متى نستيقظ سياسيا؟

حسن أحراث
2023 / 11 / 11

نِمْنا حتى بدا نومنا موتاً، وجرت مياهٌ كثيرة تحت الجسر وفوقه، بل وفوقنا أيضا. وإبان فترة تَحلُّلنا رتّب النظام القائم أوراقه بالداخل والخارج، لدرجة أصبحنا أمامها ممزقين وتائهين، بل و"مهاجرين" نحو الهامش من خلال الجمعيات والجبهات والائتلافات..
وأخطر ما قام به النظام داخليا هو تدمير الأحزاب السياسية والنقابات، وأقصد الأحزاب والنقابات التي كانت تحافظ على بعض المسافة من حضن النظام الدافئ (رِجْلٌ هنا ورِجْلٌ هناك)، ومن بينها الأحزاب التي كانت تُصنّف أحزابا إصلاحية (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي سابقا...)؛ مستهدفا من خلال ذلك الجماهير الشعبية المضطهدة والفعل النضالي الكفاحي الذي يلامس الجوهر الطبقي للقضايا المطروحة. وذلك ما ينطبق أيضا والى حدود بعيدة على الأحزاب السياسية "الجديدة"/القديمة و"كوكتيل" من الأسماء والتيارات السياسية. وقد ساهمت هذه الأحزاب والقيادات النقابية البيروقراطية عبر سيرورة الفرز الطبقي وتناقض المصالح الطبقية في عزل، حتى لا أقول قتل نفسها؛ لأن جلها حيّ فقط بمَصْل (SERUM) النظام وتطعيمه الاصطناعي (التمويل والريع...). ففقدان الثقة من طرف الجماهير الشعبية في العمل السياسي وكذلك النقابي، وخاصة في الأحزاب والنقابات، جعلها (أي الجماهير الشعبية) في مواجهة مباشرة (رأسا) مع النظام ومع عملائه من أحزاب سياسية رجعية وقيادات نقابية وجمعوية بيروقراطية. ولم يفُتْه شراء النُّخب "المثقّفة" وصُنع الأبواق والطّبول حسب المقاس ودمج "المناضلين" خريجي الجامعة والسجن ومدرسة "اليسار" عموما، ومن بينهم "ضحايا" القمع السياسي السابقين، وخاصة منهم المعتقلين السياسيين في بوتقة التأثيث والتشويش والتضليل وتنميق الفضاءات والواجهة (الشعارات والبرامج وحفلات الإلهاء والتنويم...)، كما لم يفته فتح الهامش على مصراعيه أمام جوقة الانتهازيين الذين يبحثون عن الأضواء والنجومية بأقل الأضرار وبكثير من الإشعاع العقيم. ويُطرح هنا سؤال مُقْلق حول مدى جِدّية ومبدئية الرموز "المختبئة" في ثنايا وجيوب الجبهات والائتلافات، أو ما يسمى بالعمل الجمعوي أو المدني؟!!
لماذا هجْر العمل الحزبي، مادامت الأحزاب السياسية ممثلة بالجمعيات والجبهات والائتلافات؟!! أو بمعنى آخر لماذا اختيار أو اللجوء الى العمل أو الحضور باسم الأحزاب السياسية داخل الإطارات المذكورة وتحت سقف هذه الأخيرة؟!!
إننا، وكنقد ذاتي، نجيد الحديث عن القضية الفلسطينية وحتى البكاء من أجلها، ونقف إبان الوقفات ونسير مع المسيرات ونتقن التقاط الصور ونسجل الحضور الافتراضي. لكننا لا نُحرّك ساكنا أو نبذل جهدا عندما يتعلق الأمر بالتنظيم السياسي على الأرض، أقصد حزب الطبقة العاملة، بل نبحث عن مبررات من أجل الحفاظ على أوضاعنا "المستقرة" وأحيانا الارتماء في أحضان غير معنية أو غير مهتمة بسؤال التنظيم السياسي المزعج..
القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية وطنية، في حاجة فعلا الى نضالاتنا والى إبداعنا؛ كما أن الوقفات والمسيرات أشكال نضالية مطلوبة وكذلك الإعلام والتوثيق. لكن في غياب التنظيم السياسي الثوري وعدم الاشتغال على بنائه نخلف الموعد مع التاريخ ومع شعبنا ونساهم شئنا أم أبينا في إجهاض المَدّ النضالي وفي أحسن الأحوال متابعته بعيوننا دون إمكانية توجيهه أو تأطيره أو حتى الانخراط فيه. وأسوق مثال الدينامية النضالية للشغيلة التعليمية الرافضة للنظام المأساوي (نظام المآسي) وأشكال التضامن مع القضية الفلسطينية، وقبل ذلك بكثير الدينامية النضالية التي تواصلت بعد الانتفاضة الشعبية ليوم 20 فبراير 2011..
بدون شك، جرت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة محليا وإقليميا ودوليا، مؤثرةٌ بصورة واضحة على الصراع الطبقي ببلادنا ومنها توظيف القوى الظلامية كأيدي باطشة ومُضلّلة، وزاد من حدة ذلك تمتين ارتباط النظام بالإمبريالية والصهيونية والرجعية وتطبيقه الأمين لتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وتوسيع مجالات التطبيع مع الكيان الصهيوني على عدة مستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتتجلى بعض أوجه هيمنة النظام على أهم مداخل ومخارج الحياة السياسية رغم "الشغب" البارد والهامشي للإطارات المُسمّاة جماهيرية في تنزيله لمخططاته الطبقية وإجهازه على المكتسبات ومواصلته نهب خيرات بلادنا، وذلك بكل ثقة ودون أي اعتبار للشعارات التي يتغنى بها (الديمقراطية وحقوق الإنسان وربط المسؤولية بالمحاسبة...) واعتماده الى جانب ذلك الأساليب القمعية الشرسة في تصديه للنضالات المزعجة حقا، وفي مقدمتها تضحيات العمال والفلاحين والمعطلين والطلبة وشغيلة العديد من القطاعات الاجتماعية.
متى "نستيقظ" لنساهم في تغذية نضالات بنات وأبناء شعبنا (تنظيما وتأطيرا)، وخاصة العمال وخلط أوراق النظام؟
إنه سؤال من قِمَطر "تفسير الواضحات من المُفضحات"..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت