المدنية الإلهية (5)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 11 / 25

علامات التدهور الأخلاقي

أعتقد بأنه لا حاجة بي لزيادة القول عن تدهور النظم الدينية والتي يكون اٍنحلالها مظهراً عاماً للدور التكويني في العصر البهائي ... فالإسلام كنتيجة للاتجاه العلماني وكنتيجة مباشرة لإصراره علي العداء المستمر لدين بهاء الله , قد غرق في لجة الذلة والانحطاط مما لم يسبق له مثيل في تاريخه ـ والمسيحية لأسباب ليست في مجموعها شبيهة بتلك التي عملت في شقيقتها قد طرأ عليها الوهن باستمرار وأنها تعمل في مقياس متزايد وتؤدي نصيبها في عملية إانحلال عام , وهي العملية التي تسبق بالضرورة إعادة البناء الأساسي للجامعة الإنسانية , ولا تقل علامات التدهور الأخلاقي ظهورا وأهمية كما هو واضح من أدلة انحطاط النظم الدينية , ويمكن أن يقال عن الانحطاط الذي أصاب النظم الإسلامية أنه كان له رد فعل في حياة وأخلاق أفراده , وحينما أجلنا البصر , ومهما يكن من أمر هذه النظرة العاجلة إلي أعمال وأقوال الجيل الحاضر , فلن يفوتنا مواجهة دلائل الانحطاط الأخلاقي الذي يتمثل أمامنا في الحياة الفردية للرجال والنساء ولا أقل عنها في حياتهم الاجتماعية , ولا يبقي شك في أن انحطاط الدين كقوة اجتماعية , وما يتبع ذلك من تدهور نظمه التي هي اٍحدى مظاهره الخارجية كان السبب في تفشي هذه الشرور الخطيرة والمفاسد الشديدة , وأنه هو المسئول الأول عنها , يقول بهاء الله عز ذكره :

" الدين هو الوسيلة الكبرى لنظم العالم وراحة الأمم وان ضعف عماد الدين قد قوى أيدي الجهلاء وجرأهم علي الظلم , الحق أقول أن ما أضعف مقام الدين الرفيع زاد في غفلة الأشرار ولن تكون النتيجة غير الهرج والمرج ". وفي لوح آخر يتفضل بقوله الأعز :

" الدين هو نور لائح وعروة وثقي لحفظ أهل العالم ومصالحهم لأن مخافة الله تجعل الإنسان يتمسك بكل الخير ويعرض عن كل شر , فإذا أختفي سراج الدين يسود الهرج والمرج , ويتوقف إشراق نور العدل والإنصاف والطمأنينة والسلام" .


وفي مقام آخر يتفضل بقوله عز بيانه :

" أعلم بأن الحكماء الحقيقيين قد شبهوا العالم بهيكل إنسان , فكما أن جسد الإنسان يحتاج إلي قميص هكذا جسد العالم الإنساني يحتاج إلي أن يطرّز قميصه بطراز العدل والحكمة , وأن قميصه هو الوحي الذي أعطي له من لدي الله , فلا عجب حينئذ أنه نتيجة لعناد الإنسان , وعندما يطفأ نور الدين في قلوب البشر , ويتعمد الإنسان إغفال الثوب الإلهي الموعود لطراز هيكله يتطرق الانحطاط المحزن فورا إلي حظ الإنسانية , وبتطرقه تحدث كافة الشرور التي تظهر عن قابليات النفس الغافلة , فضلال الطبيعة البشرية وانحطاط الخلق الإنساني وفساد وانحلال النظم البشرية , كل ذلك يظهر في مثل هذا الظرف بأشد شرور وأعظم ثوران , فالخلق البشري قد فسد , والثقة تزعزعت , وأركان النظام اضطربت , وصوت الضمير الإنساني سكت , وشعور الحياء والخجل اختفي ومبادئ الواجب والمروءة وتبادل المصالح والولاء قد انعدمت , كما ينخفت بالتدريج نور السلام والفرح والرجاء . هذه هي كما ترى هي الحالة التي يتجه إليها الأفراد والنظم علي حد سواء ".


ويقول بهاء الله في ندبه محنة إنسانية مخطئة :

" قد لا يمكن إيجاد شخصين يمكن أن يقال أنهما متحدان قلباً وقالباً , فعلامات الاختلاف والضغينة ظاهرة في كل مكان مع أن الكل قد خلقوا للوفاق والاتحاد ".

وفي نفس اللوح يتفضل ويقول :

" إلي متي تستمر الإنسانية في الغفلة , إلي متي الظلم , إلي متي يسود الهرج والمرج بينهم , وإلي متي يغّبر الاختلاف وجه الإنسانية ؟ أن أرياح القنوط ويا للأسف تهب من كل جانب , والمنازعات الموجبة للانقسام والمحيطة بالجنس البشري تزداد يوما بعد يوم ".

أن بعث العداء الديني والبغضاء الجنسية والغطرسة الوطنية , والعلامات المتزايدة عن الاستئثار بالنفس , والشر والخوف والفسق , وانتشار الفزع والفوضى والخمور والجرائم , والتعطش والانهماك في الشئون الدنيوية والبذخ والملاهي , وضعف الكيان العائلي , والتراخي في الإشراف الأبوي , والتفاني في الملذات , وفقدان الاعتداد بالمسئولية الزوجية , وما ترتب عليه من الطلاق , وفساد الغناء والموسيقي , وعدوي وفساد المطبوعات وشرور الصحافة , وامتداد نفوذ دعاة الانحطاط الذين يروجون زواج الاختيار ( المتعة ) والذين ينادون بفلسفة العراء ويعتبرون الحشمة والوقار خرافة فكرية , والذين يرفضون مبدأ النسل كغاية مقدسة أساسية للزواج , والذين يعتبرون الدين مخدراً للعالم , والذين إذا أطلقت أيديهم في العمل يرجعون بالإنسانية إلي عصور الهمجية والاضطراب فالانقراض التام , كل هذا يبدو خاصيات بارزة لإنسانية متدهورة , إنسانية أما أن تولد من جديد أو تهلك وتنعدم .



انهيار الصرح السياسي والاقتصـادي

وفي الناحية السياسية حيث علامات الانحلال والارتباك لا تقل بروزا , نشاهد انحطاطاً مماثلاً في العصر الذي نحيا فيه وهو العصر الذي سوف يعتبره مؤرخ المستقبل عنوان العهد العظيم الذي لا نستطيع في غير المنظار القاتم أن نتطلع إلي أيامه الذهبية ... فالحوادث المثيرة العنيفة التي أدت في السنوات الأخيرة بالصرح السياسي والاقتصادي إلي التدهور لا يسهل شرح خاصيتها شرحاً كافياً في حدود هذا الاستعراض العام , ولكن يبدو أن هذه المحن رغم شدتها لم تبلغ منتهاها ولم تظهر تمام قوتها الهادمة بعد , والعالم حيثما اتجهنا , يقدم لنا صورة محزنة مؤسفة عن كيان خائر محتضر مزق سياسياً وخنق اقتصادياً بعوامل عجز عن إيقاف تيارها وإدراك مسبباتها , فالهوة السحيقة التي أعقبت أشد تمحيص عرفته الإنسانية , وانحلال نظام فرسايل , وظهور الروح الحربي في أشد مظاهر التهديد , وإخفاق التجارب العظيمة والنظم المولودة لحماية سلام العالم وطمأنينة طبقاته وشعوبه , كل هذا قد ضلل الإنسانية وقلب أوضاعها , فخاب رجاؤها إلي حد بعيد , ونضب معين حيويتها , واضطربت حياتها وتعرضت وحدتها لأشد الأخطار .

ففي القارة الأوروبية عملت العداوات المتأصلة والثورات المتزايدة في وضع أممها وشعوبها المنكودة في جبهات قدر لها أن تعجل في إنزال أشد قصاص عرفه البشر في سفر استشهاده الطويل , وفي أمريكا الشمالية نري المحنة الاقتصادية والاضطراب الصناعي وانتشار روح التذمر من التجارب الفاشلة في إصلاح الميزان الاقتصادي المقبل , ثم الخوف وعدم الاطمئنان الناشئ عن احتمال حصول التورط السياسي في أوروبا وآسيا , كل هذا ينبئ عن اقتراب ما يمكن اعتباره أكبر أزمة عرفت في تاريخ الجمهورية الأمريكية وآسيا , حيث لا تزال تجتاز بدرجة كبيرة أشد أزمة عرفتها في تاريخها الحديث , تري نفسها مهددة في تخومها الشرقية بهجوم عوامل من شأنها التهديد بالمشاحنات والفتن التي تحدثها القومية الناشئة والروح الصناعي الذي تثيره أجناسها المتحررة , وفي قلب أفريقيا تندلع نيران حرب وحشية دموية , حرب مهما تكن نتائجها فسوف تحدث رد فعل عالمي واسع النطاق وتأثيرا شديدا في نفوس أجناس البشر وشعوبه السوداء , وفي العالم أيضا ما لا يقل عن عشرة ملايين من الجنود تحت السلاح يتدّربون علي استعمال أعظم ما ابتكره العلم من معدات الدمار والهلاك . كما يوجد ثلاثة أضعاف هذا العدد في حالة غليان تحت حكم أجناس وحكومات أخرى مضادة , وما يساوي هذا العدد من الجيش العرمرم من الرعايا الذين ينظرون نظرة مريرة إلي المواد والضروريات التي يبعثرها غيرهم بحرية وسخاء بينما هم عاجزون عن توفيرها لأنفسهم , ثم ذلك الجمهور الأكبر من البشر الذي ينوء بثقل التسلح المتزايد ويرسف تحت أغلال الفقر من جراء وقف دولاب التجارة العالمية .

وهكذا وبمثل هذه الشرور تبدو الإنسانية في طريقها بالتأكيد إلي أشد صنوف العذاب في حياتها , فهل يكون عجيبا أن ينطق أحد وزراء أوروبا البارزين في سياق بيانه بالتحذير الصريح بقوله :" إذا نشبت حرب عامة في أوروبا مرة أخرى فستؤدي حتما كما نري إلي هدم المدنية "
ومن كلمات المرحوم اللورد براياس " إذا لم تأتوا علي الحرب فالحرب تأتي عليكم " ويشهد أحد أقطاب العالم من بين دكتاتورييه الحاليين بقوله " مسكينة أوروبا ! فأنها في حالة نورستانيا قد فقدت قوة الشفاء والوحدة والتماسك و وأن حربا أخرى تكفي لهلاكنا "
ومن ضمن ما كتبه أحد علماء الكنيسة المشهورين قوله : " يحتمل حدوث نكبة أخرى هائلة في أوروبا لتؤسس في النهاية سلطة عالمية , وسوف تكون هذه النكبة ويل الويلات وقد يطلب من أبناء هذا الجيل تضحية مئات الألوف من أبنائه ".

أن الفشل المحزن الذى منيت به مؤتمرات نزع السلاح والأقتصاد، والمصاعب التي تعترض المفاوضات في تحديد التسلح البحري , وانسحاب دولتين من أقوي دول العالم وأكثرها تسلحاً من جهود وعضوية عصبة الأمم , وعدم صلاحية النظم البرلمانية للحكومات كما تشهد التعديلات الحديثة التي أدخلت عليها في أوروبا وأمريكا , وعجز زعماء ومروجي الحركة الشيوعية عن تبرير مبدأ حكم الطبقات الدنيا , وهو المبدأ الذي أشادوا به عبثاً , ثم الأخطار والحرمان الذي يتهدد به رؤساء الحكومات المطلقة رعاياهم , كل هذا يبرهن بما لا يحتمل الشك علي ضعف النظم الحالية وعدم كفايتها لدفع المصائب التي تهدد الجامعة الإنسانية باستمرار , وقد يتساءل جيل حائر عما عساه يبقي لإصلاح هذا التشقق الذي يتسع باستمرار ويهدده بالابتلاع يوماً ما و ودلائل الانحلال المتجمعة , وعلامات العذاب والإفلاس التي تري حيثما أتجه البصر قد جعلت ذوي العقول من الرجال والنساء يرتابون في كل خطوة من خطوات الحياة علي وجه التقريب ما إذا كانت الهيئة الإنسانية في نظامها الحالي تستطيع بجهودها المفككة تخليص نفسها من اللجة التي تغمرها بازدياد , فكل نظام افتقد توحيد البشر قد جرب وجرب ووجد ناقصا , واشتعلت الحروب واحدة تلو الأخرى , وانعقدت مؤتمرات لا حصر لها , واستنفدت الجهود في صوغ المعاهدات والضمانات وأحكام المواثيق وتنقيحها , وجربت قواعد الحكم بكل جلد وتناولتها أيادي الإصلاح والتعديل , ووضعت مشاريع الإنشاء الاقتصادي بكل عناية ونفذت بغاية الدقة , مع ذلك والأزمة تعقبها أزمة , بما يضاعف سرعة تدهور عالم غير مستقر و ويعجل الأخطار المحدقة والهوة السحيقة الفاغرة فاها ،الأمر الذي ينذر بحلول نكبة عامة تنزل بالعالم علي السواء لا فرق بين شعوب راضية وأخرى متذمرة , بين ديموقراطيات وديكتاتوريات , وبين أصحاب رؤوس أموال وعمال , بين أوروبيين وآسيويين , بين يهود وغير يهود , بين بيض وسود , وكما يراه المحقق قد تخلت العناية الغاضبة عن كوكب سيار وتركته إلي مصيره المشئوم حيث ينزل به القضاء المحتوم , فالإنسانية الدامية الضالة قد فقدت بغير شك توازنها كما تبدو أنها فقدت إيمانها ورجاءها وهي تترنح بغير رادع ولا تبصره علي حافة القضاء الذي يوشك أن يحل بها , يخيم علي حظها أطباق من الظلمات كلما اجتازت المعابر الأمامية في طريقها إلي أظلم منطقة في حياتها المضطربة , ومع ازدياد هذه الأشباح ألا يجدر بنا أن ندعوا إلي خيوط الرجاء التي تطلع في فترات متقطعة علي الأفق العالمي وتبدو خلال طبقات الظلام المحيط بالإنسانية ؟ أليس من الحق أن نقول أن في عالم هذا حالة من تقلقل العقيدة وتشويش الفكر , عالم يزداد تسلحه وتشتعل فيه نيران البغضاء والثورات التي لا يطفأ لها لهيب .

تشاهد مع ذلك تقدم العوامل التي مهما يكن شأنها فهي تعمل علي وفاق مع روح العصر ؟ ومع أن نعرة القومية التي ظهرت بعد الحرب تشتد وتزداد يوما بعد يوم فاٍن عصبة الأمم التي ما تزال بعد في مقام النواة , والتي قد تقوى العواصف المحيطة بها علي طمس معالمها وقلب أداتها لمدة من الزمن , تدل علي أن الاتجاه الذي تعمل في محيطه فكرة تكوينها هو في ذاته هام للغاية , فإن الأصوات التي ارتفعت منذ تكوينها والجهود التي بذلت والعمل الذي قامت به يمكن أن نستشف من ورائه مدي ما قدر في النهاية لهذه المؤسسة الحالية أو لأية هيئة أخري قد تحل مكانها من الغلبة والنصر .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت