أيتها البصرة ..عليكِ السلام

فوز حمزة
2023 / 11 / 26

كان من المفترض أن التقيها قبل عام، لكن لظرف طارئ، تأجل اللقاء عامًا آخر. فكان اللقاء في البصرة.
نزلت من السيارة بناءً على إرشاداتها للسائق، وجدتها تنتظرني عند الرصيف تحمل باقة من الزهور بين يديها. كانت هذه المرة الأولى التي أراها على أرض الواقع، فهي قبل هذه اللحظة كانت صديقة افتراضية طلبت صداقتي قبل ثلاث سنوات ثم بدأنا نتحدث هاتفيا بين فترة وأخرى.
تبادلنا القبل والأحضان، الغريب أنني شعرت كأنني أعرفها منذ زمن ، لها ذات الابتسامة التي في الصور، ربما لأنها حقيقية لا تعرف الزيف والنفاق.
أوقفت سيارة أجرة للذهاب إلى بيتها الواقع في منطقة مناوي باشا القديمة حسبما قالت لي، تعرفت إلى عائلتها الصغيرة المكونة من زوجها وبناتها الثلاث وابنها الوحيد وأحفادها الصغار، كانوا لطفاء أكثر مما ينبغي أن يكون اللطف.
دعتني للصعود إلى الطابق الثاني حيث الغرفة التي سأسكن فيها، حينما دخلت، شعرت كأنني دخلت إلى غرفة في فندق خمس نجوم، كل شيء يحتاجه الضيف كان موجودًا فيها ابتداءً من الثلاجة الصغيرة المعبئة بالفواكه الحلويات والماء وانتهاءً بشامبو الشعر وفرشاة الأسنان.
قبيل المغرب طلبت مني أن أتهيأ لتصحبني إلى الجسر الإيطالي الذي يقع على مقربة من منطقة سكناها، فلهذا الجسر ذكرى في نفسها ونفسها لأنه كان عنوانًا لمجموعتها القصصية الأولى.
فرحتي برؤية الجسر كانت مضاعفة لأنني شعرت وأنا أسير فوقه أنظر إلى مدينة البصرة، كأني واحدة من بطلات قصصها!
في اليوم الثاني، ذهبنا إلى منتدى جيكور لحضور جلسة شعرية ثم لتعرفني على نخبة من الأدباء المتواجدين يومها ثم نذهب بعدها لتناول المرطبات عائلتها.
في اليوم الثالث،كانت الخطة أن نذهب إلى الكورنيش، وهذا ما حدث بالفعل برغم المطر المتساقط علينا.
لا ضير من الجنون بعض الشيء لنشعر بالحياة داخلنا وهي تتجدد!
أيدتني فيما قلت وهي تعرفني باسماء البنايات قبل وصولنا إلى الكورنيش.
التقطنا الصور قرب نصب السياب وفي أماكن أخرى من الكورنيش ثم شراءنا للذرة الصفراء من بائع متجول رفض في البداية أن يأخذ ثمنها حينما عرف أنني ضيفة في البصرة.
سألتني: لقد تلقينا أنا وأنتِ دعوة لحضور مهرجان للشعر الشعبي، ما رأيك في الذهاب إلى القرنة حيث مكان المهرجان؟ أجبتها: سأدع أمور التخطيط لكِ وأمر التنفيذ لي. فكانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها القرنة بعدما كنت أدرس عنها في كتب الجغرافيا حينما كنت طالبة.
الرحلة كانت أجمل من أن أكتب عنها في سطور.
لا أتذكر بالضبط هل كان اليوم الرابع أم الخامس حينما تلقينا دعوة لتناول الفطور في أحد المطاعم مع نخبة من أديبات البصرة ليتم التعارف بيننا وكان ذلك مدعاة فرح وسعادة بالنسبة لي وأنا أرى اللطف كاملًا متجسدًا فيهن وغافيا على شفاهنّ!
كانت صديقتي أكثر من كريمة وهي تخيرني بين السمك أو الشبزي البصري كوجبة غذاء، فكانت الغلبة للشبزي الذي أسمع عنه كثيرًا ، لكني لم أتناوله من قبل.
ليالٍ عديدة كانت تحمل صينية الفواكة أو الشاي وتصعد إلى الغرفة التي أسكنها متحججة أننا هنا سنكون بعيدين عن ضجيج أحفادها، فتمضي الساعات ونحن نتحدث وأحيانا تسألني عن بعض قصصي لأنها من سيدير الجلسة لتقدمني لجمهور الأدباء في البصرة.
عشرة أيام هي فترة إقامتي في البصرة في بيت صديقتي، كانت فيها صديقتي متفرغة لي تماما، لم ترفض طلبي حينما أخبرتها أنني أود الذهاب إلى الكورنيش ليلًا لأن الإحساس بالتأكيد سيكون متخلفًا والمنظر لا شك أروع!
في يوم الوداع، وأنا أقف عند الباب،قالت لي: انتظري لأسكب خلفك الماء لتصلي بالسلامة إلى بغداد!
إحساس بالدفء غمرني لحظتها. غادرت بسرعة خشية أن تفر من عيني دمعة لفراقها!
أشياء أخرى وتفاصيل كثيرة قد تأخذ مني سطورًا أطول، لكن هذه السطور لن تفِ صديقتي حقها، لكن عرفانًا مني بكرمها وهي وزوجها وعائلتها وابنها الرائع الذي أوصلني إلى كراج السيارات ولم يتركني إلا بعد أن ركبت السيارة طالبا مني الاتصال به في حال احتجت له. لكل ذلك كتبت هذه السطور المتواضعة لأوثق تلك الرحلة التي لن تهملها ذاكرتي أبدًا.
هل عرفتم هذه الرائعة؟
إنها صديقتي القاصة والناقدة الواعدة إيثار محسن.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت