الحرب والفن ... والحرب والحياة .

أحمد فاروق عباس
2023 / 11 / 24

من اول يوم فى حرب غزة الحالية لم أقتنع أو أوافق على الرأى القائل : أنه لابد من توقف كل أنشطة التمتع بالحياة لأنه لا يصح ذلك والحرب في غزة مشتعلة ..

ومن هذا المنطق الغريب تم الضغط على فنانين لإلغاء حفلاتهم ، وتم الضغط على ممثلين لإلغاء مسرحياتهم ..

وكل من كان يظهر فى وسائل التواصل الاجتماعي أنه يمارس حياته بصورة طبيعية كان يتعرض للنقد الشديد ..

فمن كان يظهر في الفيس أنه يسمع اغنية كان يقال له فورا .. أتسمع اغانى واهل غزة يموتون ؟!

ومن كان ينشر صورته فى احتفال ما كانت تظهر الأصوات إياها صارخة .. ازاى تعمل كده والناس في غزة يموتون ..

ولم يفهم كثيرون العلاقة بين أن تمارس الشعوب حياتها الطبيعية وبين الحرب فى غزة ..

كل الناس طبعا كان تعاطفها مع أهل فلسطين فى محنتهم ، ولكن منذ متى تم الفرض على الناس أن تترك حياتها وتتسمر أمام القنوات تتابع حرب غزة ، أو أن تنسى حياتها ، وإلا حق عليها اللوم والتقريع ..

ووصل الأمر بالبعض على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تهديد أصدقاءه بأنه سوف يعمل حظر لأى شخص يبدو عليه أى علامة غير إظهار الحزن والتعاطف مع غزة !!

كل دول العالم دخلت حروب .. وحروب طاحنة ، ومات من أهلها مئات الآلاف ، وفى بعض الأحيان ملايين ، وفى أحيان أخرى عشرات الملايين ..

فقدت بريطانيا فى الحرب العالمية الثانية مئات الآلاف من أبناءها ، وتعرضت لندن وباقى المدن البريطانية للغارات والقصف الألماني شهورا عديدة ، ودمرت أجزاء واسعة منها ، وقدمت بريطانيا فى تلك الحرب - كما قال تشرشل - العرق والدم والدموع ..

وكان غذاء الشعب البريطانى كله ببطاقات التموين ، بعد الحصار الألماني الرهيب للشواطئ البريطانية ..
وكان نصيب الفرد البريطانى فى اليوم بيضة واحدة ، ورغيف واحد في الوجبة ..

ومع ذلك لم تتوقف الحياة فى بريطانيا ، ولا توقف الفن وأنواع الكتابة المختلفة - فى الصحف وللمسرح والسينما - عن الظهور والابداع ، ولا توقف الصوت البريطانى فى الغناء والسينما والمسرح ..

وألمانيا فقدت فى الحرب العالمية الثانية ثلاثة ملايين إنسان ، والاتحاد السوفيتي فقد فى نفس الحرب ٢٠ مليون انسان ..
ومع كل تلك الآلام لم تتوقف الحياة فى المانيا ولا فى الاتحاد السوفيتي ..
وظل مسرح البولشوى فى موسكو يعمل فى ذروة الحرب والقتال ..

واذا أخذنا تجربة مصر ..

كانت مصر تحارب نفس العدو - إسرائيل - وكان شعبها في نفس الوقت يمارس حياته ويبدع في الفن والأدب والمسرح وفى كل نشاطات الحياة ..

وخلال الفترة من حرب يونيو ١٩٦٧ إلى حرب أكتوبر ١٩٧٣ كان لمصر أكثر من مليون جندى مع سلاحهم أمام إسرائيل ، وحدثت حرب الاستنزاف مرورا بالعبور في أكتوبر ..

وطوال هذه السنوات الست القاسية يستغرب الإنسان مما قدمه الشعب المصري من ابداع فى كل المجالات ..

لم تتوقف الحياة والاستمتاع بها لأن البلد تحارب ، بل العكس هو الصحيح .. كان لابد أن تستمر الحياة لكى تستطيع البلد أن تحارب ..

واذا أخذنا أمثلة على ما حدث في مصر خلال تلك السنوات الست ..
غنت أم كلثوم مثلا مجموعة من افضل أغانيها في تلك السنوات ...
غنت من الحان عبد الوهاب : هذه ليلتى ، وأغدا ألقاك ، ودارت الأيام ، وليلة حب ..
وغنت لبلبغ حمدى : ألف ليلة وليلة ، والحب كله ..
وغنت لرياض السنباطى : أقبل الليل ، ومن أجل عينيك ، والقلب يعشق كل جميل ..

وغنى عبد الحليم حافظ أروع أغانيه الطويلة في تلك الفترة : حاول تفتكرنى ، موعود ، زى الهوا ، مداح القمر ، أى دمعة حزن لا والتى غناها بعد حرب أكتوبر مباشرة ..

وغنت شادية - بعد عودتها للغناء - اجمل وأرق أغانيها في تلك السنوات ..
وهكذا باقى أصوات مصر ..

وظهرت في تلك الفترة أروع الأعمال السينمائية المصرية ، افلام مثل : البوسطجى ، غروب وشروق ، الأرض ، المومياء ، الاختيار .. وغيرهم .

وكتب نجيب محفوظ مجموعة من أجمل أعماله مثل : تحت المظلة ، حكاية بلا بداية ولا نهاية ، الحب تحت المطر ، وروايته الخالدة .. المرايا .
وكتب آخرون أعمالا مهمة ..

أى أن مصر كانت تقاتل .. وكانت فى نفس الوقت تكتب وتبدع وتغنى ..

كانت تقف لعدو شرس وراءه دول عظمى .. وكانت فى نفس الوقت تمارس حياتها وتستمتع بها ..

وهكذا فعلت فيتنام مثلا في حربها مع أمريكا ، من منتصف الستينات إلى منتصف السبعينات ..

هكذا كانت تفهم الشعوب الأمر ..

الحرب نفسها كانت من أجل أن تستمر الحياة .. بكرامة وبشرف ، لذا لم يكن هناك معنى أن يتكلم أحد عن إيقاف الفنون والآداب من أجل الحرب !!

لم تتوقف المصانع .. ولا توقفت المزارع .. ولا توقف الإنتاج .. ولا توقف الفن ...

فقط عندما ظهرت تيارات الإسلام السياسى خرجت هذه النغمة ..
وأثرت في كثيرين للأسف ..

وأصبحت الحياة كلها معهم مظلمة .. كئيبة ..

وأصبح إظهار الإنسان للبهجة - فى وقت الحرب أو حتى فى أوقات السلم - مستهجنا !!
وأصبح استمتاع الإنسان بحياته ، مهما كانت بسيطة داع للتريقة ..

وفرض على الناس نمط للحياة غريب ..

وانتشرت بين الناس ظواهر أخرى غريبة قريبة من ذلك النوع من التفكير الخائف من كل شئ .. منها مثلا الخوف المبالغ فيه من الحسد والعين ، وأصبح الشعب فجأة كله محسودا !!

فكل الناس مقتنعة أنها محسودة ، حتى لو لم تكن لديها ما تحسد عليه !!
وأصبح السؤال : واذا كان كل الناس محسودين .. فمن يا تري هؤلاء الحاسدين الشريرين ؟!

حتى الدين أصبح معهم أقرب إلى المظهر من الجوهر ..
وأصبح النفاق شائعا ، النفاق حتى فى الدين ، أو فى ادعاء التدين ...

هى ثقافة ضد الحياة عموما ..
وهى ثقافة لا تستطيع أن تنتصر .. لا فى الحياة .. ولا فى الحرب ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت