فِلِسْطين

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 10 / 14

في العالم القديم كانت بَلِسْطين جزء من المنطقة المعروفة باسم كنعان حيث قامت مملكتا إسرائيل ويهودا. وقد استُخدمت اللفظة ’بَلِسْطين‘ في الأصل لتسمية مساحة من الأرض تقع جنوب كنعان ويسكنها قومٌ يُسمون الفِلِسْطينيين ويشغلون جزء صغير جداً منها.

كان الكنعانيون، والكنعانيون الفينيقيون، وبنو إسرائيل، من بين آخرين، مستقرون في المنطقة منذ زمن طويل. ويُعتقد أن الفِلِسْطينيين قد أتوا إليها قرب نهاية العصر البرونزي حوالي 1276 ق.م واستوطنوا السهل الساحلي الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط في منطقة عُرفت فيما بعد باسم فِلِسْطية.

وردت الإشارة إلى المنطقة بالكامل باسم ’كنعان‘ في النصوص والسجلات التجارية من بلاد ما بين النهرين والتي عُثر عليها بمنطقتي إيبلا وماري مبكراً منذ القرن الثامن عشر ق.م بينما لا تظهر اللفظة ’بَلِسْطين‘ في أي سجلات مكتوبة حتى القرن الخامس ق.م في كتاب تاريخ هيرودوتس. وبعد هيرودوتس، شاع استخدام اللفظة ’بَلِسْطين‘ كاسم لعموم المنطقة المعروفة في السابق باسم كنعان.

تُعد المنطقة جزء مما يسمى الهلال الخصيب ويمكن تتبع الاستقرار البشري هناك عودة إلى ما قبل 10.000 سنة ق.م. في الأصل كان يسكن هذه الأراضي مجموعات من الصيادين وجامعي الثمار الرحالة الذين في أغلب الظن هاجروا من بلاد ما بين النهرين لكنهم تحولوا إلى مزارعين مستقرين بحلول العصر البرونزي المبكر (حوالي 3000-2000 ق.م). ثم خلال العصر البرونزي الأوسط (حوالي 2000-1550 ق.م) توسعت التجارة مع أمم أخرى وازدهرت كنعان وخلال العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550-1200 ق.م) استمرت هذه الوفرة لدى ضم المنطقة في الإمبراطورية المصرية (حوالي 1570-1069 ق.م).

ومع أفول قوة مصر وانحسار نفوذها، تقدم الآشوريون ووقعت توغلات آشورية في أراضي أخرى منذ 1295 ق.م. ثم خلال ما يسمى "انحطاط العصري البرونزي" خلال الفترة بين حوالي 1250 إلى 1150 ق.م، كانت منطقة الشرق الأدنى بالكامل تعاني ولم تكن كنعان استثناءً. بحسب سفر يشوع التوراتي، اجتاح الجنرال الإسرائيلي يشوع هذه الأرض وقسم المنطقة بين قومه. لكن في نفس الوقت تقريباً، وصلت إلى المنطقة شعوب البحر (التي لا يزال أصلها مجهولاً) وربما كانت هي المسؤولة عن الدمار المشهود للمدن والبلدات هناك، كدأبهم مع أمم أخرى.

ثم تناوب الآشوريون والبابليون والفرس وجيوش الإسكندر الأكبر جميعاً على غزو المنطقة، وأخيراً جاء الدور على جيوش روما. وبحلول الزمن الذي ظهرت فيه روما هناك كانت المنطقة تُعرف من مدة باسم يهودا، وهو مصطلح مأخوذ من مملكة يهودا القديمة التي قد دمرها البابليون. رغم ذلك، كان يُشار إليها أيضاً باسم بَلِسْطين، وعقب ثورة بار كوخبا في 132-136 ميلادية غَيَّر الإمبراطور الروماني هادريان اسم المنطقة إلى سورية-بَلَسْطينة نكاية في الشعب اليهودي على تمردهم (بتسميتها باسم عدويهم التقليديين، السوريين والفِلِسْطينيين). لكن ظلت التسميات فِلِسْطية ويهودا الرومانية وبَلِسْطين جميعاً موضع استخدام فيما بعد.

حين سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية، استقرت الإمبراطورية الشرقية أو البيزنطية على تسمية بَلِسْطين وحافظت عليها حتى حوالي عام 634 ميلادية حين استولت عليها جيوش المسلمين قادمة من جزيرة العرب.

الاسم
يُعتقد أن الاسم ’بَلِسْطين‘ مشتق إما من الكلمة بلِشِث (وتعني ’جذر بَلَش‘، وهي خَلْطة صالحة للأكل حملتها القبائل المهاجرة وتحولت إلى رمز للأقوام الرُحل) أو كتسمية يونانية للفِلِسْطينيين الرُحل. وقد اقترح المؤلف توم روبنز أن أصل اللفظة’ بَلِسْطين‘ يعود إلى الإله المُخنث القديم بَلِس الذي كان يُعبد في منطقة كنعان. وإذا صدق ذلك فإن ’بَلِسْطين‘ تعني ’أرض بَلِس‘.

لقد ثبت أنه كان يوجد إله مُخنث يُسمى بَلِس (وردت الإشارة إليه كإله ذكر وأنثي معاً) والذي عرفه الرومان بوصفه الإله الراعي للرعاة والأغنام وكانت احتفالاته تُقام يومي 21 أبريل و7 يوليو في روما بمنطقة هضبة بالاتين (أدكنز وأدكنز، 269). رغم ذلك، لا توجد إثباتات من الأزمنة القديمة تربط بين هذا الإله واسم منطقة بَلِسْطين، والأرجح أن يكون الاسم مُشتق من اليونانية ليعني ’أرض الفِلِسْطينيين‘. ويلقى هذا الاستنتاج تأييد الباحثين جيمس ماكسويل ميلر وجون هـ. هايز وفقاً لشهادتيهما التالية:

"بمحاذاة السهل الساحلي الجنوبي شرق البحر الأبيض المتوسط (قرب جنوب تل أبيب الحالية) استقر الفِلِسْطينيون. وهم جاءوا إلى تلك المنطقة كجزء من هجرات ’شعوب البحر‘ الأوسع عند نهاية العصر البرونزي وسكنوا خمسة مدن رئيسية- أشدود وعسقلان وعكرون وجت وغزة. وعلى الرغم من الارتباط التاريخي بين الفِلِسْطينيين والسهل الساحلي على وجه التحديد، إلا أن الاسم ’فِلِسْطية‘ ("أرض الفِلِسْطينيين) أصبح يُستخدم خلال الأزمنة الكلاسيكية بشكل أوسع لكامل الطرف الجنوبي للساحل المتوسطي الشرقي...باختصار، إذن، يمكن القول إن اللفظة الإنجليزية ’بَلِسْطين‘ (Palestine) مُشتقة في النهاية من اللفظة ’فِلِسْطية‘ (Philistia). (39-40)"

وأسوة باستخدام هيرودوتس لهذه اللفظة في مؤلفه خلال القرن الخامس ق.م، تبناها كُتاب آخرون في مؤلفاتهم لكي تحل ’بَلِسْطين‘ تدريجياً محل ’كنعان‘ وتصبح هي الاسم السائد للمنطقة.

التاريخ المبكر
تعتبر منطقة بَلِسْطين من بين أقدم مواقع السكنى البشرية في العالم. وتشير الأدلة الأثرية إلى مجتمع من الصيادين وجامعي الثمار يعيشون حياة الترحال في المنطقة قبل 10.000 ق.م. وخلال العصر البرونزي المبكر، تأسست مستوطنات دائمة وتطورت مجتمعات زراعية. ومورست التجارة مع مناطق أخرى في الشرق الأدنى وأصبحت بَلِسْطين، بفضل موقعها بين مدن بلاد ما بين النهرين وجزيرة العرب ومصر، مركزاً تجارياً هاماً جذب إليه اهتمام سرجون الكبير (حكم 2334-2279 ق.م) الذي ضم المنطقة إلى إمبراطوريته الأكادية حوالي 2300 ق.م.

في ذلك الوقت شجع ازدهار الإمبراطورية الأكادية نمو المراكز الحضرية عبر المنطقة وازدهرت بَلِسْطين حتى سقطت أكاد تحت ضربات جيوش الجوتيين والعيلاميين والأموريين في حوالي 2083 ق.م. فيما بعد، ولأسباب لا تزال غير واضحة، هُجرت المدن وعادت الناس إلى أسلوب الحياة الزراعية الريفية، ربما بسبب الزيادة السكانية.

العصر البرونزي الأوسط
خلال العصر البرونزي الأوسط (حوالي 2000-1550 ق.م)، عادت الناس مرة أخرى إلى التحضر وازدهرت التجارة. كانت التجارة الدولية قد نشأت للمرة الأولى بين مدينة جبيل الساحلية ومصر في حوالي 4000 ق.م، وبحلول 2000 ق.م كانت مصر الشريك التجاري الأكثر نفوذاً للمنطقة. ويتضح هذا النفوذ المصري من شكل الطقوس الجنائزية عبر المنطقة والتي تعكس إلى حد بعيد نظيرتها المصرية من حيث نوعية السلع المرفقة مع الموتى في القبور.

استمرت هذه الشراكة لفائدة مصر ومنطقة بَلِسْطين سوياً حتى وصول الشعوب السامية المعروفة باسم الهكسوس في حوالي 1725 ق.م. وتمكن الهكسوس، المعروفين في النقوش المصرية القديمة باسم "الملوك الأجانب" فقط، من استخدام بَلِسْطين لكسب موطئ قدم لهم بمنطقة دلتا مصر السفلى قرب نهاية المملكة المصرية الوسطى (2040-1782 ق.م) ووطدوا أنفسهم ككيان سياسي في عاصمتهم أفاريس.

بمرور الوقت، كبرت شوكتهم بما يكفي لممارسة التجارية وحشد الجيوش وإحكام السيطرة على دلتا مصر وجزء كبير من مصر السفلى حتى طردهم أحمس الأول ملك طيبة في عام 1570 ق.م. ثم طاردت حملة أحمس الأول الهكسوس باتجاه الشمال عبر بَلِسْطين إلى سورية، مُخَلِّفة في أعقابها مدناً مدمرة ومجتمعات مبعثرة.

العصر البرونزي المتأخر
بعد طرد الهكسوس، شرع أحمس الأول في إعادة بناء مدن بَلِسْطين وضم المنطقة في الإمبراطورية المصرية المُشكلة حديثاً (يُشار إليها أيضاً باسم المملكة الجديدة، حوالي 1570-1069 ق.م). أراد أحمس الأول التأكد من عدم تسلل قوة أجنبية أخرى لحدود مصر ولذلك أنشأ منطقة عازلة حول حدود مصر أضاف إليها الفراعنة اللاحقون ليشكلوا إمبراطوريتهم.

وقد شهدت المملكة الجديدة حكم بعض من أشهر الفراعنة المصريين الذين بفضلهم ازدهرت التجارة ومشروعات البناء في فِلِسْطين. فنجد أن حكاماً مثل حتشبسوت (حكمت 1479-1458 ق.م)، تحتمس الثالث (حكم 1458-1425 ق.م)، أمنحتب الثالث (حكم 1386-1353 ق.م)، ورمسيس الثاني (حكم 1279-1213 ق.م)، من بين آخرين كثيرين، شجعوا جميعاً التجارة في المنطقة وحسنوا بنيتها التحتية.

لكن في عهد تحتمس الثالث، عَكَّر قومٌ عُرف باسم عَبِرو السلم هناك عبر شن غارات على التجمعات السكانية. لا يزال أصل هؤلاء القوم (مثل الهكسوس وشعوب البحر) غير معلوم لكنهم كانوا على ما يبدو من أبناء المنطقة واستُخدمت اللفظة ’عَبِرو‘ لنعت هؤلاء الذين امتنعوا عن الالتزام بأعراف المجتمع. وهم يوصفون كخارجين عن القانون أكثر منهم غزاة وقد دُحِضت مساعي ماضية من قبل باحثين محدثين للربط بين العَبِرويين (Habiru) والعبريين (Hebrews).

ثم في عهد رمسيس الثاني، ظهرت شعوب البحر لأول مرة في التاريخ المصري. هزمهم رمسيس في معركة بحرية قبالة السواحل المصرية في حوالي 1278 ق.م ثم لاقاهم مجدداً في 1274 ق.م كحلفاء للحيثيين في معركة قادش. من هم ومن أين جاءوا لا زال محل جدل إلى اليوم الحاضر لكنهم عادوا لشن الحرب على مصر في عهد مرنبتاح (حكم 1213-1203 ق.م) ثم في عهد رمسيس الثالث (حكم 1186-1155 ق.م). وفي أثناء تحرشهم بمصر، كانت شعوب البحر أيضاً تُكيل الغارات والدمار على الإمبراطورية الحيثية وعبر الهلال الخصيب. وأسفرت تحركاتهم، بجانب الاختراقات الآشورية بداية من حوالي 1300 ق.م، عن نشر الفوضى عبر منطقة الشرق الأدنى.

يُعتقد أنه عند هذا الوقت تقريباً، حوالي 1250-122 ق.م، وقع غزو كنعان من قبل الجنرال الإسرائيلي يشوع كما ورد في سفر يشوع التوراتي، وبدرجة أقل في سفر العدد. وبينما توجد بالتأكيد أدلة على فوران عارم عبر المنطقة في ذلك الوقت، إلا أن الأدلة الأثرية لا تؤيد الرواية التوراتية ويُرجح أن تكون المنطقة قد تعرضت لاجتياح من قبل شعوب البحر.

ورد أول ذِكْر لإسرائيل في لوحة انتصار مرنبتاح التي تذكر أن "إسرائيل دُمِّرت" في نقش يصور انتصاره على الليبيين (الذين كانوا حلفاء لشعوب البحر). تشير اللوحة على ما يبدو إلى ’إسرائيل‘ كقوم، ليس كمملكة أو دولة-مدينة، ومن المرجح أن الإسرائيليين انضموا لشعوب البحر والليبيين في عدوان ضد مصر، رغم أن ذلك لا يتعدى التكهنات.

مع ذلك، عند نقطة ما بعد الغزو المزعوم من قبل الجنرال يشو ع، وطد الإسرائيليون أنفسهم بقوة في بَلِسْطين وبحلول حوالي 1080 ق.م، تأسست مملكة إسرائيل في الشمال. وسوف تزدهر إسرائيل كمملكة موحدة إلى ما بعد وفاة الملك سليمان (حوالي 965-931 ق.م) حين انقسمت إلى اثنتين إحداهما مملكة إسرائيل وعاصمتها في السامرة إلى الشمال، والأخرى مملكة يهودا وعاصمتها في القدس إلى الجنوب. وطوال عهود الملوك الإسرائيليين الأوائل وفيما بعد، كانت الإشارات ترد باستمرار إلى الفِلِسْطينيين في التوراة كألد أعدائهم.
،،،يُتبع،،،
_______________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://member.worldhistory.org/palestine/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت