العواصف تسقط الأوراق الميتة عن الشجر

منى نوال حلمى
2023 / 11 / 8

أشعر بالعار من العالم ، عندما أدرك أن " الفقر " مازال يعربد فى مناطق كثيرة ، بل ازداد فى بعض المجتمعات البائسة . بينما البذخ ينفق على كماليات وانتاج الأسلحة لاعلاء قيمة سفك الدماء ، وعلى تكثيف بناء دور العبادة ، على مستحضرات التجميل ، وعلى المنشطات الجنسية ، والدجل والشعوذة وطرد الجن والعفاريت ، والحفلات والأفراح والجواهر والأزياء ، التى تبعثر الفلوس بشكل يثير الشفقة ، لا يدل الا على التعاسة ، وفقدان التوازن ، وهشاشة وتفاهة النظر الى الحياة .
جرائم البشر فى السِلم ، أكثر بشاعة من جرائمهم ، فى الحروب المعلنة والخفية . ماذا نسمى قتل الفتيات والنساء ، على أيدى ذكور الأسرة ، لفقدهن غشاء البكارة ، رمز الشرف فى الأسرة الأبوية ؟؟.
أشعر بالأسى ، لأن هناك على كوكب الأرض ، بلاد لا تجعل يوم يمر ، دون أن تحسن نوعية الحياة لشعوبها ، من تعليم وصحة وثقافة وفن وحريات عامة وحريات شخصية وقوانين ملزمة للجميع ، دون أى أساس عنصرى . بينما نحن فى بلادنا العربية الاسلامية ، مازلنا نكافح من أجل " بديهيات " ، عطلت مسيرتنا الحضارية الانسانية ، وجعلت الغالبية ونحن فى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ، مازالت تفكر بأسلوب العصور الوسطى .
وعندما أتأمل هذه الفجوة الشاسعة بيننا ، وبين البلاد الأخرى ، أجد أن أحد الأسباب الرئيسية هى " تمجيد ثقافة الماضى " بكل عاداته وأعرافه وتقاليده ، والتى أغلبها ثقافة موت وليست ثقافة حياة ، ثقافة تغييب وليست ثقافة وعى ،
ثقافة استعراض الشكليات وليست ثقافة الزهو بالجوهر ، بدلا من ازالة التراب المتراكم تحت السجاجيد والتعرض للشمس والهواء النقى ، نبقى الأشياء على ما هى عليه ، ونستنشق هواء مستهلكا منذ قرون .
نحن لا يهمنا منفعة الناس ومصلحتهم وسعادتهم ورقيهم ن بقدر ما يهمنا الحفاظ على ما ورثناه من عادات وتقاليد وأعراف منذ مئات السنوات .
بلادنا أسيرة العادات والتقاليد والأعراف ، ولا تريد التحرر والانعتاق .
والأكثر خطورة ، القول بأن هذه العادات والتقاليد والأعراف ، هى " مقدسات " ، لا يمكن المساس بها . وتغييرها أو التفريط فيها ، هو خيانة للوطن ، وافساد للمجتمع ، وابتعاد عن الله ، وكفر بتعاليم الدين ، وتشبه بالغرب الكافر المنحل ، ومسح للهوية نعتبرها " هوية الوطن " و " خصوصية المجتمع ".
اتهامات معلبة جاهزة موروثة ، مثل العادات والتقاليد والأعراف ، لا دليل حى أو ميت على صحتها ، وعقلانيتها .
بل على العكس ، فالأدلة المادية الملموسة ، تثبت أننا مازلنا فى دوامة
استهلاك عادات ، وتقاليد ، وأعراف الموتى . وما نشهده بشكل متكرر من
من ردة ثقافية ، ونكسة حضارية ، وتأخر فكرى ، وتعصبات دينية طائفية ومذهبية ، وتضخمات ذكورية ، هى النتاج المباشر للجمود ، وعدم التفاعل الصحى السوى مع متغيرات الحياة ، والتشبث بالروح والدم بأزمنة ، انتهت صلاحيتها .
بعض الناس يتكلمون ليل نهار ، عن " تغيير العالم " ، وهم عاجزون عن تغيير ملاءات الأسرة التى ينامون عليها . وهناك البعض الذين ينتظرون اللحظة المناسبة للتغيير ، ولا يدركون أن القضية ، أن نصنع نحن اللحظة المناسبة . فالتغيير لا ينزل من السماء ، ولا يحدث بالمصادفة ، وهو ليس منحة من أحد . التغيير " ارادة واختيار " . وهناك البعض ، وأعتقد أنهم الغالبية ، يرحبون بالتغيير . لكنهم يشترطون أن التغيير لا يجب أن يمس العادات والتقاليد والأعراف الموروثة .
أنا لا أفهم ، كيف نتغير ، دون المساس بالعادات والتقاليد والأعراف ؟.
ماذا سنغير اذن ، اذا كنا سنبقى على العادات والتقاليد والأعراف ، التى وُلدنا ووجدناها تتحكم فى حاضرنا ومستقبلنا ؟؟.
العادات والتقاليد والأعراف، هى التى " تشكل " الحياة ، بكل تفاصيلها ، وفى جميع مجالاتها ، وهى التى تعكس أفكارنا ، ومعتقداتنا ، وعواطفنا ،
وأخلاقنا ، وتحيزاتنا الوجدانية . وهى التى تنتج بالتالى ، الأحكام ، والادانات ، والعنصريات ، والتعصبات ، والتحالفات السامة التى تعطل تقدمنا الحضارى . ان الرقي الحضاري ، أو النهضة الفكرية ، والثقافية ، التى تحررنا من هذه التحالفات ، هو بالتحديد الخروج من سجن العادات والتقاليد والأعراف ، التي ورثناها من الموتى ، و التى نمنحها " القدسية " ، و " الثبات " ، ونعطيها حق اعتقال هويتنا فى قوالب حديدية ، تتستر وراء الفضيلة ، والتدين .
العادات والتقاليد والأعراف الموروثة ، ليست مقدسة ، وليست ثابتة . والدليل على ذلك ، أن البشر على مر العصور ، قد قاموا فعلا ، بتغيير عاداتهم ، وتقاليدهم ، وأعرافهم .
هناك الذين يتاجرون بالأديان والوطنية والشرف ، وهناك منْ يتاجر بالعادات والتقاليد والأعراف ، فهى بضاعة مربحة ، تريح الكثيرين ، العاجزين المحبطين .
ان " الخوف " أشرس أعداء البشر وأخبثهم . والاستسلام له معناه الشلل الكامل . فلا حياة مع الخوف . الخوف من التغيير اذن ، تحت أى مُسمى ، أمر طبيعى ، ومفهوم . فالتغيير ينطوى على " مخاطر " مجهولة . لكننا لا يجب أن نخاف التغيير . فالتغيير هو الحياة . ومهما كانت مخاطره ، فهو أفضل من الجمود . نخاف العواصف ، رغم أنها تسقط الأوراق الميتة عن الشجر . وفى رحلة الصعود ، يكون السقوط واردا . لكنه ليس نهاية المطاف . فالرحلة بدأت . والبداية دائما هى الجزء الأصعب .
نرفض تحكم الأحياء في مصير الأحياء ، كيف إذن نقبل تحكم الموتى في مصير الأحياء ؟. كيف لمنْ يرقد تحت التراب ، أن يكسر أجنحة منْ يريد التحليق ؟؟.
لقد علمتنا الفلسفة ، أنه لا شئ " ثابت " ، الا " التغير " المستمر ، وان لم نشعر به . قال الفيلسوف اليونانى هيرقليطس ، أن التغير هو الجوهر الأساسى فى الكون ، وعبر عن ذلك قائلا : " أنت لا تنزل فى النهر الواحد مرتين .. فى المرة الثانية أنت لست أنت ، والنهر ليس هو النهر ".
ان أكثر الناس حباً لأوطانهم ، هم الذين يغيرون .. هم الرواد والرائدات .
التغيير ، دون المساس بالعادات والتقاليد والأعراف الموروثة ، أشبه بمنْ يريد النزول الى البحر دون أن يبتل ، أو بمنْ يريد صحة جسده ، مع الابقاء على بيئته الممتلئة بالأمراض .

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا