المقاومة وعسكرة المجتمع العربي وعلاقتها بالتطرف

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 11 / 22

لا أنسى في بداية عهدي بمدرسة المحلة الثانوية العسكرية بنين حين اختارني الرائد، بالنظر إلى قوامي الفارع، لتقدم المارش العسكري تمهيداً لبدء اليوم الدراسي. وصدمتي حين أوقف العرض وأمرني بترك المقدمة لزميل آخر، مبرراً بكوني وجلاً ومتردداً لا أصلح للقيادة. من يومها، أسأل نفسي: هل فعلاً أنا لا أصلح؟ وإن كنت، هل لا أصلح لشيء على الإطلاق، أم لهذا الشيء فقط؟ وما علاقة هذا الشيء- العسكرية- بصبي في السادسة عشرة من عمره، من منطقة ريفية ويدرس في مدرسة مدنية تتبع وزارة التربية والتعليم وليس وزارة الحربية؟ أنا في سني هذا، كنت فلاحاً ومزارعاً لا يُشق له غبار، بشهادة الكبير قبل الصغير. كذلك، وفي هذه المدرسة أيضاً، كنت مُقيداً بفصل الأوائل. كيف اقتحمت هذه العسكرية- التي فشلت فيها بشهادة الرائد ولا حتى أفهمها لانعدام سابق معرفة وعشرة- عالمي الزراعي الذي فتحت فيه عيني وشربته كما يشرب الطفل بالفطرة مع حليب أمه لغة بيئته المحيطة دون الحاجة إلى تعليم؟ وكيف اقتحمت عالمي التعليمي الذي قد جمعت فيه 15 سنة سابقة من المعارف النظرية، التي بالطبع لم يكن من بينها التدريب العسكري؟ ولماذا هذا الأخير، وما هي قيمته، في حياة فتى فلاح يستكمل تعليماً مدنياً لكي يظفر في النهاية بوظيفة مدنية؟

رغم خضوعه للاحتلال الأجنبي لنحو سبعة قرون متصلة، منذ سقوط الخلافة العربية العباسية في 1258م حتى سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في 1922م، بقي المجتمع العربي بعيداً عن العسكرة ويعيش حياته المدنية بشكل طبيعي. لكنه خلال ثلاثة عقود فقط- من 1922 حتى 1952، وهي الحقبة التي تزامنت مع خضوعه لاحتلال دول من أوروبا الغربية على رأسها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا- تَشرَّب المجتمع العربي خصائص عسكرية إلى حد ما كان يتصوره أحد، وستشكل منحنى تطوره منذ ذلك الزمن حتى الوقت الحاضر. ربما مكونات المجتمع العربي لم تقاوم- ولم تتعسكر جراء مقاومة- محتليها الأجانب غير العرب لكن المسلمين على خلفية المِلَّة المشتركة، ومن ثم بقيت منزوعة الروح والشوكة العسكرية طيلة أكثر من 700 سنة قضتها خاضعة، مسالمة، لحكمهم؛ وربما أنها أيضاً قد أظهرت حساسية خاصة تجاه مستعمرين غربيين (كُفار؟) لا تزال ذكريات الحروب الصليبية ضدهم ماثلة لم يمحوها الزمن، ومن ثم لم تطيق أكثر من 30 سنة من حكمهم دون مقاومة. لكن الأمر المؤكد، أن الثورة الصناعية في الغرب وما تلاها من تطورات هامة من أبرزها نشأة الدولة الوطنية كانت قد عرفت طريقها إلى المجتمع العربي وتأثر بها. ولهذا لا يُستغرب أن نهاية الخلافة العثمانية عبر المنطقة العربية أتت إلى حد ما بيد مقاومة أبنائها العرب أكثر منها بيد الجيوش الأوروبية. المهم، الاحتلال الغربي رغم قصر عمره هو الذي استفز مقاومة المجتمع العربي، إلى حد متطرف سيشكل مستقبل هذا الأخير.

وهكذا، قد بُنيت المقاومة، ومن ثم العسكرة، العربية فوق ركيزتين أساسيتين: (1) المفهوم الغربي الحديث للدولة الوطنية؛ و(2) الاستعمار الغربي. وهو سبب الفصام في الشخصية العربية الحديثة: نحن نحسدهم ونريد أن نَقوى ونَتقدم مثلهم من جهة، وفي الوقت نفسه تَملؤنا الرغبة الجامحة لمقاومتهم والتخلص من هيمنتهم ووصايتهم علينا- نريد أن نستقل عنهم.

وبقينا، منذ استقلت المجتمعات العربية من نير الاستعمار شرقي وغربي، نتردد جيئة وذهاباً في تردد وحيرة وتخبط بين قطبي هذه الثنائية الغربية: كلما أخفقنا في مشروع الدولة الوطنية والأخذ بالحداثة الأوروبية أكثر، كلما زادت مقاومتنا- ومن ثم عسكرتنا- أكثر ضد المعسكر الغربي ذاته الذي نسعى لتقليد نموذجه، والذي اكتسب فيما بعد طابعاً أمريكياً. وهو ما يعكسه بوضوح واقع الحال الفلسطيني اليوم، لكنه متغلغل بدرجات متفاوتة في المجتمع العربي عبر المنطقة كلها. بتنا نرى أمرنا من خارجنا، من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ونتهمهم ونرى فيهم أسباب المشكلة والحل معاً وفي آن وحد. كلما تفاقمت مشاكلنا، التي تُعزى إلى عسكرة متطرفة عطلت طاقات المجتمع العربي بعد تجييشه لصالح مقاومة متطرفة ضد الغرب والولايات المتحدة، سارعنا بالاستنجاد بهم ذاتهم لحل مشاكل نتهمهم أنهم سببها.

من تربة هذه المقاومة العربية الشرسة ضد المستعمر الغربي، نبتت شخصيات مثل جمال عبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي، وأيديولوجيات مثل القومية العربية والبعث العربي والنهضة الإسلامية والمقاومة الفلسطينية- جميعها امتداد للثنائية الغربية أعلاه. وعلى عكس زعامة مثل سعد زغلول تقود الأمة نحو المستقبل وضد ما قد لا يكون رائجاً ومستساغاً بالضرورة لكن قد ينفعها، كان هؤلاء مجرد مزايدون شعبويون يقودون شعوبهم إلى الخلف نحو الماضي، نحو كل ما هو رائج ومحبب للهوى حتى لو كان فيه ضرر وهلاك محتمل. ولم يكن هناك أكثر رواجاً في ذلك الوقت من مقاومة المستعمر الغربي والدفاع عن الدين ضد هؤلاء الكافرين. وبالفعل، ذهبوا في هذا الطريق حتى آخره- حتى تصدعت مشاريع دولهم الوطنية فوق رؤوسهم ورؤوسنا جميعاً، لنعود مجدداً إلى نفس أعدائنا الذين نقاومهم لكي ينجدونا- ولا نعرف إن كان من أنفسهم أم من أنفسنا أم من الاثنين معاً؟!!

أخذت روح المقاومة، ومن ثم العسكرة، تتغلغل في المجتمع العربي فور قدوم المستعمر الغربي إلى المنطقة. ثم تضخمت بصورة مخيفة فور استقلال الدول العربية وتولي زمام قيادتها حكومات ولدت هي ذاتها من رحم المقاومة، لتواصل عسكرة مجتمعاتها أكثر فأكثر، إلى حد لم يسلم منه صبي فلاح بقاعة الدرس بقرية نائية. تحول المجتمع العربي إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، يفكر ويخطط ويصنع السياسات وفق النهج العسكري، ويزرع ويصنع ويخدم مثل الجندي في الزي. حتى المأكل والمشرب والملبس كان كله حتى وقت قريب وبعضه حتى اليوم يُصرف في حصص مُقنَّنة ومُدعَّمة كمخصصات الجند. ولم يكن مستغرباً والحال كذلك أن يتغلغل النهج العسكري إلى كل شيء، حتى العلاقات والترتيب الاجتماعي لشرائح المجتمع، حيث أصبحت الرتب واللواءات نجوم المجتمع والمعادل الموضوعي لباشوات العصر البائد. وكذلك الدين-كأحد مكونات المجتمع- تغلغل فيه النهج العسكري، ليفكر بنفس الطريقة، ثم ينظم صفوفه مثل العسكر، ويلبس الزي ويحمل السلاح. وتُولد ظواهر اجتماعية-دينية عربية غير مسبوقة، مثل الإسلام السياسي وحركة المقاومة الإسلامية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت