عودة إلى المشكلة الإقتصادية فى مصر .. هل آن الأوان ؟!

أحمد فاروق عباس
2023 / 11 / 26

تعيش مصر أزمة طاحنة في النقد الأجنبى ، وقد وصل سعر الدولار فى السوق السوداء إلى ٥٠ جنيها ..

ومشكلة الدولار - كما هو معروف - عرض لمرض أكبر وأخطر ..

وموارد مصر الدولارية ثابتة ومعروفة هى كالآتي :

- تحويلات المصريين العاملين في الخارج ، وقد نقصت قيمة أموالهم المرسلة إلى مصر العام الماضي ، بسبب تذبذب قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأخرى ، وكانت قيمة تلك التحويلات في العام الماضي ٢٠٢١ – ٢٠٢٢ نحو ٣٢ مليار دولار، انخفضت بنسبة ٣٠,٨% لتصل إلى ٢٣ مليار في ٢٠٢٢ - ٢٠٢٣ ..

٢ - دخل قناة السويس ، وقد بلغ هذ العام ٩ مليار دولار ونصف ..

٣ - السياحة ، وقد توقفت تماما عامي ٢٠٢٠ و ٢٠٢١ بسبب الإغلاق العالمي نتيجة لفيروس كورونا ، وبلغت نحو ١٠,٧ مليار دولار عام ٢٠٢٢ لتصل الي ١٣,٦ مليار دولار عام ٢٠٢٣ ، وهى الآن - وربما للموسم السياحي الشتوي القادم - شبه متوقفة بسبب الحرب في غزة ..

وعموما تقدم السياحة لمصر- في مواسم ازدهارها - من ١٤ - ١٥ مليار دولار ..

٤ - الصادرات المصرية .. وقد بلغت جملة الصادرات العام الماضي ٥٢ مليار دولار ، وسجلت الصادرات المصرية الصناعية والسلعية غير البترولية ارتفاعا كبيرا خلال عام ٢٠٢٢ بعدما صعدت إلى نحو ٣٥,٢ مليار دولار ، مقارنة بنحو ٣٢ مليار دولار في ٢٠٢١ بزيادة بلغت نسبتها ١٢% ..

أي أن إجمالي إيرادات مصر الدولارية بلغ هذ العام ٩٩ مليار دولار ..

وفى حين وصلت الصادرات المصرية إلى ٥٢ مليار دولار فقد ارتفعت قيمة الواردات المصرية من مختلف دول العالم لتصل إلى ٩٤,٥ مليار دولار خلال عام ٢٠٢٢ مقابل نحو ٨٩,٢ مليار دولار خلال عام ٢٠٢١ بزيادة قدرها ٥,٣ مليار دولار، وبنسبة ارتفاع قدرها ٥,٩% ..

وفجوة الموارد المحلية عموما تسد دائما اما بالاقتراض أو بالطلب - والالحاح - على الاستثمارات الأجنبية بالمجيء إلى مصر ..

والاقتراض أمامه قيود لا يمكن تخطيها لكى لا تدخل الدولة في مرحلة الخطر ، وأول هذه القيود نسبة الديون إلى إجمالي الناتج المحلي ..

اما الاستثمار الأجنبى المباشر فله شروط حتى يأتى إلى دولة ما ، ووراءه دول لها مطالب بتوجهه إلى تلك الدولة أو غيرها ..

وفى كل الأحوال - وبالنسبة لمصر - فإن الاستثمار الأجنبى المباشر لا يأتى إلا إلى مجالات محددة ، وأولها واكبرها البحث عن البترول أو الغاز الطبيعي ..

وعلى طول قصة الاستثمار الأجنبى المباشر في مصر لم يكن يأتى الإستثمار الأجنبى في الصناعات التحويلية أو فى الاستثمار الزراعى إلا نادرا ..

باختصار .. أى أن الطريق الاقتصادى الذى تسير فيه مصر منذ أربعة عقود - أى منذ ٤٠ عاما - أصبحت حدوده واضحة ومستقبله أيضا واضح ..

وهو طريق خلاصته الإعتماد على مصادر ريعية - السياحة وقناة السويس - أو مصادر غير دائمة وهى فى كل الأحوال متقلبة مثل تحويلات المصريين العاملين في الخارج ..
أو على رضا الخارج وسماحه ، سواء بتوفير القروض أو بتوجيه الاستثمارات ...

هل أمام مصر طريق آخر ؟!
والجواب .. نعم .

التصنيع .. فالاستثمارات الصناعية في مصر متدنية بشدة منذ عقود ، والسبب أن الإدارات المصرية المتعاقبة تركت شئون الصناعة والتصنيع إلى القطاع الخاص ، وبرغم جهود طيبة للقطاع الخاص المصرى فى الصناعة إلا أن واقع الحال لا يتناسب أبدا مع مستوى الآمال ..

كما أن الاستثمارات الحكومية في الصناعة تدنت بصورة مزرية ، وتوجهت بدلا منها - أى بدلا من التصنيع - إلى البنية الأساسية ..

وكان وراء توجيه أغلب الاستثمارات الحكومية إلى البنية الأساسية فلسفة تقول أنه بدون بنية أساسية متطورة فإن الاستثمار الخاص - المحلى والاجنبى - لن يجد دافعا قويا للعمل في مصر ، وهو رأى فى مجمله صحيح ، وان كان يعيب عليه أمرين :

١ - عدم معرفة القدر من البنية التحتية والأساسية الذى يحقق هدف جذب الاستثمارات الخاصة دون إفراط في قدر أكبر من عمليات البنية الأساسية لا تحتاجه المرحلة الحالية من تطور الاقتصاد فى البلاد ..

٢ - أن القطاع الخاص - فقط - هو من سيقود التنمية الاقتصادية فى مصر ، وبالتالى فتوفير مناخ جاذب للاستثمار ، واوله توفير بنية أساسية حديثة ، هو أول سبل توفير ذلك المناخ الجاذب لرؤوس الأموال الخاصة سواء المحلية أو الأجنبية ..

وفى الحديث عن التصنيع فإننا نكون فتحنا بابا وراءه تفاصيل بلا حدود ..
فمثلا :

١ - على الصناعات نركز ، وأيها لا تمتلك فيه مصر ميزة نسبية أو تنافسية ؟!

وبصفة مبدئية فإن مصر تمتلك قطاعا صناعيا قويا ، وتمتلك صناعات لها فيها تاريخ طويل وميزة تنافسية قوية ، وخاصة قطاع الصناعات الكيماوية - وخصوصا صناعات الدواء - وقطاع صناعات الغزل والنسيج ، وقطاع الصناعات الغذائية ، وقطاع الصناعات المعدنية ، وقطاع الصناعات الهندسية وصناعات الجلود والأخشاب والأثاث ...

و هناك قطاع تمتلك فيه مصر ميزة تنافسية قوية - على الأقل فى محيطها العربى والافريقي - ويمكن أن يفتح لمصر بابا هائلا للتصدير وهو قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، وكل ما يخص صناعة الحاسبات وتقنيات المعلومات ..

وقد حققت دول مثل الهند وإسرائيل وايرلندا تقدما هائلا بسبب اهتمامها بهذا القطاع الحديث فى الاقتصاد ..

والأكثر أملا أن مصر تمتلك بنية تحتية جيدة جدا فى هذا القطاع ، سواء فى مستوى المهارات من خريجى كليات الحاسبات والمعلومات ، أو من أقسام الكومبيوتر بكليات الهندسة ، أو من حيث مستوى التجهيزات والمنشآت . مثل القرى الذكية ..

ويمكن بسهولة دراسة تجربة الهند - وحتى إسرائيل - فى هذا المجال فهى تجارب ناجحة وملهمة ...

٢ - القضية الثانية ، وهى فى منتهى الأهمية وهى :
من يأخذ الخطوة الأولى ، ومن يتقدم أولا ..

هل الاستثمارات الحكومية ام الاستثمارات الخاصة ؟
الأمر مطروح للنقاش بين المهتمين والمختصين بالطبع ، وإن كان رأيي الشخصي أن الاستثمارات الحكومية لابد أن تسبق الاستثمارات الخاصة بخطوة - أو خطوات - مع فتح المجال واسعا بالطبع أمام المبادرات الخاصة أن تتقدم وتنطلق ..

إن ترك ميرات الأربعة عقود الماضية ضرورى في أى حديث جدى حول مستقبل مصر الاقتصادى ، والذى اتت الأزمة الحالية للاقتصاد المصرى لتضعه فى مقدمة اهتمامات المصريين فيما يخص مستقبل بلدهم ..

أعرف أن ميراث الستينات فى تدخل الدولة في الاقتصاد مازال عالقا في أذهان الكثيرين من المصريين ، وزاد عليه الدعاية القوية للنظام الرأسمالي - بصورة لا يعرفها الغرب نفسه أحيانا - قد اتت ثمارها ، وأصبحت كل وصفات العلاج فى مصر تكاد تجمع على أنه لا شفاء من الرأسمالية إلا بمزيد من الرأسمالية ..

وهى وصفات يشارك فيها اكاديميبن في الاقتصاد ، درسوا في الغرب أو تعلموا من كتبه فى مصر ، أو من بيروقراطيين في الحكومة لا يعرفون سوى ما تعلموه فى العقود الأخيرة ، أو من مجتمع رجال المال والأعمال ، وهو طبيعى ومفهوم بحكم أعمالهم ومصالحهم ...

إن القطاع العام ما زال هو الأكبر في الصين ، وهى الاقتصاد الثانى عالميا ، ويمكن دراسة تجربتها فى هذا المجال بصورة معمقة ، والاستثمارات العامة تشترك هناك مع رؤوس الأموال الخاصة فى العديد من المشاريع ، بل إن رأس المال الأجنبى يشارك القطاع العام الصينى في كثير من المشروعات ..

ليس كتابا مقدسا هو لابد من الإلتزام حرفيا بنصوصه ، بل هو جهد الإنسان وعقله وبحثه الذى لا يتوقف عن مصالحه وأهدافه ووسائله ...

وقراءة الكتب وتطبيق ما بها من نظريات لم يؤدى بنا إلى الكثير ، بقى أن ندرس أولا ظروف بلادنا واحتياجاتها الحقيقية ، والسبل المتاحة أمامنا ، وأن تكون لنا تجربتنا الخاصة ، النابعة من ظروف بلادنا وإمكانيات تقدمها ..

إن الصين عندما أرادت المنافسة على قمة العالم الاقتصادية جمع رئيس الصين عام ٢٠١٣ كبار العلماء والمهندسين ، وطلب منهم تقديم خطة قابلة للتنفيذ تجعل من الصين الدولة الصناعية رقم ١ في العالم ، واعطاهم فترة سنتين للبحث والدراسة ومقارنة تجارب الدول المختلفة وما تحتاجه الصين فعلا ..

وفى عام ٢٠١٥ خرج نتيجة عمل هذا الفريق الصيني المرموق في مشروع " صنع فى الصين ٢٠٢٥ " أى المجالات الصناعية شديدة التقدم التى ستتوجه إليها الاستثمارات الصينية خلال عشر سنوات ( من ٢٠١٥ الى ٢٠٢٥ ) لكى تجعل من الصين الدولة الصناعية الأولى عالميا ..

ويعتبر هذا المشروع شديد الطموح بالإضافة إلى قرينه الاخر وهو مشروع الحزام والطريق هو سبب كل مشاكل الصين مع أمريكا ، وهو سبب الحرب التجارية الرهيبة التى شنها دونالد ترامب على الصين بمجرد دخوله البيت الأبيض فى يناير ٢٠١٧ وحتى خروجه منه فى عام يناير ٢٠٢١ ، وهو سبب - فى رأى كثيرين - الحرب البيولوجية التى شنتها أمريكا على العالم - قاصدة الصين - ممثلة في كوفيد ١٩ أو فيروس كورونا عامى ٢٠٢٠ و ٢٠٢٢ - لإغلاق العالم وتوقف التجارة العالمية ، حيث الصين أكبر مصدري العالم ، مما سوف يتسبب - فى رأى الولايات المتحدة - بضربة قوية للاقتصاد الصينى يدخل بها الى مرحلة التباطؤ ثم الى الركود ... وقد كان .

فهل تستطيع مصر أن تعطى نفسها نظرة أخرى لمشاكلها ووسائل حلها ، وهل يستطيع المصريون أن يرتفعوا فوق مشاكلهم الوقتية ويرون ما وراءها من أبعاد أكبر وأكثر جذرية ..

وهل يستطيع مفكروا مصر وساستها وأهل الرأى فيها أن ينظروا إلى أبعد وإلى أعمق وألا يقيدوا أنفسهم إلا بقيد واحد فقط ... مصلحة مصر وأمنها وتقدمها ...

وقديما قال واحد من أبناء مصر الكبار - وبعد تجربة عريضة - كلمة عميقة فى أخريات حياته ، وأعتقد أن ظروف مصر الحالية تحتاجها بصورة أكبر ..
قال :

إن اعظم الملامح في تجربتنا أننا لم ننهمك فى النظريات بحثا عن حياتنا .. وإنما انهمكنا في حياتنا ذاتها بحثا عن النظريات ..

وليبقى الاستثمار الخاص المحلى يعمل ويحاول ، ولتبقى الاستثمارات الأجنبية ونعمل أيضا على جذبها كما نفعل الآن ونوفر المناخ الملائم ، ولكن مع كل ذلك - وقبله وبعده - فلنرفع مستوى الاستثمارات الحكومية بصورة كبيرة أيضا ، وفى الصناعة والتصنيع هذه المرة وليس فى البنية الأساسية ..

أن مصر عاشت خلال العقود الأخيرة - ومنذ منتصف السبعينات تقريبا - في ظل سياسات لا تجعل الصناعة والتصنيع في مقدمة الاهتمامات الوطنية ، وقد ذكر الدكتور مصطفى مدبولي في المؤتمر الاقتصادي الذى عقد في شهر أكتوبر ٢٠٢١ أنه لفترة طويلة كانت الاستثمارات المتواجدة في قطاع الصناعة قبل ٢٠١١ لا تزيد على ٦ مليارات في العام ، وهو رقم هزيل للغاية ..

وأن الزيادة السكانية لم تقابلها زيادة مماثلة في الموارد الاقتصادية، حيث بلغت الزيادة السكانية خلال تلك الفترة من ١٩٨٢ الي ٢٠١١ نحو ٣٨ مليون نسمة، وهي تعادل حجم الزيادة السكانية في ٢٧ دولة أوروبية في نفس الوقت ، وأضاف أن الناتج المحلي لم يكن يفي بالاحتياجات المتزايدة للمواطنين، مما يتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام والخاص وزيادة معدلات الإنتاج، وكان لعدم توفير الاستثمارات الكافية لنمو الاقتصاد أن متوسط نمو الناتج المحلي على مدار ٢٠ سنة كان متوسطه ٤,٤% ، وأنه نتيجة لضعف الاستثمارات بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي سنويا على مدار ٢٠ سنة حوالي ١٣٦٠ دولارا ، بينما الدول الأخرى التي تماثلنا يقدر بحوالي ١٨٠٠ دولار، ومع عدم وجود قطاعات اقتصادية توفر فرص عمل لامتصاص الزيادة السكانية في قوة العمل فقد وصل معدل البطالة إلى حوالي ٩,٦ %، في وقت كان متوسط البطالة في الدول المماثلة ٤,٩%..

أي أن المشكلة أن الاستثمارات في قطاعات الانتاج الرئيسية – الصناعة والزراعة – كانت متدنية للغاية ، وأن ذلك استمر لفترة طويلة للغاية .
ومن هنا ظهرت أغلب مشاكل الاقتصاد المصري التي نعاني منها الان ..
إن تحولا مصريا كاملا نحو الصناعة والتصنيع أصبح فرضا واجبا الآن ..
وفى المجالات التي نملك فيها ميزات نسبية وتنافسية قبل أن نفكر في الجديد ..

ربما لا يرضى ذلك الولايات المتحدة - وهو بالتأكيد لن يرضيها - وربما لن يرضى المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية ..
ولكن هؤلاء هل هم راضون عنا الآن ؟!

ومنذ متى رضوا عنا حتى يرضوا عنا عندما نلتفت الى حياتنا ، ونطبق ما نراه في مصلحتنا ، وليس ما لقنوه لنا في كتبهم أو ما فرضوه علينا بالقوة .. قوة مؤسساتهم المالية والاقتصادية ، وقوة الإغراء ، وحتى القوة المجردة ..

ان ما يحدث في الاقتصاد المصرى منذ سنة ونصف غير طبيعى ، وبرغم الأسباب الخارجية - ككورونا والحرب الروسية الأوكرانية - والأسباب الداخلية كالتوسع في الإنفاق على البنية الأساسية ، إلا أن كل ذلك لم يكن ليحدث كل هذا الأثر القاسى على الاقتصاد المصري ..
هناك - بالتأكيد - يد خارجية قوية تضغط وتعبث ، وضغطها وعبثها محسوس ..
واقله حبس الاستثمارات - حتى العربية - من المجئ إلى مصر تصنع انفراج فى هذه الظروف الصعبة ..
ومنه الضغط الهائل على مصر لتعويم ثالث فى مصر يعرفون جيدا أنه سوف يصل بالدولار الى مستوى مرتفع للغاية يأخذ معه الاقتصاد المصري ومصر كلها - بشرا وحياة واستقرار - إلى المجهول ..

ان مصر وبعد نصف قرن صداقة مع الولايات المتحدة لم تجد الأخيرة سوى مصر - صديقتها - تأخذ جزءا من أرضها لتحل به مشكلة إسرائيل مع القنبلة الديموغرافية في فلسطين المحتلة ..

أى انه ضغط شديد في الاقتصاد ، وضغط أشد فى السياسة !!

وهكذا تكون الصداقة ..
وهكذا يكون الأصدقاء مع بعضهم فى رأى الولايات المتحدة !!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت