كيف رقصنا - بسذاجة - على أنغام أعداءنا !!

أحمد فاروق عباس
2023 / 11 / 12

مستجدين هم العرب في السياسة الدولية ، وفى ممارسة السياسة عموما ، وتجربتهم محدودة فى معانى كالصراع والحرب ، وما يلحق بها من الحرب النفسية وحرب الاعصاب والتأثير في الخصم بدون قتال ...

وسبب ذلك أن العرب - ومنهم المصريون - لم يمارسوا تلك الأشياء لقرون متصلة من الزمن ..

كان الأتراك يحتلون مصر لمدة ثلاثة قرون ، ثم جاءت أسرة منهم حكمت مصر ١٥٠ سنة أخرى ، وفى أغلب فترة حكم تلك الأسرة كان الإنجليز هم من يتحكمون في مصر ومصيرها ..

لم يعرف المصريون والعرب طوال هذه الحقب الطويلة معنى الحرب أو يفهموا شيئا عن دهاليز الدبلوماسية الدولية والصراعات بين الأمم ، كما لم يتعرفوا على معنى الجندية وشرفها ، أو بناء الدول وتقدمها ..

تركوا كل ذلك للأجانب ... الأتراك مرة ، والفرنسيين مرة ، والإنجليز مرة ، والأسر الحاكمة الغريبة عنهم مرة ..

وكان عليها - بعد تأخر طال زمنه جدا - أن تتعلم تلك الأمور ، ومن سوء حظهم أن جاء أوان تعلمهم في أسوأ الظروف ..

ولنأخذ مثالا واحدا ..

مثال على قصور فهم العرب والمصريين لمعنى الصراع ومتطلباته ..

لقد تبنى العرب - وأولهم المصريون - نظرة عدوهم بالكامل تقريبا لحروب العرب معه ..

وأقصد بعدوهم هنا إسرائيل ومن يقف وراءها من دول الغرب ، فإسرائيل في النهاية مشروع غربى للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وضبط تفاعلاته بما يضمن دائما المصالح الغرببة ..

حيث تبنى العرب - بسهولة وسذاجة - الرواية الإسرائيلية والغربية لكل جولات صراعهم مع إسرائيل ؟!

نأخذ حروب العرب وإسرائيل واحدا واحدا ...
ونرى ماذا حدث بالضبط ..

كانت الحرب الأولى هى حرب سنة ١٩٤٨ ..

دخلت الجيوش العربية فلسطين في مايو ١٩٤٨ لتحريرها من الإسرائيليين ، وأبلت الجيوش العربية فى البداية بلاء حسنا ، وتقدمت على عدة محاور ..

ثم كان أن طلبت إسرائيل الهدنة ، وفرض الغرب الهدنة فرضا ، وأثناء ذلك أعيد تسليح إسرائيل وتنظيم قواتها ، وانقلبت الأمور بعد استئناف القتال ، حيث تقدم الإسرائيليون وتراجع العرب ..

وبعد الحرب ..
لم يدرس العرب تجربة القتال مع إسرائيل ، وظروفها السياسية والدبلوماسية ، وموقف الدول الكبرى وطبيعة مطالبها من المشروع الإسرائيلي ..

لا لم يحدث أى شئ من كل ذلك ..

وتوصل المصريون أن سبب الهزيمة هو ... الأسلحة الفاسدة !!

أى ان المشكلة ليست فى خطط الغرب وتلاعبه بل أن العيب فينا نحن ..

وقصة الأسلحة الفاسدة أكبر كذبة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي ...

لم يكن هناك أسلحة فاسدة أصلا ، وقد حقق في الأمر بعد الحرب مباشرة ، ولم يثبت أن الجيش المصرى حارب بأسلحة فاسدة ..

وأعيد التحقيق بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ولم يثبت وجود أي أسلحة فاسدة مع الجيش المصرى عام ١٩٤٨ ..

كان الهدف القول أن الخيانة جاءت من العرب أنفسهم ، وأن قيادتهم هى المشكلة ..

وأن الغرب برئ مما حدث للعرب بل العيب في العرب أنفسهم ..

وحتى الآن مازلت خدعة الأسلحة الفاسدة تتكرر ، ومعها يتم حرف الأنظار عن ظروف قيام إسرائيل ، وماذا ارتكبت من جرائم ، وموقف الدول الكبرى من ذلك المشروع المجنون ..

وجاءت الحرب الثانية .. حرب ١٩٥٦ .

كانت مصر تبحث عن بناء نفسها ، وتحتاج فى ذلك لكل مواردها ، وكان أهم مواردها ... قناة السويس .

وبعد رفض الغرب تمويل بناء السد العالي لتوليد كهرباء تحتاجها النهضة الصناعية التى كان يفكر فيها قادة مصر الجدد قرر جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس .. أى ارجاعها إلى الوطن الأم ...

وكان أن قررت بريطانيا وفرنسا ضرب مصر على تحدى الإرادة الغربية السامية .. وسحبوا معهما إسرائيل كمشروع غربى في قلب الشرق وتحت أمره وتصرفه ...

ومن زاوية عسكرية بحتة انهزمت مصر ..

لكن من زاوية سياسية انتصرت مصر ، وانسحبت دول العدوان الثلاثى بعد عشرة أيام من الحرب ...

كانت القضية فى أساسها بحث مصر عن بناء نفسها بعد ذل القرون الطويلة ...

لكن كثير من المصريين تبنى الرواية الغربية بالكامل .. وهو أن تهور عبد الناصر ورعونته هى سبب الحرب !!

فما الذى كان يدعوه إلى إرجاع قناة السويس بالحرب عام ١٩٥٦ وهى كانت سترجع بالسلم عام ١٩٦٨ ؟!

وبريطانيا لم تكن تنوى بالطبع إرجاع القناة لمصر عام ١٩٦٨ وكانت ستفرض على مصر تجديد عقد الامتياز ؛ فقناة بنما فى قبضة أمريكا منذ أكثر من مائة عام ، وتفرض تجديد عقدها فرضا دوريا ..

وعندما أراد نورييجا - رئيس بنما - عدم تجديد عقد القناة لأمريكا في الثمانينات اتهمته أمريكا فورا بأنه تاجر مخدرات ، وأنه حاكم ديكتاتور .. ثم قررت دخول الحرب ضد بنما ..
وفى النهاية دخلت أمريكا الحرب ضد بنما ، ثم قبضت على نورييجا وسجنته ... وقد ظل فى السجن ١٧ سنة ، ومات فيه عام ٢٠١٧ ...

المهم أنه مازال عندنا حتى اليوم من لا يتذكر من حرب ١٩٥٦ سوى تهور عبد الناصر ورعونته ودماغه الصعيدي ..

وينسى الغرب وتحكمه في الشعوب ، وعدم ترك الفرصة لتلك الشعوب لبناء نفسها على أسس جديدة ، ومحاولة تعويض ما فاتها ...

ومرة ثانية تبنينا نظرة اعداءنا للمشكلة ...

.. وجاءت الحرب الثالثة .. حرب ١٩٦٧ .

كانت مصر مستمرة بدأب وشجاعة فى بناء نفسها .. فى الصناعة والعلم والسلاح ..

فأقامت قطاع صناعى كبير ومتقدم ..
وساعدت أغلب دول أفريقيا على التحرر من الاستعمار ..
وتقدمت لبناء تجربتها فى الاستخدام السلمى للطاقة الذرية ..

واستعانت أمريكا بإسرائيل لضرب عبد الناصر وإنهاء تجربته ..
وامدت أمريكا إسرائيل بكل ما تحتاجه من سلاح حديث ومتقدم ..
وقادت أمريكا بنفسها خداع عبد الناصر وتوريطه في حرب لم يأت أوانها .. وكانت حرب ١٩٦٧ ..

كانت القصة واضحة .. تجربة رائدة في العالم الثالث استخدمت أمريكا أحد أذرعها لايقافها ..

لم تدع أمريكا مصر والعالم العربي يفهمون القضية هكذا ، بل كان لابد من تقديم أسباب أخرى تجعل سبب الهزيمة هم العرب أنفسهم !!

١ - قال الليبراليون أن سبب الهزيمة هو غياب الديموقراطية !!
٢ - وقال الإخوان المسلمين أن سبب الهزيمة هو عدم تطبيق الشريعة الإسلامية !!
٣ - وقال الماركسيون أن سبب الهزيمة هو حكم البرجوازية الصغيرة والمتوسطة في مصر ، وأن حكم البروليتاريا - أى الطبقة العاملة - كفيل بإرجاع الأمور إلى نصابها !!
٤ - وقال بعض المفكرين أن سبب الهزيمة هو ترهل مفهوم الدولة العربية الحديثة أو عدم وجودها !!
٥ - وقال بعض الشعراء أن سبب الهزيمة هو أننا لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية !!

والمعنى أنه أى شئ إلا السبب الرئيسي .. وهو إسرائيل وأمريكا ..

وكانت إسرائيل وأمريكا فى منتهى السعادة وهم يرون ذلك ، فقد كفاهم العرب أنفسهم مشقة تقديم الأسباب والذرائع ..

نسى العرب أمريكا وما تفعله بكل شعوب العالم الناهضة ، من فيتنام إلى إندونيسيا ومن البرازيل إلى كوريا ، ونسوا المشروع الإسرائيلي وما يريده ببلادهم ، وتذكروا أن المشكلة فيهم أنفسهم ، ولا يوجد لوم أصلا على غيرهم !!

ومازلت النظرة إلى حرب ١٩٦٧ هكذا فى أوساط العرب حتى اليوم ..

وتكرر نفس الشئ بعد ذلك في كل الأمور ..

حرب ١٩٧٣ أصبحت قصة الخلاف بين الشاذلى والسادات ، ومعها قصة الثغرة ، وهل معناها أن مصر لم تنتصر أم أن الحرب إنتهت بالتعادل ؟!

تبنى كامل لكل ما يريد لنا الآخرون تبنيه من القضايا ، وكل ما يريدون منا أن نراه ..

وفى الصراع الحالى فى غزة ، كان مطلب إسرائيل دائما تحويل قضية فلسطين من قضية تحرر وطنى ، يمكن أن يتفهمها العالم الى قضية صراع دينى على مدينة أو مسجد أو معبد ..

وإسرائيل فى الأصل دولة دينية ، ومن مصلحتها أن يحاربها العرب من موقف دينى ، ففى ذلك تسهيل أمور كثيرة على إسرائيل ...

فما دام المنطق الدينى هو ما يحكم طرفى النزاع ، فما المشكلة أن تجعل إسرائيل من نفسها دولة يهودية فقط لكل سكانها ، وتطرد سكانها غير اليهود أو تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثالثة ..

وكان أن عملت إسرائيل منذ السبعينات على تشجيع حركة الإخوان المسلمين في فلسطين على أن تحل محل منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين ..

وتقدمت حركة حماس .. وقدمت المطلوب منها بالضبط .. تحويل قضية فلسطين من قضية تحرر وطنى إلى قضية دينية ..
الله فيها أمام يهوه ..
ومحمد فيها أمام موشيه ( أو موسى ) ..
والقدس فيها أمام أورشليم ..
والمسجد الأقصى فيها أمام حائط المبكى ..

وأصبح العالم ينظر إلى قضية فلسطين أنها قضية خناقة بين المسلمين واليهود على مدينة ومسجد ومعبد ..

وليس لدى اعتراض أن يتقدم الاتجاه الإسلامى ليجرب حظه في قضية فلسطين ، ونرى إلى أين سيأخذنا ويأخذ قضية فلسطين معه ..

ولكن لدى إحساس أن السياسة والحرب بمعناها العلمى والحديث تاهت في ذلك الصراع ليحل محلها صراع المطلقات .. المطلق الإسلامى والمطلق اليهودى ..
وحلت العواطف والغرائز محل التخطيط والعقل ..

... أى اننا مرة خامسة - أو عاشرة - حققنا ما يريده العدو منا بالضبط ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت