اليمين القومي ودور البابا

عادل صوما
2023 / 11 / 25

فاز مرشح اليمين القومي خِيرْت فيلدزر في انتخابات البرلمان الهولندي الأخيرة، في إطار مُلفت للنظر لتصاعد شعبية أحزاب اليمين القومي في دول الاتحاد الأوروبي، ما يمكن أن يسبب في المستقبل القريب موجات من انتصارات هذه الأحزاب، بسبب تعامي الأحزاب الأخرى المتعمد عن الفشل الخطير الواضح في سياسة "الايمان بالتعددية" التي أدت إلى فتح أبواب الهجرة على مصراعيها لشعوب حاولت فرض مشاكلها وكسلها وتخلفها وأطماعها وثقافاتها على من جعلهم أفضل وأرقى، بدلا من الاندماج وضخ دم جديد ولمسة ثقافية مختلفة.
يُضاف إلى ذلك "التصحيح السياسي" الذي أدى إلى قبول الإرهاب وحتى التكتم على اجرامه أحياناً، أو على الأقل جعله أمراً واقعياً يجب التعايش معه، بسبب جلد الذات على ماضٍ استعماري، مارسته كل الشعوب في الماضي ولم يجلد أحدٌ نفسه عليه غير الغرب!
ما الأسباب؟
الاعلام الذي يروج للسياستيّن المذكورتين آنفاً ولا يذكر مشاكلهما ذات العواقب الوخيمة، يسوّق أحزاب اليمين القومي على انها أحزاب متطرفة، ولا يشرح لماذا صعدت هذه الأحزاب المتطرفة في قوميتها، بعدما كانت في الظل تكاد تقتصر على أعضائها فقط، وكان مستحيلا عليها الفوز في انتخابات أو تتصاعد شعبيتها منذ خمسين سنة.
الاعلام ليس مسؤولا وحده عن هذا الأمر، بل السياسيين الجبناء أصحاب المصالح الذاتية الضيقة.
في إطار الحفاظ على الثقافة الهولندية واتهام الاعلام له بالتطرف يقول فيلدزر عن "التعددية" والهجرة المفتوحة "لقد أصبح الأمر كافياً الآن، وهولندا لا تستطيع أن تتحمل المزيد. علينا أن نفكر الآن في شعبنا أولاً. الحدود مغلقة. صفر طالبي لجوء".
هذا التصريح "المتطرف في احساسه بشعبه" لم يأت من فراغ، لأن دول الاتحاد الأوروبي كافة تعطي اللاجئ بغباء سياسي مريب الأولوية في مجال الإسكان الحكومي ذي الأسعار المعقولة، بينما ينتظر المواطن، دافع الضرائب لتُبنى هذه المساكن، عشرين سنة للحصول على منزل منها، ناهيك عن الخدمات الأخرى التي يُصنّف اللاجئ أولا على أولوياتها ليحصل عليها مجاناً.
دين أو سياسة؟
أعرب قادة الجالية المسلمة السياسيين في هولندا عن غضبهم وخوفهم بعد فوز فيلدزر، رغم ايمانهم المُعلن بالديموقراطية وصناديق الانتخابات، كما يرددون كذباً.
لا يخفى على أحد أن هؤلاء القادة أخوان مسلمون يؤمنون بفرض أستاذيتهم على الدنيا، ويعارضون أي مقاومة سياسية لهذه الأستاذية، لأنها معارضة لحكم الله وليس لهم كما يجيّشون أتباعهم.
لن أخوض في مصطلح "حكم الله" لأنه غير مفهوم اليوم، فإقحام الله في السياسة والانتخابات والحروب والأحزاب يليق بعصر الأساطير، لكني سأتكلم عما هو غير مفهوم على الاطلاق في عصر العلوم.
يُوصف يوسف القرضاوي بالمعتدل عندما ينادي علانية بأسلمة أوروبا بالقنبلة الإسلامية السكانية، وهذا حق طبيعي لرجل سياسي يرتدي الزي الديني. ويوصف فيلدزر بالمتطرف عندما يتعهد حزبه "الحرية" بفرض حظر على الإسلام السياسي والمساجد السياسية والحجاب ذي الانتماء والصبغة السياسية الواضحة، وينص برنامج الحزب على "اننا نريد مسلمين أقل في هولندا".
أنفسهم لا هولندا
أصحاب الجمعيات الإسلامية السياسية يبدون قلقاً على هولندا، ويصرحون بأنهم لا يعرفون إذا كان المسلمون لا يزالون آمنين فيها بعد انتخاب خِيرْت فيلدزر. هم قلقون على أنفسهم ومشاريعهم السياسية في هولندا والغرب ليس إلا، وما يقولوه لا يتناسب مع بلد ديموقراطي استقبل مسلمين طواعية، بينما لم ولن تستقبلهم أي دولة إسلامية أو تعطيهم هوياتها.
بعيداً عن مريدي القرضاوي وأتباع الاخوان المسلمين أصحاب الطموح السياسي بفرض أستاذية العالم على هولاندا وغيرها، صوّت مسلمون كثيرون لصالح فيلدزر لأنه يستطيع تغيير "أمور الطبقة الوسطى"، "ولأن ما يقوله عن الفقر صحيح". بل تخطت صراحة حسن بن سعيد، وهو عامل بناء في أمستردام، كل الحدود عندما قال لصحيفة عربية/دولية: "إنه يصرخ في البرلمان من عشرين سنة، هذا ليس مفاجئاً. نحن متطرفون. نحن لصوص. نحن كل شيء".
الغرب فتح أبواب الهجرة للمسلمين وغيرهم بدون قيد أو شرط، ولم يعارض مطلقاً الدين الإسلامي بوقائع عدد المساجد والجمعيات الإسلامية، لكن من حق الغرب بعد تحييد المسيحية بعيداً عن السياسة أن يعامل أي دين بالمكيال نفسه، وأن يدافع عن دوله القومية التي بناها بعد انهيار عصر الإمبراطوريات.
دور البابا
الخطوة التي يجب أن يتبناها اليمين القومي في الغرب ويضعها على قائمة سياسات أحزابه هي التشجيع على بناء الاسرة وإنجاب أطفال، عوضاً عن سياسة فتح باب الهجرة لشعوب يستحيل أن تنتمي لأي ثقافة سوى ثقافتها، كما بينت الوقائع والأدلة والبراهين.
بالمناسبة، هذه هي صميم رسالة البابا فرنسيس الأخلاقية تجاه المسيحية الغربية، عوضاً عن دوره غير المفهوم في إعادة هيكلة اقتصاد العالم الغربي، وحضوره الذي لا لون له أو رائحة في مؤتمرات المناخ، ووصفه السياسي غير المقبول لليمين القومي بأنه شعبوي، وتأنيب أوروبا على عدم استقبال المزيد من المهاجرين، ناهيك عن صمته المطبق المريب عما يهدد الثقافة المسيحية الغربية في العمق.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت