجعاً طوال سبعة عشر سنة دون انقطاع في درجات كل بلدان العالم على حدة في الحقوق السياسية والحريات المدنية. ماذا حدث؟ لماذا أدار العالم ظهره بهذا الشكل إلى المستقبل الديمقراطي ووعوده بمزيد من الاستقرار والأمن والتنمية؟

التفسيرات التي اقتُرحت أغفلت أهمية "عامل الدين." لقد تزامنت الردة الفجائية والسريعة في الحريات العالمية مع ظهور ما أُسَّمْيها "الديمقراطية الأصولية." عندما فتحت البلدان حددوها أمام العولمة- وصول غير مسبوق إلى المعلومات، هجرة لأعداد غفيرة من الناس، سلاسل إمدادات تربط الكرة الأرضية ببعضها- بدأت الشعوب حول العالم تشعر كما لو أنها تُقْتَّلع من جذورها في الأرض التي أَلِفتها. كما أدى التوسع في التقدمية الثقافية والتعددية الدينية مقترناً مع الانحسار في الأديان المهيمنة تاريخياً إلى صحوة في الهويات الأَوَّلية، التي يُعد الدين أهمها على الإطلاق.

كرد فعل على هذا التصور للخطر المحدق، اتجهت الجماعات الدينية أحياناً إلى قادة سياسيين غير ليبراليين ممن وعدوهم بحماية حقوقهم وامتيازاتهم ضد القوى الثقافية الدخيلة. وفي أحيان أخرى، تولى القادة الدينيون أمورهم بأيديهم وعملوا على إخماد حقوق الأقليات بأنفسهم. وقد تجلت هذه الديناميكيات المناهضة للديمقراطية ليس في العالم النامي فحسب، لكن أيضاً في البلدان الصناعية المتقدمة في الغرب، حيث ظلت الديمقراطية والعلمانية لزمن طويل من المسلمات البديهية في حياة الشعوب هناك.

ماذا تعني الديمقراطية الأصولية؟

يمكن فهم الديمقراطية الأصولية كترتيب تُلْقِي فيه الجماعات الدينية المهيمنة تاريخياً بثقلها وراء نخب سياسية سلطوية اعتقاداً منهم أن هؤلاء القادة سيجلبون قدراً أكبر من الاستقامة للعالم ويُحصِّنون الهيمنة الثقافية والسياسية لدين الأغلبية ضد الوافدين الدينيين وأقليات أخرى في دول ديمقراطية خلافاً لذلك. ومن جانبهم، يستغل القادة السياسيون في الديمقراطيات الأصولية الدين لتوطيد حكمهم لدى تقييدهم الحقوق السياسية ونزع الشرعية عن المصادر البديلة للسلطة، وقمع الانشقاق (مع كبح الحريات المدينة بمحاذاة الطريق). ويتم استغلال الهوية الدينية كسلاح للتحريض على إقصاء الأفراد والجماعات المهمشة من حقوق المواطنة والتمثيل السياسي، ومن لعب دور في صنع السياسة العامة.

في بعض الحالات، تقوم الديمقراطية الأصولية فوق أساس ديني، مثل الاعتقاد بأن الله قد اختار بلداً بالذات لكي ينشر رسالة خاصة عبر العالم وفقاً لقراءة معينة لنصوص مقدسة. وفي معظم الحالات، من جهة أخرى، تقوم الديمقراطية الأصولية فوق أسس دنيوية. وهي تعكس هوياتية* دينية متجذرة تمزج بين تقاليد دين الأغلبية وبين مفهوم الوطن. فعندما تشعر جماعات الدين المهيمن تاريخياً وثقافياً بالتهديد من دين الأقلية أو دين أجنبي، فإن "سردية المظلومية" الناتجة (بصرف النظر عن الدرجة الحقيقية من الهيمنة التاريخية والثقافية التي يتمتع بها دين الأغلبية بالفعل) قد تُغذي انعزالية ذاتية من جانب جماعات الأغلبية، وقد تفتح للساسة ثغرة لتملق هذه المشاعر بالمظلومية والقلق.

هل المشكلة في الدين ذاته؟ الجواب المرجح لا. لقد وثق باحثون كُثر صحوة عالمية كبرى للدين منذ السبعينات. وهناك بلدان من شيلي إلى بولندا، وجنوب أفريقيا إلى كوريا الجنوبية، والبرازيل إلى أوكرانيا حيث قد ساعد المتدينون والمجموعات الدينية في الإطاحة بأنظمة حكم ديكتاتورية وإقامة (أو على الأقل دعم التقدم باتجاه) الحكم الديمقراطي. لكن السجل مختلط، ويمكن للدين أن يدفع في كلا الاتجاهين- يشجع الديمقراطية في بعض الأماكن، ويحبطها في أماكن أخرى- اعتماداً على لفيف من الظروف المتباينة. وهذا يشير إلى أن الدين بهذا الشكل قد لا يوفر سوى تفسيراً سببياً ضعيفاً فيما يخص المآلات الديمقراطية.

هل المشكلة في تقليد ديني معين؟ هنا أيضاً الإجابة لا. يدعي كثيرون أن الإسلام لا يمكنه الفصل بين المسجد والدولة، لكن أدلة مثل التقدم الديمقراطي خلال العقود الأخيرة في ماليزيا وإندونيسيا (أكبر بلد بأغلبية مسلمة في العالم)، والتداول السلمي بعد انتخابات للسلطة في السنغال وسيراليون بالأغلبية المسلمة، وحتى الاستمرارية العنيدة للمناكفة والمشاركة السياسية في الكويت الملكية، تميل جميعها إلى دحض هذه التهمة. أكثر من ذلك، يمكن ملاحظة الميول تجاه الديمقراطية الأصولية أبعد من العالم الإسلامي في بلدان مسيحية تاريخياً في الأميركتين وأفريقيا الوسطى وأوروبا؛ وفي البلدين بأغلبية هندوسية الأكبر في العالم (الهند ونيبال)؛ وفي بلدان بأغلبية بوذية مثل بورما وسيرلانكا وتايلاند؛ وفي الدولة ذات الأغلبية اليهودية الوحيدة في العالم، إسرائيل.

حين لا نستطيع تحديد لا الدين بشكل عام ولا أي تقليد ديني معين باعتباره السبب وراء الانتكاسات الديمقراطية، عندئذ يجب أن نبحث في مكان آخر لتفسير العلاقة بين الدين والحرية. وهنا أقترح كأبسط وأشمل تفسير رؤية مؤسساتية لكيفية التفاعل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة كطريقة لفهم التأثير السياسي للدين. تحدث المشكلة، كما أزعم، حين يتطلع قادة دين الأغلبية إلى الدولة سعياً لامتيازات خاصة وحماية من خارجيين دينيين في مقابل إضفاء شرعية أخلاقية على قادة سياسيين معينين أو أحزاب معينة. على سبيل المثال، قد تمنح الدولة اعترافاً دستورياً لدين معين باعتباره الدين الرسمي للدولة، وتفرض عقوبات على انتهاك المحرمات ومخالفة ثوابت وصحيح الدين، وتُلزم باحترام تقاليد الملبس والحديث، أو تمنح النخب الدينية صلاحيات سياسية أو وصولاً خاصاً إلى مؤسسات الدولة. وقد تلجأ أيضاً إلى قمع الأقليات الدينية والمخالفين والمنشقين من دين الأغلبية ممن يحيدون عن صراط المذهب الديني الرسمي.

ترى كل من النخب السياسية والمجموعات الدينية المهيمنة مميزات لها في مثل هذا الترتيب. ربما يعتقد القادة السياسيون أن محاباة الدين المهيمن ستعزز من شرعية الحكومة، وتغرس الثقة الاجتماعية، وتلطف المظالم الدينية، وتؤمن الاستقرار. ومن جانبهم، يريد القادة الدينيون من الدولة أن توصد الأبواب دون منافسيهم الدينيين وتبسط القيم السائدة في دين الأغلبية. ونحن نرى في هذه النوعية من الصفقة الكبرى بحكم الأمر الواقع النمط الغالب على نحو متزايد، ليس في أقطار العالم النامي ذات المشاعر الروحانية المتأججة فحسب بل أيضاً في أقطار علمانية عتيقة في الغرب.
،،،يُتبع،،،
_______________________________
* الحركة الهوياتية أو الهوياتية هي إيديولوجية سياسية قومية أوروبية يمينية متطرفة تؤكد على حق الأوروبيين والشعوب المنحدرة من أصل أوروبي في الثقافة والأراضي التي يُزعم أنها تنتمي حصريًا إليهم.
____________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://doi.org/10.1353/jod.2023.a907688

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت