كلنا إنسانيون وإن اقتضى الأمر فنحن فلسطينيون

محسين الوميكي
2023 / 10 / 14

وصلتني عبر الواتساب من أحد الأصدقاء مادة إعلامية لأحمد الشرعي تحمل عنوان "كلنا إسرائيليون" استفزني هذا العنوان وقررت البحث عن المقال بأكمله وقراءته للاطلاع على ما يخبئه من أسباب كفيلة بأن تجعل منا كلنا إسرائيليين على أننا نؤكد أن أحمد الشرعي لم يشاورنا في الأمر وأنه اتخذ هذه الخطوة لذاته وهي تلزمه وحده.
نحن إنسانيون نرفض الظلم في حق أي جهة:
لما قرأت المقالة أتعبت انتباهي بعض الأفكار المسمومة التي ضربت بعرض الحائط تاريخ القضية الفلسطينية والجهود التي بذلت لفرض السلام أو تحقيقه؛ السلام الذي أرادت إسرائيل وما يدور في فلكها أن تفرضه بقوه السلاح وأرادت الدول العربية والإسلامية أن تحققه بالمفاوضات.
لا أدري كيف سولت له نفسه بأن ينعتنا بالإسرائيليين وفينا ملك يرأس لجنة القدس والمغرب يعتبر أكبر مساهم في بيت مال القدس، ونضيف هنا أن بيان وزارة الخارجية المغربية لم يصفنا بالإسرائيليين لا من قريب ولا من بعيد وجاء بيانها منطقيا متزنا وواقعيا والفقرة الموالية المأخوذة من البيان تثبت ما نرمي إليه: << المغرب يعبر عن قلقه العميق جراء تدهور الأوضاع واندلاع الأعمال العسكرية في قطاع غزة ويدين استهداف المدنيين من اي جهة كانت ويدعو إلى الوقف الفوري لجميع أنواع العنف والعودة إلى التهدئة وتفادي كل أشكال التصعيد التي من شأنها تقويض فرص السلام في المنطقة.>>.
ونذكر الشرعي بهذه المناسبة أن قواتنا المسلحة الملكية شاركت في حرب أكتوبر من سنة 1973 وذلك بإرسال كتيبة مشاة ووحدة مدرعة قوامها 10,000 رجل ما بين ضابط وجندي ومئات الدبابات والطائرات ومقاتلات إف خمسة F5 ، صنفت آنذاك القوات المغربية في المرتبة الثالثة على منصة التتويج للوحدات العربية بعد العراق والأردن؛ والمساهمة هذه كانت لاستعادة شبة جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان المحتلة من طرف إسرائيل في عام 1967 خلال حرب الأيام الستة وكنتيجة لهذه الحرب التي دامت 18 يوما سيتم التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار التي توجت بمحادثات أدت إلى استعادة الأراضي العربية المحتلة من جهة وفي المقابل ترك المغرب حوالي 3000 رفات في المقابر السورية وجرحى عادوا إلى الوطن ليتلقوا العلاج، كل هذا سيجعل منا حسب أحمد الشرعي إسرائيليين.
ماذا حدث يوم سابع أكتوبر تشرين الأول من سنة 2023؟:
البنية التحتية الدفاعية والأسلاك الشائكة والجدار الاسمنتي وعيون الخونة وكل التحصينات الإلكترونية لم تنفع مع تسلل أزيد من 1400 مقاتل. فعلى الساعة السادسة والنصف صباحا من يوم السابع من أكتوبر تشرين الأول من السنة الجارية 2023 استفاق غلاف غزة والعالم معه على هجوم مباغت أطلقته كتائب القسام وأطلقت عليه طوفان الأقصى، واعتبر هذا اليوم حسب جنرال إسرائيلي أنه اليوم الأسوأ في تاريخ إسرائيل.
إن هذا الهجوم / العملية العسكرية غير مسبوق ضد إسرائيل التي ألفت أن تأتي منها المبادرة ولا يحاسبها أحد، إنه غير مسبوق لعدة اعتبارات:
- لأنه كان شاملا تجسد في إطلاق عدة صواريخ واقتحام المستوطنات المجاورة لغزة وقتل وأسر عشرات الإسرائيليين مدنيين وعسكريين.
- جاء الهجوم برا وبحرا وجوا.
- وهو غير مسبوق أيضا لأنه اختار اليوم الذي لا يعمل فيه اليهود والذي يصادف يوم فرحه التوراة الذي هو يوم احتفال مقدس عند اليهود الملتزمين.
- علاوة على أنه شارك في الهجوم حوالي 1400 مقاتل.
بعد الهجوم بسويعات عبرت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على تضامنها اللا مشروط مع الاحتلال وفي المقابل طلبت الدول العربية كلا من حماس وإسرائيل بالعودة إلى الهدوء وإيقاف العمليات العسكرية، لكن ما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الاجتياح؟
أسباب عملية طوفان الأقصى:
"إسرائيل قامت على الظلم والاغتصاب وكل كيان يقوم على الظلم والاغتصاب مصيره الدمار" الشيخ أحمد ياسين
لهذا الطوفان عدة مبررات واسباب نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولا: جاء الطوفان نتيجة مباشره لاستمرار أطول احتلال في التاريخ الحديث فالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967 أي لمدة تلامس 56 عاما تحول فيها النظام الإسرائيلي إلى نظام فصل عنصري يشن حروبا على القطاع كلما حلم بذلك.
ثانيا: السلطة الفلسطينية في الضفة التي اعترفت بدولة إسرائيل لم تجن شيئا وراء ذلك.
ثالثا: منذ عام 2014 لم تجتمع الحكومات الإسرائيلية حتى مع الفلسطينيين.
رابعا: هجمات المستوطنين الإرهابية على الفلسطينيين في الضفة الغربية، فهناك إحصائية تقول بأن 248 فلسطينيا قتلوا برصاص الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية من بينهم 40 طفلا، مع أن السجون الإسرائيلية مملوءة عن آخرها بالفلسطينيين.
خامسا: الهجمات على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية من قبل المتطرفين الإسرائيليين.
سادسا: إعلان نتنياهو الذي مفاده أنه سيصفي الحقوق الفلسطينية والقضية الفلسطينية بالتطبيع مع الدول العربية.
سابعا: تجرؤ نتانياهو على تقديم خريطة إسرائيل التي شملت الضفة الغربية بأكملها وكذلك غزة والقدس ومرتفعات الجولان أمام الأمم المتحدة وأعلن ضم الأراضي المحتلة ضدا في كل القرارات التي أقرتها الأمم المتحدة لفائدة الفلسطينيين.
ثامنا: الدعم الأمريكي والغربي للاحتلال الصهيوني اللامشروط والكيل بمكيالين.
تاسعا: إلغاء قانون الانسحاب الذي قررته إسرائيل سنة 2005 أيام شارون.
عاشرا: مشروع صفقة القرن الذي يُخطط له وراء الظهور والذي مفاده توطين الفلسطينيين في سيناء المصرية هذا بالطبع خارج عن احترام القانون الدولي.
ويمكن أن نضيف سببا آخر وليس أخيرا جاء على لسان إسماعيل هنية أيضا في كلمة متلفزة مفاده أن الطوفان جاء ليمسح عن الأمة عار الهزائم وعار السكون والهزيمة.
هذا وقد لخص إسماعيل هنية هذه الأسباب في أول كلمة له التي تلت مباشرة الهجوم حين قال: " أن عملية طوفان الأقصى جاءت ردا على "العدوان الصهيوني الإجرامي الذي تم على المسجد الأقصى المبارك، وبلغ ذروته خلال الأيام الماضية"، مشيرا إلى أن حركات المقاومة في فلسطين لن "تسكت عن هذا التدنيس" ولو "سكت العالم".
كما أشار هنية في بيانه إلى أن إسرائيل صعّدت "العدوان" على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية وأنها تسعى لاقتلاعه من أرضه، كما حمّل إسرائيل المسؤولية عما يجري ضد فلسطينيي 48 وتزايد عمليات القتل والاغتيال هناك.
كما أوضح هنية أن نكث إسرائيل بالاتفاقات التي تمت مع المقاومة وأبرزها إعادة "اعتقال المحررين من صفقة وفاء الأحرار".
كل هذه الأسباب التي سقناها آنفا التي مهدت للطوفان لم تدفع بأخينا أحمد الشرعي لتبرير الهجوم بل اعتبر حماس جماعة ارهابية وكأنها هي التي تحتل إسرائيل متناسيا أن حماس تنتمي إلى شعب محتل تمارس عليه أنواع شتى من الذل والظلم والإهانة ومن يعتبر شعبا مقاوما يعيش تحت نير الاحتلال شعبا إرهابيا فإنه وبالضرورة واحد من اثنين إما أنه لم يعش أو لم يعرف لحظة من لحظات الاحتلال ولم يتذوق متعته المرة أو أنه غير إنساني وغير عادل وغير حر.
واعتبر أحمد الشرعي إسرائيل أنها أمة ديمقراطية بل إنها عبارة عن كيان صهيون محتل لا يطبق حتى الديموقراطية الداخلية. وما بينها وبين الإنسانية سنوات ضوئية فإنسانيتها تظهر جلية في قتل المدنيين الأبرياء وملء السجون وتكتيم الأفواه... فالظلم بشتى ألوانه الذي تمارسه إسرائيل على الشعب الفلسطيني والحروب التي شنتها فعليا وهي خمسة حروب على غزة واحدة منها دامت 51 يوما دمرت خلالها كل شيء وسوت المباني بالأرض هذت كله وأكثرهو عين الإنسانية التي يجهلها الأخ أحمد الشرعي.
المقاومة والدفاع عن النفس في قاموس أمثال أحمد الشرعي تطرف وإرهاب يؤدي إلى تآكل صخرة الأمن الذي يكمن في نظره في القضاء على المقاومة الشرعية وسد الأفواه الديموقراطية في العالم ومساندة العنصرية والاحتلال؛ لهذا لم يعد مجديا ولا حتى طبيعيا أن تستمر حماس في الحصول على الدعم من سلسلة من المبادرات والمؤسسات غير الحكومية. نقول للأخ أحمد الشرعي أن الدعم هو موجه للمدنيين للسكان الغزاويين وليس لحماس والدعم الذي يأتي من الغرب يأتي تحت إشراف مؤسساته وهو مقرر بقوة القانون.
جاء في مقال الأخ أحمد الشرعي أن بايدن قال في بيان له: "نحن على استعداد لتقديم كل وسائل الدعم المناسبة لحكومة وشعب إسرائيل". فإسرائيل إن كانت مدعومة من الغرب بأكمله هذا نفهمه فهي صنيعة هذا الغرب ثم علينا ألا ننسى أننا نعيش في ظل عالم ظالم، لكن ما هو غير مفهوم هو دعم إسرائيل من الذين هم محسوبين على الأمتين الإسلامية والعربية الذين لا يمكن أن نقول عنهم سوى أنهم يشكلون لوبيا صهيونيا في جسد أمتنا وجب استئصاله. ختم أحمد الشرعي مقاله وهو يحرض أمريكا على حماس لاستعمال العنف ضدها وترهيبها لكونها تشكل الآن تهديداً للأمن القومي الأميركي ومحاولاتها لإحلال السلام في المنطقة. ونحن يحق لنا أن نتساءل: هل علينا أن نفهم من هذا أن حماس قطعت مسافات طويلة لتحتل أمريكا؟
في نهاية هذه المقالة المتواضعة لا يسعنا إلا أن نقول إن هذه المهزلة يجب أن يوضع لها حد؛ فنحن مع المظلوم أينما كان وفي أي زمان وليكون من يكون ولسنا إسرائيليون ولن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين لأننا وببساطة مع العدل والإنسانية أي مع ما صار العالم المتوحش والمتحكم يفتقر إليه. إن حل أزمة القضية الفلسطينية يتجسد في تطبيق صارم لما تم الاتفاق عليه دوليا برعاية الأمم المتحدة وإلا فإننا سنظل نعيش أزمة على صدر أزمة إلى ما لا نهاية ونطلق السلام في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

من هو أحمد الشرعي؟
أحمد الشرعي هو ناشر صحيفة القدس الاستراتيجية والمدير التنفيذي لمجموعة إعلامية مقرها المغرب. وهو عضو في مجلس إدارة المجلس الأطلسي، ومجموعة الأزمات الدولية، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومعهد أبحاث السياسة الخارجية، ومركز المصلحة الوطنية.
مرجع المقال والتعريف بأحمد الشرعي
موقع “جيروزاليم ستراتيجي تريبيون
https://jstribune.com/charai-we-are-all-israelis/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت