أسباب ونتائج الانقسامات في الساحة الكردية السورية

صلاح بدرالدين
2023 / 11 / 17

صلاح بدرالدين

لم يشهد الكرد السورييون في كل تاريخهم ظروفا اكثر انقساما ، وتشتتا ، وتربصا ببعضهم البعض ، وتفاقما في ازمة حركتهم السياسية كما هو عليه الان ، مما يستلزم الامر تسليط الضوء على المسببات وسبل مواجهتها .
توطئة سريعة
منذ ترسيم حدود اتفاقية سايكس – بيكو عام ١٩١٦ ، وماتلاها من قرارات دولية ، وتعديلات ، ثم اعلان استقلال دولة سوريا التي استحوذت جزء من الكرد ووطنهم التاريخي بقرار من دول الانتداب والاحتلال وخصوصا ( فرنسا وبريطانيا العظمى ) ومن دون إرادة ، ورغبة ، وحتى استمزاج مواقف ، لا العرب السوريين ، ولا الكرد ، ولا توفير شروط ، وأسباب تحقيق الشراكة الدستورية ، والقانونية ، والحقوقية ، او قاعدة مدروسة متينة واضحة للعيش المشترك في اطار الدولة الوطنية الواحدة ، وسارت بعد ذلك حكومات الاستقلال على نهج تجاهل الكرد كشعب وجودا ، وحقوقا الى يومنا هذا .
التماسك مقابل الانقسام
بقاء الكرد السوريين من دون حصانة ، كمكون من دون ضمانات دستورية ، وقانونية دفع الأمور باتجاهين مختلفين :
الأول – تماسك الكرد في مختلف مناطقهم الجغرافية المرسومة الحدود من ديريك الى راجو مرورا بكوباني ، ( في الاغلب عشوائيا ولكن مدروسا ) كما ذكرنا من جانب المستعمرين ، وانبثاق حركة سياسية كردية موحدة بمشاركة كل مناطق التواجد الكردي منذ أواسط عشرينات القرن الماضي المتجسدة في حركة – خويبون – والتي انبثقت في مرحلتها الأولى من القامشلي ثم لبنان بمرحلة لاحقة ، وامتدادها ( الحزب الديموقراطي الكردستاني ) أواسط الخمسينات .
والثاني - سهل للأنظمة والحكومات السورية اللاديموقراطية المتعاقبة المشبعة بالنزعة الشوفينية – العنصرية ، الاستبدادية تطويق الحركة الوطنية السياسية الكردية المناضلة من اجل الاعتراف بالكرد كشعب ، والحقوق القومية ، والديموقراطية ، واستحقاقات الشراكة مع العرب السوريين في السلطة ، والثروة ، والعمل على تقليص جغرافيا المناطق الكردية ، وتوسيع الهوة بينها من خلال اطلاق مخططات تغيير التركيب الديموغرافي ، والحزام العربي ، والاحصاء الاستثنائي ، ثم اختراق الحركة الكردية ، وشق احزابها .
تقسيم الكرد من صناعة النظام
وهكذا نجد ان عملية تعميق الانقسام الكردي من صنع الانظمة السورية الحاكمة خصوصا نظام البعث الاسدي وبطله بالمرحلة الأولى – محمد منصورة - الذي افرز الكرد الى ( جيدين وسيئين ) ، ونجح في استمالة – مسؤولين – ببعض الأحزاب الى جانبه ، ودفع البعض الاخر الى شق احزابهم لقاء منافع مادية ومواقع كما حصل في ( الاتحاد الشعبي ) ، وفي مرحلة لاحقة بعد اندلاع الثورة السورية المغدورة اكمل – اصف شوكت – مابداه زميله – منصورة – بجلب مسلحي – ب ك ك – حيث تزامن مع ذلك توسيع خطوات التغيير الديموغرافي ، ومضاعفة موجات التهجير ، والنزوح من المناطق الكردية ، وتوسيع الفجوة بين الجزيرة ، وكوباني ، وعفرين حتى تتحقق ( استحالة تطبيق أي حل للقضية الكردية بحجة ان مناطق الكرد متباعدة جغرافيا ) وإيجاد بدائل مثل ( شرق الفرات وشمال شرق سوريا ) والامعان في اظهار ان الكرد من اقل المكونات عددا .
عوامل أخرى وراء الانقسام
الأحزاب الكردية في طرفي الاستقطاب ( ب ي د – انكسي ) وبسبب السلوك السياسي الخاطئ لسياساتها ، والتناحر الأيديولوجي بين صفوفها ، والتبعية لاجندات الخارج ، وتوزع ولاءاتها هنا وهناك ، وعلاقاتها المرئية والسرية مع أجهزة النظام ، وغياب الديموقراطية في تعاملاتها مع الشعب ، ورفض الحوار الكردي الكردي الديموقراطي ، ونبذ المختلف بل تخوينه ، والتراخي بشكل عام امام نظام الاستبداد ، والهجرة المتواصلة منذ عقد بسبب الأوضاع الأمنية والمعاشية ، نجد من نتائج ذلك المزيد من الانقسامات بين كرد المناطق المختلفة من جهة وكذلك في صفوف الحركة السياسية بسبب الولاءات ، والمال السياسي .
التموضع الشللي المناطقي
الأفق الضيق لمتزعمي أحزاب طرفي الاستقطاب ، والموالاة المطلقة للمانحين من وراء الحدود ، ومنح الأولوية للفائدة الشخصية مهما كان الثمن ، يشكل الدافع لاضاعة البوصلة ، وفقدان أي توجه لاكتشاف وصياغة المشروع الوطني الكردي السوري ، والالتزام باهدافه القومية والوطنية ، ومراعاة التوازن بين مختلف المناطق الكردية السورية ، مما يخلق ذلك ردات فعل اكثر تشددا في – مناطقيتة – من عناصر تعتبر نفسها متضررة ، ومغبونة ، والبعض منها تركب الموجة للوصول الي الاندماج في الحالة الحزبية السائدة .
ان ماتخلقه الأحزاب الان من انقسامات ( عامودية وافقية ) هي من اخطر أنواعها ، بل من شانها انهاء القضية الكردية كمسالة شعب واحد وله حركة وطنية واحدة ، واهداف ومطامح موحدة ، وتعتبر مكملة لما حققه النظام بل ان ماتنتجه كان النظام قد عجز عن تحقيقه طوال عقود .
بدانا نسمع أصواتا من هذه المنطقة وتلك تدعو الاخرين الى عدم التطرق الى شؤونها وشجونها ، وتنادي بالاقليم الفلاني في حين ان كرد جميع المناطق لم ينجحوا منذ عقود في اعتبارهم من سكان إقليم كردي واحد معترف به ، وبدانا نرى تكتلات مناطقية صرفة ( مطهرة ) ، واحزابا قيد التشكيل والاعلان تنطبق عليها صفة ( الجزراوي والكوباني والعفريني ) ، انه تقزيم ممنهج للفكر القومي ، وتقسيم للقضية القومية ، وللأسف الشديد يقف من وراء هذا التراجع المخيف أناس يعتبرون انفسهم من النخب الثقافية – السياسية ، فمواجهة الخطأ بالخطيئة ليس حلا بل تفاقما بالازمة .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت