عن كتابين لمحمود شقير/ على خطى سندباد مقدسي/ د. بروين حبيب

محمود شقير
2023 / 11 / 25

كتابان تفصل بينهما حسب تاريخ النشر سنتان، لكنهما يؤرخان لعقدين من حياة كاتبهما، ليسا توأما سياميا ولا حتى توأما متطابقا من بويضة واحدة، وإنما هما أخَوان منفصلان، نستطيع أن نقرأ أحدهما قبل الآخر، بل أن نقرأ أحدهما دون الآخر، وهو ما نبّه عليه المؤلف حين قال: «هذا الكتاب متصل بالكتاب السابق ومنفصل عنه في الوقت ذاته، بحيث يمكن أن يقرأ كل كتاب بمعزل عن الكتاب الآخر وبالصلة معه إن شئتم ذلك». هما سيرة ذاتية عنوان جزئها الأول «تلك الأمكنة» وعنوان جزئها الثاني «تلك الأزمنة» صدرا عن دار نوفل/هاشيت أنطوان اللبنانية للكاتب الفلسطيني المقدسي محمود شقير، صاحب التاريخ الممتد طولا مع الكتابة على أزيد من ستة عقود (نشر أول قصة قصيرة له سنة 1962) والممتد عرضا بتنوع الأجناس الأدبية، التي كتب فيها من قصة قصيرة ورواية وأدب رحلات وأدب أطفال ونقد أدبي ومقالات سياسية ونصوص مسرحية ومسلسلات تلفزيونية وسيرة ذاتية مثل كتابينا، وإن كان ملعبه الأثير القصة القصيرة فهو أحد روادها الكبار.
القواسم المشتركة بين جزأي السيرة كثيرة، ابتداء بالإهداء ففي «تلك الأمكنة» يهدي كتابه إلى أحفاده الأربعة عشر بذكر أسمائهم، أما في «تلك الأزمنة» فيخصص أربعة منهم بإهدائه. وبناء السيرة في الكتابين واحد، فهو لا يتبع نمطا خطيا لا في الزمان ولا في المكان، ولا يراعي تسلسلا كرونولوجيا، بل قسم كتابه الأول إلى فصول سبعة والثاني إلى فصول تسعة وفي كل فصل لوحات سردية يمكن نقلها من مكان إلى آخر، دون إخلال بنية الكتاب، بل بعضها يمكن نقله من كتاب إلى أخيه. فهو أشبه بتداعي ذكريات لا يعترف بنظام، وإن كانت الغلبة في جزئه الأول للمكان والرحلات والمنافي، وفي جزئه الثاني لسنواته الأخيرة، وهو يدلف نحو الثمانين، فقد جعلها محطة أساسية من حياته ـ أطال الله عمره. وأثبت محمود شقير في نهاية كلا الكتابين قصة قصيرة له، وتبقى القدس مدينة الكاتب ومسقط رأسه الدم الساري في عروق سيرته، فهي عنده البدء والمنتهى لا يمل ولا يتعب من الحديث عنها.
وهذان الجزءان من سيرة محمود شقير الذاتية ليسا كل ما كتب، وإن كانا آخر ما كتب، وما يكتب حيث وصف الجزء الثاني منها بـ«الأخير» في سيرته. فقد ذكر في بداية كتابه «تلك الأمكنة» أن شظايا من سيرته متبعثرة في كتبه منذ 1998 في كتابه «ظل آخر للمدينة» إلى يومياته «مديح لمرايا البلاد» الصادرة سنة 2012 وصولا إلى كتابه «أنا والكتابة.. من ألف باء اللغة إلى بحر الكلمات» الصادر سنة واحدة قبل مذكراته. وهذا الإصرار من محمود شقير على كتابة سيرته الذاتية مفرقة في كتبه أو مجموعة في كتابيه الأخيرين ليس «للتفاخر أو للمباهاة ولا لادعاء بطولات أو للوقوع في المبالغات، بل هي كما يقول، للرد على من ينفون وجودنا وينكرون علينا حقنا في وطننا، لكي يبرروا استيلاءهم عليه، استنادا إلى الخرافة والأكاذيب المسندة بقوة الغزو والعدوان». إذن هي ليست سيرة شخص، بل سيرة وطن يخشى عليه محمود شقير من تغيير ملامحه ومحو آثاره، كما هو قائم منذ سبعين سنة دون ملل ولا تراخٍ.
في «تلك الأمكنة» يكتب محمود شقير عن الأماكن التي عاش فيها، أو التي زارها، سواء مدينته القدس التي ولد وعاش فيها أكثر عمره والحاضرة فيه بقوة، رغم أنه أفرد علاقته بها في كتاب عنوانه «القدس وحدها هناك» أو المنافي التي آوته مثل بيروت التي قضى فيها سنة توافقت مع بدء الحرب الأهلية فيها، أو عمان التي عاش فيها ثلاثة عشر عاما مدرسا ومديرا وصحافيا ومناضلا سياسيا، انتهاء ببراغ التي أقام فيها ثلاث سنوات ممثلا لحزب الشعب الفلسطيني في مجلة «قضايا السلم والاشتراكية» أو في المدن الكثيرة التي زارها برا وجوا وبحرا، حتى إننا لا نبالغ إن وصفناه بسندباد فلسطين، فهو لا يرجع من سفر إلا إلى سفر، مشاركا في ندوات ومعارض للكتب ومهرجانات ثقافية وتكريمات وأنشطة سياسية في أرض الله الواسعة.
ولا أعتقد أن الفقرة التي وصف بها كتابه بقوله «هنا في «تلك الأمكنة» تفاصيل أخرى من سيرتي ويومياتي ومن أسفاري داخل فلسطين وخارجها، وفيه وصف للأمكنة التي عشتُ فيها وعاشت فيّ» تختزل ما جاء في كتابه ويكفي أن نذكر أن مئات الأماكن، خاصة في فلسطين تتوالى في الكتاب من أسماء قرى إلى أسماء شوارع إلى وصف أماكن، وكأنه يوثق كل ذلك مخافة اندثاره، كما اندثرت مدن وقرى فلسطينية كثيرة، مع عودة دائمة إلى القدس تلخصها جملة موجعة «كلما زرت مدينة في هذا العالم أجريت مقارنة بين شبابيكها وشبابيك القدس». ويبلغ ولعه بالتفاصيل أن يحسب بالدقائق وقت مشيه، أو يذكر دائما أرقام غرف الفنادق التي نزل فيها في رحلاته الكثيرة. ومن أجمل ما في «تلك الأمكنة» ما يستشف من علاقته بمحمود درويش؛ فالمحمودان (شقير ودرويش) يفصل بين تاريخ مولديهما يومان فقط من شهر مارس/آذار سنة 1941، وتقاطعت خطاهما في عدة مواقع عمل مشترك، وكان أن نال محمود شقير «جائزة محمود درويش للحرية والإبداع» في عيد ميلاده السبعين.
أما «تلك الأزمنة» فجردة حساب أخرى متعلقة بالعمر، هي تسجيل للسير الحثيث نحو الثمانين التي كتب عنها محمود شقير: «ستكون سن الثمانينَ خاتمةَ المطاف، ولن أكترثَ بعدها لو جاءني الموت». بدأ بتدوين سيرته الزمنية هذه قبل قرابة ثلاث سنوات من هذا الخط الثمانيني الذي حدّده، وكانت غنية بالأحداث ففيها انقلب العالم رأسا على عقب نتيجة وباء كورونا، فسجل محمود شقير تأملاته ومذكراته مركزا على أحفاده، فقد كانت لهم مساحة كبيرة في هذا الجزء، خاصة آخر العنقود حفيده مهدي الذي كتب له عدة قصص للأطفال كان هو بطلها.
وكتابة محمود شقير عن أحفاده تلفت نظر القارئ، فهو يخص كل واحد منهم بمقاطع من كتابه يتحدث عن دراستهم وهواياتهم وبعض ذكرياته معهم وكأنه يقول، إن الفلسطينيين الذين هو منهم مستمرون عبر الأحفاد، رغم كل محاولات الاقتلاع والاستئصال التي يمارسها الاحتلال.
وفي الكتاب لفتة إنسانية تجدر الإضاءة عليها وهي الملحق الذي أنهى به كتابهِ بعنوان «أمينة.. يومياتُ الألَمِ والمعاناة» عن ابنتِه التي أصيبتْ بضمورٍ عضَلي أقعدَها أكثرَ مِن عشرينَ سنة حبيسةَ الفراش، وما كانت تعانيه في المستشفى هي من آلام وتتحمله أسرتها، خاصة والدتها من مشاق في الاعتناء بها.
عرفتُ كتابات محمود شقير متأخرة – وهو خطأ مني ـ فاهتمامي الأكاديمي بالشعر وولعي بقراءة الرواية حال بيني وبين إبداعه القصصي إلى أن قرأت روايته «مديح لنساء العائلة» التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة 2016، والتي تحكي سيرة عائلةٍ بدويةٍ فلسطينيةٍ على امتداد أربعين عاما. من حينها أقرأ له ما يقع تحت يدي من كتبه، وأعجبت به كاتبا وإنسانا حين نشرت القاصة والروائية الفلسطينية حزامة حبايب قبل سنتين رسائلهما المتبادلة. وتوجتْ سيرتُه الذاتية هذا الإعجاب بكاتب أخلص للكتابة ويراها أفضل ما حدث له حين كتب "لعل أنبل ثلاث ظواهر في حياتي هي: الكتابة والتعليم والانتماء إلى فكر اليسار".
يخرج القارئ لسيرة محمود شقير بجزأيها بانطباع تمتزج فيه المتعة بهذا النص الصادق المؤثر مع الإعجاب بكاتب نذر عمره للقلم رغم أحزانه الخاصة، وجرح مدينته القدس الذي لا يزال مفتوحا، لأن محتلّي وطنه ببساطة هم كما وصفهم في سيرته «يرون دمهم فقط ولا يرون دماءنا، يرون حزنهم فقط ولا يرون حزننا، لكننا نرى والعالم يرى».

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت