- مختبر الممثل الباحث - للمسرح البديل إدارة فتحي العكّاري : مسارات تكشّف واكتشاف

يحي اليعقوبي
2023 / 11 / 12

تعد تجربة مختبر " الممثل الباحث" من أهم التجارب العملية التي اشتغلت بشكل علمي على إعادة طرح المفاهيم المتعلقة بالجسد التمثيلي وبنيته العضوية وتطبيقاتها في المسرح التونسي، ويتوجه المختبر إلى التأسيس لأنساق حية تعيد النظر في علاقة الممثل ببحثه الإنشائي داخل العملية المسرحية بوصفه الخالق/ المبدع الرئيسي للدراما و علاقة ذلك بالنظري الفكري والتقني الذي يشكل حلقة البحث عند الممثل وعلاقته بالمشاركين بالبحث في تصور جماعي للعملية الإبداعية يستأنس بمقاربات أخرى وإحالات للمرجعيات العالمية التي شكلت مبادئ فن الممثل في توليفة نظرية أشرف على تجميعها وتكوينها في وحدة بيداغوجية متكاملة تعنى بتكوين الممثل في مسارات الإنشاء المسرحي الدكتور فتحي العكاري رفقة مجموعة من المبدعين الذين ساهموا في التأسيس للمختبر كرؤية بديلة للممثل المعاصر، هذه الرؤية تنطلق من واقع الممثل الآن وهنا وفي علاقته بالمحيط وبهوية الممارسة المسرحية في تونس وواقعها الذي أصبح في حاجة ماسة للإعادة النظر في مسألة التكوين والإنتاج المسرحي من أجل ترسيخ مبادئ عملية تطبيقية من خلال مسار تدريجي في البحث عن الذات والعلامة والدلالة من خلال البرمجة العضوية التي تأسس عليها التكوين في مختبر " الممثل الباحث"، الذي قدم مجموعة من البدائل التي من شأنها أن تكون مسارات عملية للممثل في المسار الإنشائي والتي سنتعرض إليها بكل تدقيق في العناصر اللاحقة.
فإذا توجهنا في هذا البحث إلى أهم التجارب التي ثمنت القدرة التعبيرية والإنشائية الخلاقة للممثل وسعت نحو إرساء مفاهيم وتطبيقات يمكن أن تطور من فن الممثل تعطيه مسار آخر جديد فعال ومواكب لجملة المغيرات في المسرح التونسي، فإننا نجد تجربة " مختبر الممثل الباحث" كأنموذج معاصر للتجارب المختبرية والعملية التي نشأة من هاجس الرغبة في إرساء بعد آخر للابتكار والخلق المسرحي يثمن التحصيل العلمي والأكاديمي للممثل ويطرح الإشكاليات المتعلقة بالعجز عن استخلاص مخرجات النموذج الغربي لفن الممثل والعمل على تطويره وإيجاد نوع من الخصوصيات المحلية المتأتية من الظرفيات التاريخية التي تؤثر في هذا الفن وتحتم إعادة النظر والبحث الدائمة في الوسائل والآليات بغاية التجديد والتكشف الوظيفي على الجزئيات المؤسسة لفن الممثل بوصفه فن المتغير.

ولعل المختبر في دورته التأسيسية الأولى أعتمد مجمل التوليفات والبحوث النظرية التي تم استخلاصها من مسار تجريبي بحثي كامل للفاعلين في المختبر الذي تراوح بين البحث الميداني والعلمي النظري وبين الإنشاء المسرحي وخلق مادة فنية كتحصيل وتمرين تطبيقي لمخرجات المختبر التكوينية وهي مسرحية " حالة طوارئ" التي أنتجها المسرح البديل وأشرف على مسار الإنشائي فتحي العكاري* إخراجا وتوليفا للأنساق المتحصل عليها من المسار التدريبي الإنشائي رفقة الفاعلين في المختبر من ممثلين ومشرفين على البحث وهي عبارة عن خلاصة للتطبيقات التقنية والفكرية والأكاديمية التي تأسس عليها البحث في المختبر، ومنه تم لإنجاز كتاب جماعي يوثق المباحث النظرية التي شارك فيها الممثلون والخبراء من اختصاصات مختلفة - في السيسيولوجيا، وخبير الأنتروبولوجيا، طبيب أعصاب، طبيب في علم النفس التحليل ومختص في الجماليات، وهو ما يؤكد ثراء التجربة البحثية للمختبر ومدى علمية التعامل مع المفاهيم التطبيقية لفن الممثل والتي استأنست بمخرجات المدارس العالمية في التطبيقات العملية للإنشاء المسرحي على غرار مفهوم " دراماتورجيا الممثل" بوصفها نسق ديناميكي ينحدر من مسارات المسرح الأنثروبولوجي والبحث العضوية في تركيبة الجسد التمثيلي مع أوجينيو باربا.
• في مفهوم المختبر:
إذا ما تعرضنا إلى مفهوم المختبر في معناه اللغوي فهو :" إسم مفعول من: اختبر، ويختبر واختبار وفيه إحالة إلى المكان" وهو ما يحيلنا اصطلاحا إلى أن المختبر " قائم على التجربة والاختبار في المعامل والمُختبرات أي تجرى أبحاث/ تحاليل مختبريّة، وتتوفر فيه عناصر أخرى تتمثل في الأدوات والوسائل العلمية التي تساعد على القيام بالاختبارات والاكتشاف" .
وفي المجال المسرحي كان حضور مصطلح مختبر حاضرا بأشكال وعناصر مختلفة في مجمل المقاربات المعاصرة التي تأسست على التجريب المسرحي والبحث عن الوسائل والبدائل والآليات المستحدثة في الفرجة وفي تكوين الممثل، ولعل هذا ما تجلى بشكل واضح مع ستانسلافسكي في تجربة أستوديو الفن، وغروتوفسكي في مختبره الذي اعتنى بالبحث والاستحداث التقني في الممثل، وأوجينيو باربا معمله المسرحي والذي جعل التجريب يتقاطع مع مفاهيم وعناصر أخرى يتأسس عليه معمله كالأنثروبولوجيا والتشريح ودراسات سلوك البشر داخل المجموعة الثقافية التي ينتمي إليها وبالتالي فإن المختبر يجمع ما بين التجريب والتكوين والتدريب، وفي المسرح يشكل المختبر"التجمع في إطار مُغلق وخاص يأخذ فيه طابع التجريب دون أن يؤدي بالضرورة إلى عرض مسرحي" من خلال العمل المشترك ما بين الممثل وامخرج والدراماتورج وأحيانا المعد البدني والأطباء وعناصر أخرى يمكن الاستعانة بها في التدريب الذي يتوجه في المختبرات إلى البحث في البنى الحركية والفكري والسعي إلى إيجاد تقاطعات في علوم أو فنون أخرى يمكن ان يستفيد منها الممثل ويطور من خلالها قدراته، وهو ما جعل مفهوم التجريب يتجسد بشكل واضح في المختبرات المسرحية المعاصرة أين : يساهم في خلق ذهنية سريعة وقادة توسع فكر وخيال الممثل لتتوافق مع مجريات الفعل والتركيب الحركي".
ولعل مختبر الممثل الباحث إستخلص مفاهيم المختبر الواردة في المسرح المعاصر وحاول التأسيس لمختبر يعنى بالممثل المسرحي في تونس من خلال تعريفه للمختبر على انه :" المختبر من المخبر، ولكنه يختلف جذريا عنه، فالمختبر تفعيل للفعل في المكان والمختبر تثمين للمكان، أنا أتبع صيرورة إنشائية تتكشف وتعود إلى المنابع التي تتأسس وفقها العلامات في التمثيل ومنها يأتي مفهوم la dynamique inductive "
ويوضح من خلال هذا إن مختبر الممثل الباحث ينبني على عناصر أساسية تتقاطع فيها الرؤى والمباح النظرية والتطبيقية ويساهم مجموعة من الخبراء في مجالات مختلف ومن اختصاصات متنوعة ف البحث من أجل إثراء المواد البحثية للمختبر كما سنتعرض لذلك لاحقا.
1- مختبر " الممثل الباحث " : التأسيس والرهانات
لعل مختبر " الممثل الباحث " هو من أهم التجارب العملية في البحث الإنشائي في فن الممثل بفرادته وخصوصياته المختلفة التي فتحت الأفق نحو ترسيخ مفاهيم جديدة مستخلصة من مخرجات المقاربات العالمية المعاصرة في الأداء المسرحي في المسرح التونسي على اعتبار أنه مشروع استشرافي يهدف إلى إعادة الحس الإبتكاري والإبداعي لدى الممثل في نظرة تجاوزية تحيين التفكير في المسائل المتعلقة بمدى فاعلية النماذج الأدائية الموجودة في المسرح التونسي على امتداد فترات متنوعة من تاريخه وهو ما يصرح به مؤسس مختبر " الممثل الباحث" الدكتور فتحي العكاري في سياق تلاءم مشروع المختبر مع الضرورة التاريخية والآنية : " واجبنا التأسيسي يحتم علينا بعث هيكل يتماشى مع مواصفات الممثل الجامعي وطموحاته، المشروعة التاريخية للمقترح واضحة إذا، تدعمها استثنائية الظروف ورهاناته التأسيسية " وهو ما يطرح بحث تطبيقي في أسس تشكيل الفرجة المسرحية وتكوين الممثل بغاية إثراء المدونة التونسية في مجال البحوث التطبيقية في فن الممثل عن طريق إعادة النظر في الآليات والوسائل الإنشائية.
ويتأسس المختبر على جملة من الأهداف التي رسمها المؤسسون من أجل تثبيت مستخلصات البحوث النظرية والتطبيقية وتثمين نتائجها والاستفادة من الصياغة الجماعية لمراحل المشروع والتي تتمحور حول تطبيقات مسرح الطاووس وإمكانات تحقيق فرجة مسرحية أصلية نابعة من الممثل كمحور رئيسي في المسار البحثي والإنشائي التي يتراوح بين التكشف على الإمكانيات والمنابع الأساسية للطاقة التعبيرية للممثل وتثمينها وتحفيزها من أجل التمثل في فضاء اللعب ومن أجل أن تكون حقول ديناميكية لإنشاء الفعل المسرحي والبحث النظري الذي يشارك فيه الممثلون لإثراء المرجعية التقنية والأدائية والمعرفية لهذا الممثل الباحث الذي يتأسس فعله على منظمة جسدية عضوية تمثل آلية الكتابة المركزية في المسار الإنشائي للمختبر.
ولعل الأهداف التي تأسس حولها المختبر تعنى بفن الممثل والإنشائية الركحية للأثر المسرحي هي أهداف بيداغوجية تعلمية ذات أبعاد علمية تهدف إلى ترسيخ مبدأ الخلق المبني على أسس علمية ، ويصنف العكاري هذه الأهداف على اعتبار أنها أهداف جمالية وفكرية كالآتي:
 التأسيس لهيكل متطابق ومتناغم مع المواصفات الموضوعيّة الجديدة للمبدع المسرحي وللممثّل، وأهمّ ما يفرزهما من تأهيل ميداني وجامعي خاصّة.
 امتحان إمكانيّة تحقيق جماليّة مسرح الكاووس.
 اعتماد نظام الفوضى في الكتابة الركحيّة.
 الاهتمام ببيداغوجيا الخلق: مبادئ، ومناهج، ومسارات وآليات.
 تحريك الرغبة في الخلق والإبتكار وتثمين الكفاءات.
 اعتماد شعار: "مسرح شعبي للنخبة".
 اعتماد مبدأ دمقرطة المعرفة.
 العمل على إرساء التوثيق كعادة وتقليد مستقبلي في منظومة العمل المسرحي.
 تأصيل الترابط العضوي بين النقد والتفكير بالفعل والممارسة الميدانية.
 المثابرة على تحيين معنى المسرح من خلال البحث العملي ومحاورته النظريّة.
 الترويج داخل المسالك العاديّة وغيرها من الفضاءات المبتكرة والمتاحة وتطويع الفرجة لخصوصيّتها."
وتبين هذه الاهداف التوجهات العامة للمختبر الذي يعيد تثمين البحث النظري والتطبيقي كجوهر ثابت في الممارسة المسرحية بوصف هذا الفن فن المتغير، والذي من خلال هذه الطبيعة الجدلية للفن المسرحي يحيل المختبر إلى أهمية التكشف والبحث المستمر حول الآليات التي يمكن أن تطور الممثل المحلي وتكتشف عبره آليات تعبيرية جديدة صلب البحث الدائمة عن العلاقة الحية مع الجمهور. ويتأسس المختبر على مبدأ التشاركية التي تغلب على ردهات مساره بين الفاعلين الذين ينتمون إلى إختصاصات ومجالات مختلفة ومتنوعة من شأنها ان تثري هذا البحث وتساهم في تقدمه من منطلقها، الشيء الذي جعلنا نلاحظ حضور إختصاصات مختلفة في مسار المختبر والتي تنظر إلى المباحث المطروحة من منطلقها ومن زاوية نظرها بغاية بلوغ النموذج الفرجوي والأدائي المتكامل المبني على أسس علمية، وهو ما يجعل العكاري يقسم هذا التوجه في البحث على هياكل مختلفة موكول لها مهمات متنوعة تتفاعل كلها في حقل البحث والتجريب وهي
هذه الهياكل تمثل المسارات الأساسية التي إنبنى عليها مشروع " مختبر الممثل الباحث " وهي بمثابة الأطر التي يتوجه نحو البحث بماهية أطر مراقبة وتنظيم ودفع لعملية البحث وتأطير علمي لها بغاية الوصول إلى الأهداف المرجوة والتي هيا أهداف إنشائية تكوينية بامتياز، إذ إن عمل هذه الهياكل مترابط ومتكامل، فهي تشكل وحدة بيداغوجية متكاملة غير معزولة عن بعضها البعض وإنما تشكل وحدة ديناميكية تتفاعل فيما بينها خدمة للبحث وتطويرا له ولمسارات الإنشائية.
2- " الممثل الباحث" محور المنهجية الإنشائية
على اعتبار أن الممثل هو المحرك الرئيسي للعملية الإبداعية، وبوصفه كيانا حاملا للعلامة والدلالة وخزان للمؤثرات السلوكية الاجتماعية والثقافية، وعلى اعتبار انه ذات فاعلة حية تحمل في عمقها ذوات أخرى مدنية متعلقة بالمواطنة وثقافية بما يمكن أن يتجذر فيها عبر انتمائها ومهنية حرفية تتوفر على مكتسبات تقنية تعالج المسائل المتعلقة بالدراماتورجيا والفرجة المسرحية، فإن مسار المختبر هو مسار بحثي في الممثل وعلاقاته الفيزيقية والذهنية بالمجموعة التي ينتمي إليها، إذ هو كائن متعدد الخصائص والوظائف التي يمكن أن تتزاوج في طبيعته الخلاقة، وهو ما يجعل فتحي العكاري يعتبر أن هذا الممثل هو"المؤدي، المؤلف، الباحث" عبر جملة الهويات التي تتجذر فيه والتي يمكن التكشف عليها في مسار منهجية الإنشاء في المختبر والذي يبت النظر في هذه الهويات عبر إعادة طرح مفهوم المجموعة ومجمل العلاقات التي تنشأ بين الإنسان وذاته وبين الإنسان والمجموعة.
فيتأسس مسار المنهجية الإنشائية في المختبر على هذه الكتابة النابعة من عمق وعي الممثل بمجمل تلك العلاقات وما يمكن أن تفرزه من علامات أدائية ووضعيات تفاعلية عبر المعرفة العميقة والتمكن الكلي من المرجعية أو كما يذهب إلى وصفه عبد الحليم المسعودي" هذا الممثل هو فنان عليم بفنه وتقنياته وكيفية إنجازه ومتحكم بمرجعياته" وهو ما يجعل الكتابة توكل إلى الجهاز التمثيلي بمكوناته الجماعية – ممثلين باحثين، فاعلين- الذي تم الاستناد في تكريسه إلى مخرجات المسرح المعاصر الذي توجه نحو الكتابة الركحية التي " تعتمد على الممثل المبدع الذي يتمتع بوعي تشخيصي لحالته وإدماجها في عملية الخلق، وهو بدرجة أولى قيمة الخلق والإبداع مقابل الممثل المجسد الذي يستخدم التقنية ويكتفي بها كمدخل فريد للعمل الركحي " .
ويذهب العكاري إلى تقديم تعريف دقيق لهذا الممثل الباحث المرتبط بفاعلية كلية في البحث والإنشاء قادر على استيعاب المنظومة العضوية، واع بهوياته التي تمثل أساس عملية الكتابة لديه، متصل بالفعل الجماعي، متكشف على الروابط العضوية التي تربطه بالمجموعة التي تدفع عملية الإبداع عبر نوع من التلاحم الروحي والفكري والعضوي، مؤلف محترف للأنساق الدلالية على الركح التي تنبع منه كبؤرة للعلامة والدلالة والإيماءة، مواطن فاعل يعتمد البحث في مسارات الشاملة من الميدانية إلى الفكرية، يبحث في ذاته عن ذوات أخرى مختلفة غير خاضعة لقانون اليومي المعتاد، خارجة عن المألوف، يرسم الوضعيات ويؤلف بينها عبر آلياته التي يكتسبها من الخبرة الميدانية والمعرفة المسرحية العميقة ومن مسار المختبر الذي يرنو إلى ترسيخ الآليات والتقنيات التي تمكن هذا الممثل من الإبداع والخلق، في جدل دائم مع المواد الخام، وهو ما يجعل العكاري يشبه التمثيل والعمل في مسار المختبر بالنحت والصقل الذي يطال المواد عبر نوع من الوعي والمراقبة المستمرة للفعل، وفي هذا الاتجاه يقول العكاري " الممثل الباحث هو مختص متفرّغ في المسرح وفنون الفرجة، وهو ذا خبرة ميدانيّة معمّقة وتحصيل جامعي عال... ملتزم بوثيقة ضابطة لقيم أخلاقيّات المهنة... يعمل على تصوّر وإنتاج المعارف المسرحيّة الماديّة واللا ماديّة... يشتغل على الإجراءات والطرق والمناهج والأنظمة المستحدثة والمبتكرة الخاصّة بمجال اهتمامه... يساهم في اختيار المشاريع وفي حسن حوكمة تسييرها وإشعاعها... يتّصف بوعي فاعل يقتدر به على حصر المسائل العالقة والعاجلة المطروحة على المستوى الفنّي ويحدّد مشروعيّتها المدنيّة والتاريخيّة... الممثّل الباحث قادر على ترجمة تفكيره في ضبط إشكاليات عمليّة وتحديد مقاربات التطبيق والتمشي الخاص بها وتقدير نجعتها وتطويرها والجرد المسبق للوسائل والآليات الضروريّة لإنجازها وامتحانها عمليّا... كما يساهم في تطوير وتثمين الاستراتيجيات المقترحة للمسارات المتنوّعة في علاقة بالأهداف المرسومة" وبالتالي يكون عماد المسار الإنشائي هذا الممثل الباحث، الذي يساهم في مسار إنشاء الفعل المسرحي عبر ما يتوفر عليه من معرفة عميقة من أجل أن يستثمر وسائله وهوياته في البحث المتوجه نحو تشكيل مادة مسرحية متكاملة.
هذا الممثل الباحث بماهو وحدة معرفية وإنشائية متكاملة يخضع للمراحل العامة للإنشاء التي تكون وحدات ومحاور عمل متسلسل ومترابط ليكون بنية الفرجة المسرحية المرجو وفق أسس علمية متبعة ومتناوبة.
3- بنية البحث الفرجوي وأسس إنشاء المادة المسرحية
ينبني البحث الفرجوي في مختبر الباحث على أربعة مراحل أساسية يتناوب فيه عمل الممثل والمخرج المدير للعملية الإنشائية في صياغة متكاملة للعناصر المسرحية كمواد تمثيلية منتقاة من مسارات البحث، وهي مراحل تنشأ من تطبيقات المفاهيم الرئيسية للإنشاء من الارتجال إلى دراماتورجيا الممثل التي تنبع منها الكتابة الركحية النابع عن وعي الممثل أجساده وهويات وتحويلها إلى آليات كتابة فعالة وحيوية ترتبط عضويا بالبنية الفرجوية العامة التي تتشكل عبر تلاحم المجموعة الفاعلة في الإنشاء التي تتبع مسار منهجي يبدأ في مرحلة أولى " بالتراكم ، أي تراكم المعلومات عبر ما قام به الممثل من أفعال وأقوال في البحث النظري والميداني حول المادة المشتغل عليها" وهي مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة تراكم المادة وتمثلها في ذاتية الممثل وموضوعية المجموعة التي تعمل في سياق إبداعي جماعي عبر الارتجال والكتابة الركحي المتوسلة بالوسائل الجسدية للممثل على المواد المتوفرة والمتحصل عليها من البحث النظري والتطبيقي، والتي بدورها تمهد للمرحلة الثانية التي تتمحور حول " الاختيار والانتقاء، الحذف والتثبيت للمواد والتعمق فيها باعتبارها أسس الأثر" والمادة الأولى المكونة لعناصره البصرية والطاقية والحسية، ويمكن في هذه المرحلة أن يتم التخلي عن خيارات وتثبيت أخرى حسب ما يخدم التوجه العام للمسار الإنشائي الذي يتأثث بهذه المقترحات النابعة عن الممثل كعنصر محرك لكلتا المرحلتين، ومنه يتم التحول إلى المرحلة الثالثة التي يمكن عنونتها " بالمعالجة، مثلما يعالج الديكور، يعالج التمثيل، ويتم هنا ربط العناصر الأساسية للأثر ببعضها البعض" وهي مرحلة يتم فيها خلق الديناميكية بين العناصر المسرحية عبر جعلها أنساق مترابطة تخدم المعنى وتكون الخطاب بوصفها أنساق تتفاعل فيما بينها لتنشأ العرض كوحدة كبرى تتأسس على هذا التلاحم بين العناصر، ويكون الممثل كمنشأ أول للعلامة النسق الحي الرئيسي الذي يربط بين هذه المواد ويجعلها في خدمة أداءه في توليفة كبرى بينه وبين هذه العناصر البصرية، وهي عيار عن بنية عضوية تترابط فيما بينها عبر الحياة التي يهبها الممثل للفضاء وعناصره وتوظيفها خدمة للسياق الجمالي العام للعرض، أما المرحلة الرابعة وهي الأخيرة فيما تشكل المادة المسرحية في كليتها هي المرحلة التوليفية العامة التي تثبت العناصر المشتغل عليها داخل مادة يمكن أن تكون جاهزة للعرض، وفيها يتم "تهذيب المادة لترويجها وإضفاء اللمسات الأخيرة، ومنه إلى الfilage حيث يتمكن الممثلون من المادة المسرحية ككل من خلال رؤية شاملة للأثر" ويمكن لهذه المراحل أن تتداخل وتتزاوج ببعضها البعض حسب ما يطرأ في المسار الإنشائي وأثناء عمل الممثلين على المادة.
هذا البحث الفرجوي يخضع لهذه البنية الإنشائية والتي يمكن أن نطلق عليها المنهجية الإنشائية للأثر المسرحي التي إنبنى عليها العمل في مختبر الممثل الباحث، وخلال هذه المسارات الركحية يتطور عمل الممثل من خلال المكتسبات التي تنضاف إليه من خلال عمله على الإنشاء، وهي مكتسبات تتراوح بين المعرفي والتقني وهو ما يجعل مسألة التكوين مترابط جوهريا مع إنشاء المادة المسرحية، وهو ما يمكن أن يضيف نوع من المحركات المتعلقة بالمرجعيات الفكرية والأدائية التي تسهل عملية خلق النص الركحي وتمثل حافزا ماديا، حسيا وذهني للممثل في عملية الكتابة التي تنشأ من فعله الركحي المرتبط بمدى تتطور مسار الخلق الجماعي الذي تتميز به عملية مسار التمارين الموجهة، وهي " ليست عمليّة تكرار بل هي عمليّة تجريب وبحث واستكشاف، ولأنها كذلك فهي تتطوّر بالأفكار الجديدة في كلّ يوم وليس باستهلاك أفكار تجمع في الدراسة الأولى للأثر الدرامي، إنما هي عمليّة مرافقة للمسار الركحي وفي جدليّة معه" وهي تلك الجدلية التي تشمل مسار العلاقات الركحية المعرفية والحسية والتي هيا في تناوب دائم وتفاعل مع بعضها البعض.
يتوجه عمل العكاري في المنهجية الإنشائية داخل مختبر الممثل الباحث على العمل بنية إنشائية تشكيلية للأثر تتوفر على ثلاث مفاهيم رئيسية ترافق عملية الخلق وهي مفاهيم متعلقة بالتزامن، التناوب والتقاط، فأثناء العمل الركحي على عملية دراماتورجيا الممثل يمكن العمل على ثلاث خرافات في نفس الوقت يمكن أن تشملها تلك المفاهيم، وهي غير معزولة عن بعضها البحث بحيث يتحكم فيها مسار الخلق وعمل الممثل عبر الإرتجال والكتابة الجسدية النابعة من وعيه العميق بمجموعة الأجساد التي تتوفر فيه وهي أجساد يصنفها العكاري كالآتي: " الجسد المعرفي، الجسد الناطق أو المسموع، الجسد النحتي (يحكي ذاته ويبدعها كالناحت)، الجسد الكهربائي، الجسد الحسي..." هذه الأجساد هيا بمثابة المفاتيح التي تمكن الممثل من ممارسة فعله الدراماتورجي في سياق المسار الإنشائي للأثر والذي يتوجه إلى العمل على أكثر من مسار في مستوى خلق الحكاية/ الخرافة ، ويستطيع الممثل في هذا الاتجاه الوصول إلى 11 هوية في نفس الشخص تمكن من الكتابة المتنوعة والمختلفة، وتجعل الخيارات الدراماتورجية متعددة ومختلفة مما يسمح بطور المسار الإنشائي وتوفر الخيارات الأدائية واللفظية والحركية والعلاماتية التي تسهل عملية الانتقاء والتوليف، فعمل الممثل الباحث مع فتحي العكاري في المختبر ينبني على بنية للحكي والسرد والإنشاء، هذه البنية يمكن أن نعرضها عبر الرسم البياني التالي المستخلص من الحوار الذي جمعنا بالعكاري والذي يطلق على تسميتها البنية الشكلية للتخريف ومسار تطور إنشاء الأحداث الدرامية " La structure génomique de la narration " وهي بنية ثلاثية يتم العمل فيها على ثلاث خرافات مختلفة تحتوي كل منها على مجموعة من المشاهد، هذه المشاهد يمكن أن تتداخل وتتراوح بين الخرافات الثلاث في المسار البحث والعملي للممثلين الذين يتمكنون من هذه الخرافات و يعملون على دفع مسار تطورها عبر تعبيرهم الجسدي واللفظي ووسائلهم الخاصة المتمثلة في الطاقة الصوتية، والجسدي والركحية المتأسسة على الحضور، ويمثل عنصر الارتجال أهم العناصر التي تستعمل في هذا المسار للخلق وإنشاء المواد الفنية المشتغل عليها.
ولعل هذا ما جعل التوجه العام للكتابة الركحية في مختبر الممثل الباحث تتمحور حول مسار أساسي ألا وهو التمثلات الجسدية للممثل التي تساهم في صياغة الدراماتورجيا العامة للعمل بما في ذلك العناصر الحركية والبصرية، وتتقاطع هنا هذه البنية التركيبية مع دراماتورجيا اللعب التي تستأثر بمستخلصات التكنيكات التي اعتمدها أوجينيو باربا في عمله مع الممثل حول الهويات المتجذرة في الممثل، وبالتالي فإن دراماتورجيا اللعب في المختبر يسميها العكاري الأداة الأكثر فاعلية في تقسيم الجمل الحركية والانفعالات وترتيبها وفق منطق تسلسلي خطي ثلاثي ( بالعودة إلى البنية الثلاثية للتخريف) يتم توجيهه إلى عملية الخلق والتوليف مع بقية عناصر العرض المسرحي، إذا فالممثل حسب العكاري هو فرد يتلاحم فكريا وحسيا ووجدانيا مع الجوق أو المجموعة التي تتوجه إلى الكتابة الركحية عبر المواد التركيبية التقنية التي تكتسبها في المسار البحثي التكويني الذي ينطلق منه المختبر قبل الشروع ف عملية التفكيك الركحي للمواد التمثيلية الخام، وهو ما شهدناه في المسار الإنشائي للمختبر الذي توجه إلى اعتماد النظام الثلاثي التنظيمي للإنشاء المسرحي والذي نجد أن العكاري لطالما تقيد به في أغلب أعماله التي تبدأ من البحث الفكر والجسدي،هذه المراحل هي العمود الفقري الذي يتأسس عليه الإنشاء من اللحظة صفر، أي حين يصل الممثل إلى مستوى محايد جسديا وفكريا وحسيا إلى مرحلة البحث والتفكيك والتبني عبر إعادة البعد المواطني للمسرح كما يعيد لذاته حرية قول غير المقول والمسكوت عنه، وغير المتداول والمقبول، والمكبوت فيه (...) سبب وجوده هو إبراز تساؤلات حول الإنسان والعالم وهو ما يجعل العكاري يفرق بين ثلاث أنواع من الهويات التي تتوفر في الممثل المحترف والتي تكون بمثابة العناصر التي يتم التكشف عليه في المختبر كمنطلقات عملية في فن الممثل، وتتجسد هذه الهويات في هوية مدنية وهي البعد المواطني الجمعي للممثل، والهوية الثقافية وهي الامتدادات السلوكية البصرية والسمعية والحركية في الثقافة التي ينتمي إليها الممثل، والهوية الحرفية وهي مطبة النظر إلى الممثل على أنه محترف له آليات التجسيد والتشخيص الأكاديمية وبالتالي احتراف المسرح كمهنة له.
وبتالي فإن التكوين عنصر أساسي في المختبر يعتمد عناصر أكاديمية ويشرف على إدارته مجموعة من الدكاترة الذين يساهمون في خط الملامح الكبرى للمسار التكويني الذي يراوح بين النظري والتطبيقي ويتم إشراك كل الفاعلين في المختبر من ممثلين ومشرفين على الإنشاء المسرحي، يجعل الممثل في "فعل اكتشاف، وإحساس، ورؤى وفهم وإدراك لميكانيزمات، يراهن عليها ويحرّكها ليتحرّك ويفعل، أي أن يكون مؤهّلا لينتج مادّة فنيّة حسب ما يقترحه عليه المخرج المفكّر المدبّر والمخطّط للأثر ليساهم في إبداعه وتمظهره وخلقه " .
ويعتمد التكوين إضافة إلى ذلك على توليفة نظرية مستخلصة من مخرجات المناهج والمقاربات العالمية في فن الممثل على غرار المنهج السلبي في تكوين الممثل، أنثروبولوجيا المسرح،البيوميكانيكا، مسرح القسوة، وأضيف إلى ذلك مستخلص من الفيزياء ألا وهو مسرح الكاووس والذي يعرفه العكاري على أنه:" الكاووس، نظرية أتت من الفيزياء في القرن17 عندما حاول عالم فيزياء تجربة des courbes تبين التوازن في مسارات الذرة، ولكن هذه الذرات تقاطعت فجأة وتداخلت، تم تجريب الكاووس كذلك في الرياضيات وفي عديد المجالات الأخرى، ولكن عندما بحثت في إمكانية تطبيقاتها في المسرح لم أجد إحالات إلى ذلك، فبدأت بتطبيقها في المنهجية الإنشائية وهي تلك التي سميتها la structure géonomètrique de la narration والتي تحمل على ثلاثة خرافات مختلفة تتقاطع وتتزامن وتتناوب في المسار الإنشائي" . وكرس العكاري هذا المبدأ كذلك في المسار الإنشائي لمسرحية حالة طوارئ التي إنبنت وفق جمالية مسرح الكاووس وأسست لمنهجية إنشائية قائمة على هدم البنى النفسية والجسدية القافية والاجتماعية والمعرفية وإعادة تشكيلها وفق لفرجة مختلفة تتأسس على الإنسان كقيمة، فمثلت المسرحية مجموعة من اللوحات المنفصلة عن بعضها البعض دراميا ولكنها ترتبط في منبع أفكارها ألا وهو الجسد وتمثلاته العلاماتية التي تشكل الفرجة المسرحية، فالإيقاع يختلف جذريا عن العادي الطبيعي فيبدو متوترا أحيانا وتتداخل مفاهيم الاستقرار والانفراج الذي ننتظر في أغلب ردهات العرض ولكنه لا يأتي بل نتورط في الوضعيات المتنوعة والمختلفة والمنفصلة إلى حد الضياع ومن ثمة الاستدراك لبلوغ نوع من اللذة والاستمتاع بالتعبيرات الجسدية والتي تصور وقائع وأحداث مر بها الممثل في واقعه اليومي ووعي بالظرفية التاريخية المتغيرة وهو ما يجعله حاملا لطاقة خلاقة تدفع نحو التغيير والتحديث. ونلاحظ أيضا حضور جماليات الاحتفاء بالجسد والنحت الحركي المفعم بالانفعالات العميقة التي تشكل عمق الإنسان، كل ممثل له خرافته التي تتقاطع مع خرافة الآخر وبالتالي التوجه بالعملية الدراماتورجية إلى تنظيم عناصر الخرافات بصريا ولفظيا وبالتالي علاماتيا، وهو ما يبرز بشكل واضح عبر عزف الممثلين للإيقاعات الحية المتناغمة والمتناقضة أحيانا مع إيقاع الأجساد التي تبلغ ذروة تجليها الطاقي في شكل جماعي متحد إتحاد الجوق وتلاحم الحسي والفكري والوجداني يعتمد الضغط والقسوة أحيانا.
إن هذا المسار الذي أعتمده مختبر الممثل الباحث في عملية إنشاء مسرحية حالة طوارئ هو مسار يبين مواكبة النظرية المسرحية والفعل التطبيقي والجوانب التي ترتبط بالتقنيات المسرحية وجانب آخر فيه أيضا مجال انفتاح الممارسة البحثية المسرحية لكل المجالات في العلوم من الإنسانية، الاجتماعية، النفسية، الانثروبولوجية وغيرها، وهو ما يثري البحث والمسار الإنشائي في المسرح.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت