محمود شقير بين القص الساخر والقصة الومضة/ د. اعتدال عثمان

محمود شقير
2023 / 10 / 11

يعد الكاتب الفلسطيني المعروف محمود شقير واحدا من أبرز كتاب القصة القصيرة المخضرمين، فقد ولد في القدس عام 1941، ولمع اسمه في ستينيات القرن العشرين منذ بدأ نشر قصته الأولى " ليل ولصوص" عام 1962 في مجلة " الأفق الجديد " التي كانت تصدر آنذاك في مدينة القدس.
واصل شقير رحلته الإبداعية التي تميزت بتنوعها الأدبي والفكري والجمالي والعملي، وتطورها الرؤيوي والمتحقق. ولقد امتدت آفاق هذه الرحلة إلى مجال الرواية، والكتابة المسرحية، والمسلسلات التليفزيونية، إلى جانب المقالات السياسية والأدبية، والانشغال بالعمل الثقافي العام، كذلك امتدت اهتمامات شقير إلى المشاركة في تجربة " دار الفتى العربي " التي تخصصت في إنتاج كتب الأطفال بأقلام كاتبات وكتاب فلسطينيين وعرب. وقد صدر له حتى وقتنا الراهن ثلاثة وسبعين كتابا، وكان أول كاتب فلسطيني يحظى بجائزة " محمود درويش للحرية والإبداع" في عام 2011.
يعد شقير أحد رواد تقديم القصة القصيرة جدا أو القصة الومضة وتطويرها في سياقنا الأدبي، فقد بدأ في منذ سبعينيات القرن الماضي في نشر نتاج تجربته الجادة في كتابة هذا النمط الإبداعي الذي كان جديدا آنذاك، معتمدا على براعة التقاط حالات إنسانية داخلية مكثفة، تكتسب طابعا مجازيا دون تفاصيل، وتقديمها في سياق سردى لافت، يختلط فيه الواقعي بالعجائبي، والنثري بالشعري، والسياسي بالعاطفي. وقد يتخذ السرد المكثف أحيانا شكل المتوالية القصصية التي تتناول حالات شعورية مختلفة، لكنها تصب جميعا في بؤرة مكانية واحدة هى مدينة القدس.
بدأ شقير بالقصة الواقعية، لكنه برع في الكتابة الساخرة، مما يذكرنا بالكاتب الفلسطيني المبدع الراحل إميل حبيبي في رائعته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " (1974)
يتميز القص الساخر لدى شقير بنوع من التحبيك السردي المناسب لكل قصة، والدال على صنعة فنية متقنة، يتفجر من خلالها الحس الساخر المنطلق بحسب الحالة الموصوفة، بينما يأتي صوت السارد من داخل المجتمع المحلي المقدسي، فالكاتب يعيش حياة أهل المكان الأصليين، ويروي عنهم وهو بينهم، ويشاركهم السخرية في المواقف التي يتعرضون لها أو يوقعون أنفسهم فيها.
تتسم لغة السرد لدى شقير في هذا الجانب من إبداعه القصصي بمزيج من الفصحى في السرد والعامية الفلسطينية في الحوار، إلى جانب بعض ألفاظ عبرية - يفرضها السياق السردي- مكتوبة بحروف عربية. ولا يخلو الأمر من لعب لفظي على نحو ما نجد مثلا في تحوير اسم المغنية الكولومبية الشهيرة "شاكيرا" التي تحمل المجموعة القصصية " صورة شاكيرا" (2003 ) اسمها ليتم تحويره على لسان المروي عنهم ليصبح "شكرية " أحيانا، و" شكيرات" أحيانا أخرى، وذلك لكي يتحقق انتساب أصولها إلى عائلة عربية فلسطينية.
نموذج آخر لهذا اللعب الساخر يتمثل في أن تحمل بطلة قصة أخرى ملامح مستعارة من كوندوليزا رايس- وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة - بصورة تنافي الحقيقة، وتدعو إلى تحقيق النزوع الساخر الذي يتغلغل في قصص مجموعة "ابنة خالتي كوندوليزا " ( 2004)
يستخدم الكاتب تنويعات متعددة على هذه الحيلة السردية الساخرة نفسها في استدعاء أسماء شخصيات شهيرة أخرى مثل لاعب كرة القدم البرازيلي الشهير " رونالدو"، وعارضة الأزياء " نعومي كامبل "، وشخصيات سياسية عالمية أخرى مثل "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، وأمين عام الأمم المتحدة سابقا " كوفي عنان" وآخرين، فيجعل من حضورهم الشخصي المتوهم أو حتى حضور أسمائهم وتداولها بين سكان الحي الشعبي المقدسي الذي تدور فيه أحداث القصة سببا لتحدي الحصار المفروض على القدس وأهلها، وعزلهم عن محيطهم الفلسطيني.
كذلك تكشف المفارقات الساخرة عن جوانب سلبية في المجتمع تقود البعض أحيانا إلى الانسياق وراء وهم اللقاء بهؤلاء المشاهير في زيارات يخططون لها ويعتزمون القيام بها على نحو ما تتصور الشخصيات القصصية المشاركة في الحدث، وذلك قبل أن تنهار هذه الأوهام. لكن السخرية هنا تتضمن أيضا قدرة الإنسان العادي البسيط على مقاومة الواقع، وتحويل هذا الحدث المتوهم إلى أداة رفض قوية لما يمارس على أرض الواقع من ظلم وقهر.
تشي النصوص الساخرة أيضا بتوجه حداثي يُفسح الكاتب من خلاله المجال أمام فضاءات متعددة من التفسير والتأويل، فالكاتب يتخلى هنا عن هيمنة الراوي العليم، كلي المعرفة، ويفتح المجال للشخصيات القصصية لكي تعبر كل شخصية عن منطقها الخاص بمصداقية محكومة بالإطار المحدد لكل قصة، وذلك تأكيدا على تعددية المواقف التي يحتملها النص، وعلى أن للحقيقة أكثر من وجه واحد، ولا يمكن احتكارها، وفي ذلك تنبيه أيضا للمتلقي إلى أن السخرية وإن تكن سلاحا سلبيا، لا يغير الحقائق على أرض الواقع، إلا أنها وسيلة تحفيز وإثارة لما يستقر عميقا في وجدان الناس من تغلغل نزعة الدفاع عن الوطن المسلوب. كذلك فإن اللعب الفني الساخر الحر يعد فرصة لإمتاع المتلقي، وتحريك ما هو كامن في نفسه من مشاعر وانفعالات لكي تنطلق، كما يقول شقير في حوار له " من الداخل نحو الخارج محققة للمتلقي ذاك التوازن المطلوب أمام سطوة القمع والاستبداد والتسلط، وموصلة رسالة النص الأدبي إلى أعمق شغاف النفس البشرية."
من ناحية أخرى تواصل إبداع محمود شقير في مجال القصة القصيرة جدا أو القصة الومضة، ويصف الناقد الفلسطيني الكبير فيصل دراج موهبة شقير واجتهاده في هذا المجال بقوله:
" إنه يعمل على تحويل العالم الواسع إلى وحدات كتابية صغيرة. والاجتهاد بداهة مسكون بالمفارقة لأن اختزال الواسع إلى الصغير مشقة زائدة. بيد أن شقير يرد على السؤال بطريقتين متلازمتين: يأتي السرد الأول من الوحدة الكتابية الصغيرة التي يوسعها البناء الداخلي الكتابي، إذ الفاصلة معنى، والحرف تصريح، والفراغ بين السطور قول وإيحاء في آن.. ويأتي الرد الثاني من هندسة الوحدات الكتابية المتراصفة، التي يضيء بعضها بعضا، منتهية إلى لوحة عريضة المساحة، تستنطق أحوالا إنسانية مختلفة."
ولعلنا نستطيع هنا أن نتوقف قليلا عند ومضة من إبداع محمود شقير، ربما لا تكون من أروع ما كتب، لكنها تضيء زاوية محددة من ذلك الفضاء الإبداعي المتسع.
نقرأ إحدى قصصه القصيرة جدا بعنوان:
هناك
استغرقوا في النوم.
الرجال في غرفة والنساء في غرفة.
الريح شديدة في الخارج، وثمة أحلام صغيرة تتجول في فضاء شحيح.
قال الحارس: لم أنم حتى الصباح،
مع أنني لم أكن هناك.
اللقطة المقدمة في هذه القصة تعمد إلى التجريد والتكثيف، والاستغناء عن التفاصيل، والملامح التوضيحية بحيث لم يبق سوى الخطوط والظلال المتقشفة والملائمة لفن القصة الومضة، والكاشفة في هذا السياق عن حالة تبدو طبيعية للاستغراق في النوم على الرغم من عصف الرياح في الخارج، لكن التصوير الفانتازي للأحلام الصغيرة المتجولة في فضاء شحيح، ينبه القارئ إلى دلالة منذرة بنوع من التوجس، وافتقاد الأمان. أما الحارس الذي لم ينم حتى الصباح مع أنه لم يكن هناك، فإن اختيار صفة "الحارس" وقلقه الموصوف في لمحة إنما يوحي بامتداد حالة خطر ما متوقع، يجاوز الحالة الراهنة الموصوفة في القصة إلى حالة إنسانية عامة، لا يحدها الزمان والمكان، بل تمتد إلى أفق مفتوح على المجهول والفانتازي أيضا.
نستطيع أن نقول إن محمود شقير يلجأ في قصصه الومضات إلى طاقات وإمكانات الأدب العجائبي والغرائبي، كما تحضر هذه الأجواء أحيانا في سياقات القص الساخر حيث يتمزج الواقعي والخيالي، وتناوش السخرية أحيانا أخرى آفاقا حلمية وفانتازية بينما تساعده موهبته المُحنّكة على توظيف هذه الخبرة الممتدة للتعبير عن الروح الفلسطينية الحيّة المتفاعلة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت