نظرة على الأمس .. في ضوء ما يجرى اليوم .

أحمد فاروق عباس
2023 / 11 / 10

رويدا رويدا بدأ يتكشف سبب ومعنى ما حدث لمصر خلال الشهور الماضية ، وهو شيء يمكن القول باطمئنان أنه غير طبيعي ..
لقد تعرضت مصر خلال السنة الماضية إلى حروب من كل الأنواع .. حروب سياسية ، وحروب اعلامية ، وحروب على مستوى الوعى ، وكانت أقسى الحروب وأخطرها الحروب اقتصادية ..

لقد كان غرض كل تلك الحروب أن تصل مصر إلى اللحظة الراهنة وهى في أسوأ حالاتها .. بلدا ممزقا ، يعيش صراعات لا تنتهى ، ويجد صعوبة في توفير لقمة الخبز لأبنائه ...

وكانت اللحظة التي عملوا أن تصل مصر إليها وهى في أسوأ حالاتها هي اللحظة التي سوف ترسم فيها الخرائط في الشرق الأوسط من جديد ..

أن تتحمل مصر النصيب الأكبر من عبء تصفية القضية الفلسطينية ، وأن تتنازل مصر عن جزء غالى من أرضها ليقيم عليه الفلسطينيين دولتهم ، وتنتهى بذلك قضية شغلت الدنيا أكثر من قرن من الزمان ..

وكان يجب أن تأتي تلك اللحظة ومصر في حالة من الضعف لا تستطيع بموجبها أن ترفع صوتها اعتراضا .. ولو حتى بالتلميح ..

ونلقى نظرة على ما حدث لمصر خلال السنة الماضية كلها ، لنرى في ضوئها ونفهم لماذا يحدث الآن ما يحدث ، وبهذه اللهفة وهذه العصبية ..

هى نظرة على الامس نفهم في ضوئها ما يجرى الآن أمام أعيننا ..

فقد كانت الحروب تتري على مصر ولا تترك لها فرصة للتنفس ..

١ - حرب على الجنيه المصري لانهيار قيمته ، كانت مصر قد خرجت من أزمة فيروس كورونا - اقتصاديا - سليمة ، إلا من بعض المتاعب الوقتية ، ثم بدأت حرب روسيا وأوكرانيا لتضع على مصر وعملتها أعباء جديدة ، فأسعار كل السلع التي تستوردها مصر زادت أسعارها بصورة كبيرة ، وكانت الضربة الثالثة رفع بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة كل ثلاثة شهور ، وهو ما عمل فورا على هجرة رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة فورا ، وبالنسبة لمصر قدر ما خرج منها خلال العام الماضي ما بين ٥٠ - ٦٠ مليار دولار ..

وكانت الضربة الرابعة التلاعب بأموال المصريين العاملين في الخارج - وتقدر قيمة أموالهم بنحو ٣٢ مليار دولار -ومحاولة اغرائهم بعدم تحويلها إلى مصر ، ونجحت المحاولة جزئيا ، وانخفض بالفعل رقم تحويلات المصريين في الخارج ..
وزاد الأمر سوءا أن أباطرة السوق الداخلية وجدوا فرصة عمرهم لكى يكسبوا الملايين بلا مجهود ، وبضربة حظ واحدة ..

وكانت نتيجة كل ذلك أن بدأت في مصر موجة تضخم ارتفعت في ظلها الأسعار بصورة مبالغا فيها ، صانعة ضغطا على معيشة الناس وعلى صانع القرار ..

٢ - الحرب على الجيش وعقيدته واقتصاده ..

منذ أكثر من عشرين سنة - السنوات العشر الأخيرة من عصر مبارك وحتى اليوم - والجيش المصري في مرمى نيران الغرب ورجاله في مصر والمنطقة العربية ..

كان المطلب الأول هو تخفيض عدد الجيش وسلاحه ، وتحويل عقيدة الجيش المصري ليصبح - فقط - جيشا يحارب الإرهاب ، وليس الجيش الوطني للدولة المصرية ، وفى القلب من تفاعلاتها ، وعليه عبء حفظ أمنها واستقرارها ..

وكان المطلب الثاني هو إثارة الغبار حول مساهمة الجيش المصري في التنمية الاقتصادية في مصر ، وجرى الحديث انهارا حول الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري ، على الرغم من أن الرئيس السيسي أعلن أكثر من مرة أن حجم تدخل الجيش في الاقتصاد المصري يتراوح بين ٣ - ٥ % من الحجم الإجمالي للاقتصاد المصري ..

وعلى الرغم من أن مساهمات الجيش الاقتصادية تأتى كلها من منطق تنموي كأحد اجهزة ومؤسسات الدولة المصرية ..
وعلى الرغم من أن علاقة الجيوش بالاقتصاد مبدأ مقرر في اغلب جيوش العالم ، من الجيش الأمريكي إلى الجيش الصيني ، ومن الجيش الاندونيسي إلى الجيش الإسرائيلي ..

وفوائض أموال الجيش المصري واستثماراته هي ما ينفق منها على الانفاق العسكري للجيش - ومنها سلاحه - في وقت وصلت فيه أرقام الإنفاق العسكري لدول العالم إلى أرقام فلكية ، وفى وقت وصلت فيه أرقام الإنفاق العسكري الأمريكي - مثلا - إلى قرب ٨٠٠ مليار دولار سنويا !!

كان الهدف من استهداف الجيش المصري هو بالضبط أن تأتى أيام مثل تلك التي نعيشها الآن ولا يجد المصريون حولهم جيشا يصد عنهم عوادي الزمن وتقلباته ، في الداخل أو الخارج ..

٣ - وأثناء ذلك كله كان الضغط على الاقتصاد المصري - المدني والعسكري - يجرى على قدم وساق ، وقدمت إلى مصر أكثر من مرة مطالبات بالتخلص من كل ما تمتلكه الدولة المصرية من مؤسسات إنتاجية أو خدمية ..

كان الطلب قديما ، يرجع إلى أيام الرئيس حسنى مبارك ، وتخلصت الدولة المصرية بالفعل مما يمكن الاستغناء عنه بدون ضرر كبير ، ووصل الأمر إلى الموانئ والمطارات والسكك الحديدية وصناعات استراتيجية من المستحيل بيعها والاستغناء عنها ..
ورفضت مصر .. وتكررت المطالب مع الرئيس السيسي ، ورفضت مصر مرة ثانية بإصرار ..

وكان الهدف تجريد الدولة المصرية من كل مقومات بقاءها وصمودها في وجه ما يراد بها ، وترك شعبها مع قطاع خاص لا يشبع نهمه ، ولا ينتهى سعيه وراء الربح ، بغض النظر عن أي قيمة أو مبدأ ..

وكان الغرض - مرة أخرى - أن تصبح الدولة بلا ذراع إنتاجي وخدمي يحميها عندما تجد ظروف - مثل اليوم – تواجه فيها مصر اوضاعا في منتهي الصعوبة .. ويصبح فيه اصطناع فتنة بين الدولة وشعبها مطلب قوى عظمى وقوى إقليمية لها مطالبها الغريبة ، وفى يدها خرائطها الجديدة ...

٤ - لم يكن الاقتصاد أو الجيش وحده ميدان معارك الأمس التي ظهرت مراميها واهدافها واضحة جلية اليوم ..

فمن كان يتابع الساحة المصرية خلال العام الماضي سوف يلاحظ متغيرا مستجدا يمكن ملاحظته بسهولة ، وهو الحرب الإعلامية الرهيبة على الرئيس السيسي ، واتهامه بتهم الدنيا والآخرة ...

كانت حرب تنظيم الإخوان على الرئيس السيسي من الأشياء المسلم بها ولم يكن فيها جديد .. مجموعات متكررة من الأكاذيب ، ومجموعات أخرى من الخزعبلات التي تجد هوى عند أبناء ذلك التنظيم ، واغلبهم من ضعاف العقول ..

كان الإخوان تنظيما تجاوزته الأحداث ، وأصبح بالنسبة لمصر جزءا من ماضي بغيض لا يريد أحد تذكره ..

لكن المتغير الجديد كان دخول أطراف أخرى ساحة الحرب الإعلامية ضد الرئيس السيسي ، بعض ممن كانت لهم مطالب وتطلعات لم تلبى ، وآخرون كانوا يطلبون منفعة لم تتحقق ..
واستمرت الحرب الإعلامية شهورا متصلة ولم تترك شيئا لم تستغله ..

وكانت هناك أطراف تريد لتلك الحرب أن تستمر مستعرة ، وفى ظنها ان التأثير في هيبة رئيس الدولة المصرية وشعبيته مطلوب بشدة ، انتظارا لظروف - نعيشها الآن - سوف يصل الضغط على الرئيس السيسي وعلى الدولة المصرية معه إلى حدود غير متصورة ، والى مطالب غير معقولة ..

وكان الظن أن تلك الحملة سوف تخصم من رصيد الرئيس السيسي لدى المصريين ، وبالتالي سوف يلين موقفه عندما يأتي أوان الضغط الدولي ، وأوان المطالب غير المعقولة ..

٥ - وإلى جانب الحرب الإعلامية على الرئيس كانت الحملات الدعائية تحت لافتة حقوق الإنسان مستمرة على مصر من سنين ، تقول أن مصر لا تراعى حقوق الإنسان وانها تحبس فلان وتعتقل علان ، ويأخذ الإعلام الغربي تلك الادعاءات ويعيد ويزيد فيها خالقا لمصر صورة ذهنية في العالم بأنها دولة مستبدة ..

٦ - وفى الأسبوعين الأخيرين - وقبل الحرب على غزة - زادت جرعة استهداف مصر بصورة ملحوظة ..
أ - ظهرت فجأة تقارير من منظمات اقتصادية دولية تعمل تحت سيطرة الغرب ونفوذه تخفض من تصنيف مصر الائتماني ، ورسالتها المبطنة أنه لن يأتي أحد من المستثمرين الدوليين اليكم إلا اذا سمعتم الكلام ..

ب - تصريحات من رؤساء ومديري منظمات اقتصادية دولية كبرى تهاجم الاقتصاد المصري وتطلب كذا وكذا لكى تنول مصر الرضا ..

وكانت المشكلة أن مصر لو فعلت لهم كذا وكذا - أي لو حققت لهم طلباتهم - فستجد نفسها حينئذ في مشكلة اقتصادية كبرى ..

ج - وكان الضغط لا يطاق على مصر لكى تخفض من قيمة عملتها - للمرة الثالثة أو الرابعة - بعدما أعلن الرئيس السيسي من شهور أن تخفيضا آخر لقيمة الجنيه المصري لن يتم وأن ذلك أمن قومي للبلاد ..

وكان الغرض أن تأتى أيام مثل تلك التي نعيشها الآن وقيمة الجنيه المصري قد وصلت إلى الحضيض ، وارتفع معها التضخم إلى أرقام فلكية ، أخذه استقرار مصر وأمان شعبها إلى فوضى كان الجميع ينتظرها ويتمناها ..

ويتحقق بذلك لهم - بدون تعب أو مجهود - كل ما يريدونه بمصر ، وما يضعون لها من خطط وترتيبات ..

د - وأخرجت من الإدراج خطة ساذجة تقول أن مصر قامت برشوة رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي ، وأن مصر - كما اتهموا روسيا سابقا - تتلاعب بالنظام السياسي الأمريكي ، وكل ذلك في سياق حملة لشيطنة مصر في الداخل الأمريكي ، حتى لا يتعاطف - عندما تأتى ظروف توضع فيها مصر أمام خيارات صعبة - معها أحد ..

... كانت تلك كلها ملامح من قصة الأمس ، التي كشف الحاضر أبعادها الحقيقية واهدافها الخفية ..

وسوف يخيب مسعاهم اليوم .. كما خاب مسعاهم وترتيبهم بالأمس ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت