شيكات عربية بدون رصيد

عادل صوما
2023 / 10 / 25

لم تتغير عشوائية السياسة العربية منذ موجة انقلابات التحرر من الاستعمار حتى اليوم. الضبابية نفسها والتكاذب بين الرؤساء والكذب على الشعوب والمطالب المستحيلة وتجييش النفوس دينياً. لم يتغير أي شيء، لكنه أصبح شراسة وخداعاً مع تقدم التقنية.
إرضاءً للشارع
في زمن المراسلات البريدية عبر السفارات بين الرؤساء، تلقى الرئيس كنيدي رسالة من عبد الناصر قال له فيها انه (كنيدي) يجب ألاّ يصغي لما يقوله الرؤساء العرب عن إسرائيل، فما يقولوه إرضاء للشارع العربي فقط، لكن الرؤساء على قناعة بالتفاوض مع إسرائيل للوصول إلى حل. شيك بدون رصيد أصدره عبد الناصر وجميع الإنقلابيين.
ورغم ذلك عُرف عن عبد الناصر شعاره "إلقاء إسرائيل في البحر" وتسمية إسرائيل بالكيان المغتصِب، وخاض الرئيس المصري حرباً ضد إسرائيل سنة 1967 رغم تأكيد البعثة العسكرية المصرية التي ذهبت إلى سورية بعدم وجود حشود إسرائيلية أمام الجولان، ما يعني أن الأمر كان ضبابية سورية لسبب ما، وفسر فقهاء سطان مصر هزيمته بوجوب دخول اليهود إلى بيت المقدس حتى تقوم القيامة. هكذا خدروا الشارع العربي دينياً فتقبل تفسير الهزيمة الإلهية واستبشر بقرب الساعة!
وقّع ياسر عرفات على "إتفاق أوسلوا" وصافح رابين، ولاحقاً في مسجد في دولة جنوب أفريقيا كرر عرفات شعارات تحرير القدس وفلسطين من النهر إلى البحر. شيك آخر بدون رصيد، طبقاً للمعاهدات والمواثيق الدولية التي وقعها هو شخصياً.
الملك حسين بن طلال من مؤيدي هذه الشعارات أيضا، لكنه اتصل برئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مايير قبيل حرب أكتوبر وأكد لها وحذرها من حرب وشيكة قادمة.
الصراع ديني
كانت "حركة حماس" أوضح جهة بين الناطقين بالعربية، لجهة تصنيف الصراع مع إسرائيل علانية بأنه ديني، لا سياسي أو تاريخي أو عسكري أو حتى قانوني، ونصّت المادة الحادية عشر من ميثاقها على:"تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية، لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على الأجيال الإسلامية إلى يوم القيامة.
هذا حكمها في الشريعة الإسلامية، ومثلها في ذلك مثل كل أرض فتحها المسلمون عنوة، حيث وقفها المسلمون زمن الفتح على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة.
وكان ذلك أن قادة الجيوش الإسلامية، بعد أن تم لهم فتح الشام والعراق قد أرسلوا لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب يستشيرونه بشأن الأرض المفتوحة، هل يقسمونها على الجند، أم يبقونها لأصحابها، أم ماذا؟ وبعد مشاورات ومداولات بين خليفة المسلمين عمر بن الخطاب وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، استقر قرارهم أن تبقى الأرض بأيدي أصحابها ينتفعون بها وبخيراتها، أمّا رقبة الأرض، أمّا نفس الأرض فوقف على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، وامتلاك أصحابها امتلاك منفعة فقط، وهذا الوقف باقٍ ما بقيت السماوات والأرض، وأي تصرف مخالف لشريعة الإسلام هذه بالنسبة لفلسطين، فهو تصرفٌ باطل مردود على أصحابه."
الواقع والأوهام
هكذا تخطت العقلية الإسلامية الحمساوية سنة 1988 القرآن نفسه الذي ورد فيه أن الله طلب من اليهود التوجه إلى الأرض المقدسة بدون إبطاء (المائدة 20 و21 ، سورة الشعراء 70 إلى 73) وغيرها من نصوص، ولم ينص صراحة على جعلها وقفاً للمسلمين بعد غزوها، وما فعله عمر بن الخطاب الخليفة كان قرارا سياسياً يناسب مفردات وعقلية عصره ووضع جيشه المنتصر، وساعدت موازين القوى وهزيمة أكبر إمبراطورية مسيحية على بقاء الوضع كما هو عليه، ولا تسطيع "حماس" تطبيق سياسة خليفة المسلمين اليوم لأن المسلمين كافة والفلسطينيين خاصة أضعف عسكريا، وتطبيق سياسة بن الخطاب اليوم، ليست دعوة لإحياء القضية الفلسطينية لكنها دعوة لهدم غزة فوق رؤوس أهلها، وتوريط الدول في مشكلة أكبر، فقضايا الشعوب في أيام الضعف يُتفاوض عليها سياسياً. (الدنيا يوم لك ويوم عليك. كما قال بن الخطاب)
ارتبط مصطلح فلسطين بهذه المنطقة، التي تشمل ما أُطلق عليه الأردن، وهي المملكة التي رسمها تشرشل سنة 1920 خلال ساعة في فندق بالقاهرة كجائزة ترضية لجهود الشريف حسين، لكن الأردن تاريخياً جزء من فلسطين، وتم تغيير هذه المنطقة الجغرافية التي تم تسميتها بهذا الاسم طبقاً للوضع السياسي لها على مدار ثلاث آلاف سنة، كما عُرفت هذه المنطقة بالأراضي المقدسة أيضا، واستوطنها منذ الغزو الإسلامي المسلمون مع المسيحيين، وسمح عمر بن الخطاب بعودة اليهود للعيش فيها لأنه كان يعرف ما ورد في القرآن بدون الحاجة إلى تفاسير.
ظروف جديدة
تغيرت الظروف وموازين القوى، وعاد اليهود بالقوة بعد شتات منذ سنة 70 إلى الأرض التي وعدهم بها الله، وبادرت القيادات الإسرائيلية إلى إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو/أيار سنة 1948 بُعيد انسحاب الانتداب البريطاني، ودعت يهود الشتات للعودة إلى "الوطن"، مطالبة إياهم بدعم الدولة الوليدة التي سارعت الولايات المتحدة وقبلها الاتحاد السوڤياتي إلى الاعتراف بها بعد دقائق من إعلانها.
انسحبت بريطانيا من فلسطين يوم 14 مايو/أيار 1948، وأعلن ديڤيد بن غوريون في اليوم نفسه قيام الدولة الإسرائيلية وعودة الشعب اليهودي إلى ما نص عليه بيان قيام الدولة اليهودية:
"أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي، هنا تكونت شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وهنا أقام دولة للمرة الأولى، وخلق قيماً حضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد.
بعد أن نُفي عنوة من بلاده حافظ الشعب على إيمانه بها طيلة مدة شتاته، ولم يكف عن الصلاة أو يفقد الأمل بعودته إليها واستعادة حريته السياسية فيها.
سعى اليهود جيلا تلو جيل مدفوعين بهذه العلاقة التاريخية والتقليدية إلى إعادة ترسيخ أقدامهم في وطنهم القديم، وعادت جماهير منهم خلال عقود السنوات الأخيرة. جاؤوا إليها روادا ومدافعين، فجعلوا الصحارى تتفتح وأحيوا اللغة العبرية وبنوا المدن والقرى، وأوجدوا مجتمعاً نامياً يسيطر على اقتصاده الخاص وثقافته. مجتمع يحب السلام لكنه يعرف كيف يدافع عن نفسه، وقد جلب نعمة التقدم إلى جميع سكان البلاد وهو يطمح إلى تأسيس أمة مستقلة."
مفردات العصر
تم وفقاً لموازين القوى والحروب العربية الفاشلة ضد إسرائيل وتوقيع معاهدات سلام بين دول عربية وإسرائيل، إعلان استقلال فلسطين عن إسرائيل بواسطة "المجلس الوطني الفلسطيني" في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، وتم الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين من قبل الأمم المتحدة كدولة عضو مراقب في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، كما تم الاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة مستقلة من 134 دولة سنة 2014.
ماذا فعلت حماس؟ ما فعلته "حماس" في تشرين الأول /أكتوبر 2023 يطابق تماماً ما ورد في ميثاقها، ولا يناسب مفردات العصر السياسية وموازين القوى اليوم.
لا صراعات أبدية سوى من منظور "حماس"، وهذا الصراع الديني الأبدي يبدو وكأنه يُوظف من أجل أجندات دول اقليمية تتخذ من قضية فلسطين شعارا لتحكم وتتجاوز مشاكلها الداخلية، تماما مثل كل الانقلابات العربية التي استمدت شرعيتها من الوعد بتحرير فلسطين.
في مفردات سياسة عصرنا لا حرب أبدية، بل هناك حرب من أجل تحقيق هدف محدد، قد يكون الجلوس على طاولة المفاوضات من مركز أكثر قوة. فهل ما فعلته "حماس" يندرج تحت أي من مفردات العصر العسكرية والسياسية؟ الجواب لا. هل ستكون "حماس أقوى أو ستحرر فلسطين من النهر للبحر؟ كل الوقائع تقول عكس هذا. هل "حماس" لها خطة بعد ضربة السابع من أكتوبر؟ هدم غزة فوق رؤوس أهلها وطلب الغوث ولوم الدول واتهام العرب بالتقاعس.
قدمت "حماس"شيك بدون رصيد يشبه شيكات النظم العربية لتحرير فلسطين، والشيك الوحيد صاحب الرصيد حتى اليوم قدمه الرئيس السادات، الذي نصح الفلسطينيين بالجلوس والتفاوض سنة 1977 لأن التفاوض سيتم على أراض خالية، وبعد سنوات ستكون عليها مستعمرات يستحيل أن يتخلى اليهود عنها.
منتصف الطريق
قال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت "الحرب قد تستغرق شهراً أو شهرين لكن في نهايتها لن يكون هناك حماس"، ما يعني أن إسرائيل بدأت تفكر بعقلية "حماس" نفسها، وهي انهاء العدو وعدم التعايش أو التفاوض معه.
قبيل دخول الجيش الإسرائيلي غزة، سعت مصر من خلال دعوتها لقمة القاهرة، إلى بناء توافق دولى عابر للثقافات والأجناس والأديان والمواقف السياسية. توافق محوره قيم الإنسانية وضميرها الجمعي. وهي صياغة غريبة فقد خاض فقهاء السلطان والسيسي نفسه سجالات كلامية منذ أكثر من سنة حول أيهما أفضل للبشر هل القيم الدينية أو القيم الإنسانية؟!
طالب مؤتمر القاهرة باحترام قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني، ووصول المساعدات إلى غزة، وتطلعت مصر إلى أن يطلق المشاركون نداءً عالمياً للسلام يتوافقون فيه على أهمية إعادة تقييم نمط التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية على مدار العقود الماضية.
هل تناست مصر خطوة رئيسها السادات الجبارة التي كان من نتائجها الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين من الأمم المتحدة كدولة عضو مراقب في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، كما تم الاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة مستقلة من 134 دولة سنة 2014. ولماذا لم تذكّر القاهرة "حماس" بنمط التعاون الدولي ومفردات السياسة في عصرنا، عوضاً عن ميثاقها الذي لا يمت للعصر بأية صلة، ولن يؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة علي حدود حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
البيان الختامي
ورد في بيان مؤتمر القاهرة للسلام الختامي "إن المشهد الدولى عبر العقود الماضية كشف عن قصور جسيم فى إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطيني، لكونه سعى لإدارة الصراع، وليس إنهائه بشكل دائم". شيك آخر بدون رصيد، لأن المشهد الدولي لا يستطيع حل مشكلة يختلف الفلسطينيون أنفسهم على طريقة حلها، ناهيك عن تنظيرات الناطقين بالعربية.
المشاركون من خارج الدول الناطقة بالعربية لم يريدوا قبل بدء مؤتمر السلام في القاهرة صدور أي بيانات أو ادانات، أرادوا هدنة لدخول مساعدات، وهي دلالة لها مغزاها، فهل يعتبر الغرب أن إسرائيل تحارب منظمة إرهابية تُموّل من إيران ولا تحارب السلطة الفلسطينية؟ أم أن إسرائيل مثلهم تخوض حرباً ضد الإرهاب؟
هل يمكن حل مسألة فلسطين في المستقبل بعيدا عن التجييش الديني الذي دعا إليه خالد مشعل وقادة "حماس" ووفقاً للاتفاقات الدولية التي تمت حتى اليوم؟
نداء مشاركة كل المسلمين في الجهاد التي أطلقها قادة "حماس" شيك آخر بدون رصيد. عملياً وواقعياً، كيف سيذهب صاحب الغيرة الدينية إلى غزة في هذه المعمعة بعد ترك عمله وأسرته ومن الذي سيستقبله؟
قادة "حماس" أنفسهم قالوا أن ما حدث يوم 7 أكتوبر كان بدون علمهم ولم يعرفوا به! القيادة العسكرية تصرفت بدون علم القيادة السياسية كما يبدو من إنكارهم الأولي، فهل تصرّف القادة العسكريون بدون علم القادة السياسيين الذين يديرون أعمالهم الخاصة بين قطر وتركيا، وغير موجودين في غزة أو حتى على أراضي الجمهورية الإسلامية في لبنان.
كيف سيتغير الشرق الأوسط كما قال نتنياهو؟ هل سيكون الحال أسوأ كما حدث في لبنان بعد "حرب تموز" الشهيرة؟ لم ينته "حزب الله" كما قال الإسرائيليون قبل المعركة ولم يتحرر لبنان من قوة غريبة تسيطر عليه، بل تعملق الحزب أكثر وأصبح أقوى تسلحاً وأخطر على إسرائيل، وأصبح لبنان دولة فاشلة عملتها تساوي 0.001 من الدولار.
أعضاء في مجلس الشعب المصري مزقوا اتفاقية كامب ديفيد وطالبوا بالحرب على إسرائيل، وفوض مجلس الشعب الرئيس السيسي باتخاذ اجراءات لحماية الأمن القومي. شيك آخر بدون رصيد لأن الرئيس بدون أو مع أهوال غزة مُفترض أن يحمي الأمن القومي، وليس بحاجة لتفويض.
والسؤال المثير: لماذا لم يفعل مجلس الشعب المصري ذلك سنة 1982 عندما احتلت إسرائيل نصف لبنان وحاصرت بيروت وطردت منظمة التحرير منها؟
البنتاغون هدد بضرب أي منظمة أو دولة ستتدخل لتوسيع نطاق الحرب في غزة، وأرسل إلى إسرائيل أنظمة دفاعية ومستشارين عسكريين بعضهم متمرسين في حرب المدن، ونتنياهو قال إن هذه الحرب مسألة حياة أو موت لإسرائيل، والأمم المتحدة تدعو إلى "هدنة" إنسانية في غزة، ولم تدع لوقف العمليات العسكرية.
هل ما سيحدث في غزة أكبر من حدود غزة نفسها؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت