المدنية الإلهية (1)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 10 / 9

إن علامات الأزمنة جد شديدة, وهي في تعددها لا تسمح للمتدبر أن يخطئ فهم خاصيتها أو يقلل من أهميتها, وهو إذا كان منصفا يستطيع أن يري في سلسلة الحوادث التي تنادي من ناحية بإضطراد وغلبة النظم المنبعثة عن وحي بهاء الله, وتحدّث من ناحية أخرى عن كيفية السقوط الذي حل بالدول والسلطنات التي غفلت عن هذا الوحي وقاومته ـــ يستطيع أن يري فيها كافة الدلائل علي فعل إرادة الله الغالب, وصورة واضحة لمشروعه العالي المحكم المتين, هذا ما يتفضل بهاء الله بالإشارة اليه بقوله الأحلي:
" سوف يطوى النظام الحاضر ويقوم نظام جديد أن ربك يقول الحق وهو علام الغيوب, ولعمري سوف يأتي يوم تطوى الدنيا وما فيها ونأتي بنظم جديد أنه علي كل شيء قدير " .
( مترجم عن الإنجليزية)
ويتفضل في مقام آخر بقوله الأعز:
" قد أضطرب النظم من هذا النظم الأعظم وأختلف الترتيب بهذا البديع الذي ما شهدت عين الإبداع شبهه ".
ثم يتفضل منذرا أهل العالم بقوله عز بيانه:
" إن علامات الهرج والمرج الوشيك تشاهد اليوم حيث أن النظام القائم وياللأسف فى نقص مبين ".
(مترجم عن الإنجليزية)
إن هذا النظام العالمي الجديد الذي جاء الوعد به مرقوما في صلب دين بهاء الله ، وتحددت قواعده في آثار قلم مركز عهده، لا يرمي إلي غير اتحاد الجنس البشري اتحاداً كاملاً, وهذا الاتحاد الكامل يجب أن يرتكز علي دعامة القواعد المحددة بحيث يسير وفق الروح الذي يغذي المجموعة المكونة للهيكل الأساسي لنظامه البديع وعلي اتفاق مباشر مع الشرائع والأحكام الضابطة ﻹجرائه وسيره. فأي محرك أو باعث مما قد تتحرك به الجهود العالمية المشتركة وتعمل علي إنتاج يكون في ذاته دون الأنموذج الذي وصي به الدين البهائي, أو بعبارة أخرى يكون في ماهيته وكنهه ناقصا عن المثل الذي نصت عليه تعاليمه فإن مثل هذا الإنتاج الناقص لا يمكن أن يرجى له بلوغ أبعد أو أعلا من ذلك " السلام الأصغر " الذي يشير اليه بهاء الله في بياناته المباركة خطابا للملوك والحكام بقوله الأحلى:

"بما أنكم اعرضتم عن السلام الأعظم اذاً تمسكوا بهذا السلام الأصغر لعل تستقيم أحوالكم وأحوال رعاياكم ".
ثم يتفضل فى نفس اللوح الكريم مشيرا الى هذا السلام الأصغر بقوله مخاطباً حكام الأرض:
"اتفقوا فيما بينكم بحيث لاتحتاجون من السلاح الا على قدرتحفظون به ممالككم ... أن اتحدوا يامعشر الملوك به تسكن أرياح الاختلف بينكم وتستريح الرعية ومن حولكم ان انتم من العارفين.ان قام أحد على الآخر قوموا عليه ان هذا لعدل مبين.

إما السلام الأعظم بحسب الوضع الذي حدده بهاء الله فهو سلام يتحقق بنفحة رحمانيه روحانية في هيكل العالم وبه تندمج كافة الشعوب والملل والأجناس , ولا سبيل إلي استقرار مثل هذا السلام وصيانته إلا بأن يقوم علي أساس وقوة الأوامر المنصوصة في صلب النظام العالمي قرين أسمه المقدس وإلي هذا السلام أشار بهاء الله في أحد ألواحه المباركة منذ 70 عاما مخاطبا جلالة الملكة فيكتوريا بقوله العز الأقدس :
" وماجعله الله الدرياق الأعظم والسبب الأتم لصحته " صحة العالم " هو اتحاد من علي الأرض علي أمر واحد وشريعة واحدة . هذا لا يمكن أبدا إلا بطبيب حاذق كامل مؤيد ـ لعمري هذا لهو الحق وما بعده إلا الضلال المبين .
فانظروا في هذه الأيام التي أتي جمال القدم والاسم الأعظم لحيوة العالم واتحادهم أنهم قاموا بأسياف شاحذة وارتكبوا ما فزع به الروح الأمين . إذا قيل لهم أتي مصلح العالم قالوا قد تحقق أنه من المفسدين "
ويتفضل في لوح آخر بقوله :
" ينبغي للكل في هذا اليوم أن يتمسكوا بالاسم العظم وأن يؤسسوا اتحاد بني الإنسان . إذ لا نجاة لأحد بغيره ."

بلـــــــــــوغ الإنسانيــة
لم تكن غاية رسالة بهاء الله سوى الوصول إلي كعبة هذا الاتحاد العقلي والروحي لكافة أهل العالم , ويجب علينا إذا كنا لتعاليمه مخلصين أن نعتبر ظهورها وسيرها رمزا علي بلوغ الجنس البشري قاطبة , ولا يجوز أن ننظر إليها بأنها مجرد مظهر من مظاهر الانتعاش الروحي الذي يصيب بني الإنسان في حظه المتغير , أو بكونها مرحلة أخرى في سفر الوحي المضطرد أو باعتبارها بمثابة ختم لدورات النبوة , بل يجب أن ننظر إليها بأنها رمز المرحلة الأخيرة والعليا لسفر التطور الهائل للحياة الإنسانية الجامعية علي هذه الأرض , فالشعور الفجائي بالجامعة العالمية , والإحساس العام بالحقوق العامة لأهل العالم، والاتجاه العام نحو تأسيس مدنية وثقافة عالمية , ـ هذه العوامل التي تتصل وتعمل في مجموعها مع المرحلة الأولي في التمهيد لظهور العصر الذهبي للدور البهائي تعتبر في طواياها وخصائصها أبعد مدى وأعمق أثرا مما قد يتراءى لأول وهلة , في تنظيم الهيئة الإنسانية علي هذه الأرض , ولو أن الإنسان من الناحية الفردية سوف يستمر في التقدم والترقي نتيجة لهذا التنظيم , وهو ما يجب أن يسير فيه بلا نهاية .
ونحن إذا أدركنا حقيقة بيانات بهاء الله نري أن هذا التغيير الكلي المعجز الغير محدود المقترن بمرحلة البلوغ في حياة الفرد ونضوجه وهو ما لا بد منه ـ يجب أن يأخذ طريقه جنبا إلي جنب في الاتجاه المحاذي لسير التطور الحادث في تنظيم الجامعة البشرية , ونري أيضا أن هناك مرحلة مماثلة أخرى من وجهة حياة العالم الجامعية يجب الوصول إليها عاجلا أو آجلا , يكون من شأنها إحداث ظاهرة أشد بروزاً في العلاقات العالمية , والإغداق علي عموم البشر من أوجه النعم والخيرات ما سوف يظل علي تعاقب الأجيال المشوّق الأعظم والباعث الأكبر لهم فيما يحتاجون إليه لاستكمال مصيرهم الرفيع .
مثل هذه المرحلة من البلوغ في نظم الحكومة العالمية يجب أن تظل في جميع الأوقات حاكية عن رسالة بهاء الله إذا كنا مقرين حقيقة بدعوته العجيبة , ففي أحدى بياناته العالية التي حدد بها مبدأ العقيدة البهائية الممتاز تحديداً واضحاً صريحاً لا يمكن لأحد أن يخطئ فهمه يتفضل بقوله الأعز :
" قد قدر من لدنا أن تظهر للناس كلمة الله ومكنوناتها علي قدر مقدور من لدى العليم الحكيم ... فإذا كانت مكنونات الكلمة تظهر دفعة واحدة لن يستطيع أحد لأن يتحمل هذا الأمر العزيز ... أنظروا ما نزل علي محمد رسول الله فان درجة الوحي الذي كان مهبطاً له قد قدرت من لدي الله المقتدر القدير والذين سمعوه فهموه بحسب مقاماتهم ومراتبهم الروحية وأنه قد كشف عن وجه الحكمة علي قدر احتمالهم فلما وصل البشر إلي مقام البلوغ ظهرت لهم مكنونات الكلمة وتجلي نورها بظهور جمال القدم في سنة الستين باسم علي محمد ( الباب )". (مترجم عن الإنجليزية )

ولقد أوضح عبد البهاء هذه الحقيقة الأساسية في ألواحه المباركة بقوله الأحلى :
" كل الكائنات لها مقام بلوغ , فمقام البلوغ في حياة الشجر هو الثمر ... والحيوان يصل إلي نهاية نموه وكماله , وفي العالم الإنساني يصل الإنسان إلي مقام البلوغ عندما يبلغ إدراكه النمو الكامل , وكذلك يوجد في الحياة الإنسانية الجامعية أوقات وأدوار , ففي وقت كانت تجتاز دور الطفولة وفي وقت آخر دور الشباب , أما اليوم فقد دخلت طور البلوغ ودليل ذلك ظاهر في كل مكان .... فما كان صالحا للإنسان في تاريخه الأول لا يمكن أن يصلح له ويوافق مطالبه في هذا اليوم الذي هو دور التجديد والبلوغ .
فالإنسانية قد خرجت من طور التربية الأولي المحدودة وينبغي اليوم أن يتخلق الإنسان بالفضائل والقوى الجديدة ويكتسب السنن الأخلاقية الجديدة والملكات الجديدة فان فيوضات جديدة ومواهب كاملة تنتظره وتنزل عليه . إن مواهب طور الشباب وبركانه لم تعد اليوم صالحه لسد مطالب البلوغ ولو إنها كانت صالحة يوم أن كان الإنسان في طريقه نحو البلوغ " .
(مترجم من الإنجليزية )
التدرج نحـــــــو البلـــــــــوغ
إن الأزمة الفريدة التي تحيط بالحياة البشرية في نظامها الحاضر يمكن تشبيهها علاوة علي ما تقدم بأنها مرحلة في تاريخ التطور السياسي مماثلة لما حدث للجمهورية الأمريكية العظيمة وهي المرحلة التي اقترنت بتوحيد الولايات المتحدة , فبعث الوعي القومي الجديد وإيجاد شكل جديد للمدنية يفوق في سموه ومداه كل ما كان مأمولا فيما لو ظلت أجزاؤها التي اتحدت متعددة متفرقة ـ كل هذا يمكن أن يتصف بأنه إعلان عن بلوغ الشعب الأمريكي ويمكن أيضا من ناحية الاعتبارات والحدود الداخلية لهذا الشعب أن يقال عن هذا البلوغ أنه كمال مرحلة نظم الحكم الإنساني , ذلك لأن العناصر المختلفة المفككة لشعب واحد مفكك قد ضمت لبعضها واندمج بعضها في بعض وتوحدت تحت نظام واحد منسق . ومع أن هذا الأمر في الواقع قد يستمر في طريقه، ويأخذ مظهرا عجيبا من مظاهر القوة , وان مرحلة الاتحاد التي تم الوصول اليها سوف تزداد استقراراً , وأن المدنية التي تولدت عن هذا الاتحاد وحده سوف تنتشر وتزدهر , فأنه يمكن أن يقال عن هذا الكشف أن أداته الجوهرية والعامل الأساسي فيه كان قد سبق أن وضعت قواعده وأن القوة المطلوبة لضمان سيره وتغذيته سبق أن بني أساسها .
فليس يوجد ضمن الحدود الجغرافية مرحلة أرفع وأسمي من هذه التي تمت بتوحيد شعب مفكك ولو أن المصير الأعلى لهذا الشعب ـ المصير الذي به يتحقق النظام المكون لتطور أبعد مدى بحيث يضم سائر سائر البشر , قد يظل غير كامل بعد . أما من حيث اعتبار هذا الشعب وحدة مستقلة فاٍن وحدته يمكن أن تتصف ببلوغها أسمي المراتب ذلك لأن الرسالة التي جاء بها بهاء الله من لدن آمر عزيز قد أودعها من القوى المعادلة لطور النضوج البشري ما يعتبر كما يعتقده أتباعه المرحلة البالغة التي تتوج سفر العالم من طور طفولته إلي مرتبة بلوغه , وأن مؤسسي كافة الأديان الذين تغنوا منذ الأول الذي لا أول له بذكر أمر واحد , وأشرقوا علي مدى الأدوار المختلفة بإشراق واحد كان رمزا علي تقدم الجنس البشري فى طريقه إلي مرتبة البلوغ يمكن اعتبارهم من هذه الوجهة مظاهر التمهيد ليوم الأيام الذي فيه تزهر الأرض وتحمل شجرة الإنسانية ثمارها المنتظرة. ومع أن هذه الحقيقة ثابتة في ذاتها بما لا يقبل الجدل فأنها أيضا لا يمكن أن تطمس معالم الغاية التي يرمي اليها ولا أن تشوه المبدأ الذي تدعو إلية , إذ تقوم علي أساس بيانات بهاء الله ــ البيانات التي أدعمت وأثبتت بما لا يقبل الشك حقيقة الوحدة القائمة بين جميع الأنبياء الذي هو واحد منهم لا فرق في هذا بين من ظهر منهم في الماضي أو من يظهر في المستقبل . ومع أن كنه رسالة الأنبياء الذين تقدموا
بهاء الله يمكن معرفتها أيضا علي ضوء ما أسلفنا وأن درجة الوحي الذي هبط علي كل منهم كان يختلف بالضرورة باختلاف مستلزمات التطور التدريجي إلا أن مصدرهم العام وجوهر وحدتهم وحقيقة مطلبهم لا يجوز بأي حال، ومهما اختلفت الظروف أن يفهم علي غير حقيقته أو أن يشوبه إنكار.
فكافة رسل الله يجب أن ينظر إليهم بأنهم "يسكنون في سرادق واحد ويطيرون في سماء واحد. وينطقون بكلام واحد . ويدعون لأمر واحد" وانه مهما يكن مبلغ إجلالنا وتمجيدنا لدرجة الوحي الذي فاض علي البشر في هذا اليوم توّج سفر تطوره فأنه يجب أن تظل هذه الحقيقة ثابتة مستقيمة، ومبدأ لا يعتريه ضعف أو تغيير , وأساسا لأصول العقيدة البهائية , وأن ما يري من تفاوت في درجة الإشراق الذي أرسله كل واحد من مظاهر نور الله علي العالم , لا يجوز نسبته إلي وجود خاصية أو ميزة معينة لأحدهم تكون أعلا منها في الآخر وإنما ترجع نسبته في الواقع إلي تفاوت الاستعداد البشري وقابلياته الروحانية المضطردة في طريقه نحو البلوغ .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت