لماذا لم يفز زغلول النجار بنوبل؟

عادل صوما
2023 / 10 / 6

أعلنت الأكاديمية السويدية أسماء الفائزين بجوائز نوبل لسنة 2023، ومن بينهم عالمٌ من أصول تونسية. لم يفز زغلول النجار بهذه الجائزة حتى اليوم، رغم كل جهوده العلموقرآنية (علمية قرآنية)، كما يعتقد متابعوه ومريدوه بسبب كتاباته ومؤلفاته.
فلوروفورات عضوية
الفائز من أصول تونسية منجي باوندي، كيميائي أميركي وُلد سنة 1961 في باريس، وقضى طفولته المبكرة بين فرنسا وتونس، ثم قرر والده الهجرة إلى الولايات المتحدة، وكانت تلك الخطوة تمهيداً لما وصل إليه منجي اليوم.
حصل باوندي على الماجستير في الكيمياء من جامعة هارڤرد والدكتوراه من جامعة شيكاغو. وتركزت أبحاثه على دراسة الكمومية لأشباه المواصلات الغروية والفلوروفورات العضوية، ومشاريع بحوثه أربعة أقسام: التحليل الطيفي، والتحليل التجميعي، علم الأحياء، والأجهزة.
كما تهتم مؤسسة باوندي بالتطبيق البيولوجي للمواد النانوية وبحث الخلايا الشمسية والتحليل الطيفي للجزيء الواحد.
الفلك والطب
زغلول النجار كما يبالغ محبوه "عالم في علوم الأرض"، وهو لقب لم يحظ به أي عالم من قبل، ولا حتى فاروق الباز!
زغلول النجار مصري درس في كلية العلوم بجامعة القاهرة وتخرج فيها سنة 1955. كان جده إمام قرية، ووالده من حَفَظّه القرآن والأحاديث، ويروي زغلول النجار خرافة عن طفولته لا يقبلها سوى عقل قرائه وعقول البدائيين؛ إذا قرأ القرآن وأخطأ كان والده يرده في خطئه وهو نائم.
كيف يتقبل العقل تصحيح الخطأ وصاحبه نائم؟ سألت الطبيب الذي أجرى جراحة في دماغي منذ سنة بعد حادث سير عن هذا الأمر، فقال انه مستحيل، علماً أن هذا الجرّاح مرجع ومستشار جراحة المخ والأعصاب في جامعة ستاندفورد المرموقة.
ما رواه زغلول النجار هو بالضبط المنهجية التي سار عليها عندما حمّل معلومات من عصرنا لنصوص كُتبت منذ أربعة عشر قرناً، وفسّر كلمات من الزمن نفسه تفسيرات لم يعرفها ولم يقصدها كاتب النص نفسه، لأن كلمات مثل: ذرة وفلك وسموات على سبيل المثال، لها معانٍ مختلفة تماماً اليوم عن معناها منذ 1445 سنة، كما أن طب ذلك العصر معروف ومارسه كل من عاش فيه، وعدم الأمانة العلمية هي نسبه إلى شخص بعينه.
تنويم العقل باللغة السيميائية لتلقينه ما يريد صاحب السلطة وللتربح في الوقت نفسه، هما المهنة والمنهجية اللتيّن التزمهما وارتزق منهما زغلول النجار، وأصبح صاحب قصور في الإمارات ومصر، وحسابات بنكية محترمة عبر البحار. ناهيك عن استحالة نقد تفسيراته وترقيعاته، حتى لا يُعتبر الناقد مرتداً في أقصى الحالات، أو مزدرياً للإسلام.
الأرض والكون والإنسان والحيوان والماء والبرزخ والزمان والمكان والنبات وأسطورة الخلق، كلمات وردت منذ 1445سنة وحتى قبلها، كمفردات كانت تُستعمل في عصرها وفي سياق محدد، ولم يُقصد منها بتاتاً ما قاله زغلول النجار في كتبه. وقصة الخلق الأسطورية على سبيل المثال (بسبب مساحة المقال) أصبحت مستحيلة التصديق لتلامذة الثانوية في عصرنا، ما عدا تلامذة زغلول النجار وأمثاله، لعدم إمكانية خلق كل شيء وأي شيء مرة واحدة، كما يقول العلم.
هناك تطور حدث لكل موجود، والإنسان علمياً لم يُخلق مرة واحدة، بل انحدرت سلالاته السابقة عن انسان عصرنا من سلالات القردة العُليا، هكذا تقول الحفريات والعلوم.
ثم أن الكون نفسه لم يكتمل خلقه كما ورد في الأدبيات الإبراهيمية، فمن خلال التلسكوبات العملاقة يُشاهد الكون بوضوح وهو يخلق مجرات حتى اليوم وتختفي فيه مجرات، فهل الكون هو خالق نفسه بنفسه؟ هذه إشكالية.
أضف على ذلك تدخل الإنسان في ما هو موجود أو مخلوق، بدءاً من معرفة جنس الجنين قبل ولادته، مروراً بتدريب الحيتان وزراعة صمّام قلب خنزير في إنسان ليعيش أطول من عمره المدوّن في الكتاب المحفوظ، حتى زرع شريحة في دماغ قرد جعلته يمارس ألعاب الڤيديو، ويبدي سروراً بالغاً للعلماء المشرفين علي هذه التجربة العلمية (لم يقولوا عنها معجزة) وربما يتكلم القرد مثلنا غداً بشريحة مُعدّلة أكثر تطوراً.
وماذا بعد؟
منذ خمسة آلاف سنة حتى القرن الماضي، كان من مسلّمات المؤمنين بالأدبيات الإبراهيمية انها وحي إلهي مباشر أو غير مباشر. لكن العلم أثبت بالأدلة المحسوسة المرئية انها مجرد فروع لمرويات وأساطير حضارات البحر المتوسط، وبصمة حضارتي العراق ومصر القديمة واضحة بالأفكار والأساطير والخرافات والكلمات في هذه الأدبيات.
لا شيء من عدم ولا شيء يأتي مرة واحدة. ثم أين توجد كلمة مستقبلية مثل الجاذبية، أو إشارة إلى حركتي الأرض المختلفتين في دورانها حول الشمس في هذه الأدبيات؟
هل إله الأدبيات الإبراهيمية اقتبس من معتقدات حضارات البحر المتوسط؟ أم انه أوحى بها أيضاً إلى هذه الحضارات؟ هذه إشكالية ثانية!
القرد الأعلى
بدأ القرد الأعلى عندما أصبح إنسانا يتكلم ويدرك المجردات، يفسّر كل ما لا يفهمه برواية مجردة أو خرافية، ثم روى الأسطورة حين خلق الآلهة كأسباب مجردة لكل للمحسوسات وما لا يراه مثل الهواء. وبعد ذلك العصر حدثت المعجزة اليونانية، كما يقول أرنست رينان، وكانت الفلسفة الإغريقية خطوة أرقى لتفسير الوجود.
أزاحت الأديان الإبراهيمية كل التراث السابق عندما انتشرت وسيطرت، واختارت الرب دوناً عن آلهة أخرى كثيرة كما تقول كل الدراسات والوقائع والوثائق القديمة، والله نفسه قال في وصاياه: "أنا هو الرب إلهك لا يكن لك آلهة أخرى أمامي"، حتى وصلت البشرية إلى منعطف أرقى وأهم هو عصر الأنوار، وعلماؤه وفلاسفته وعلماء الاجتماع والمفكرون فيه جعلونا نعيش ما نراه من علم، وتمدين، وإنسانية، وقوانين، ودساتير، ودولة.
زغلول النجار وأمثاله ممن يتربحون من تحميل نصوص بما لم تعنيه، يخاطبون كائنات بشرية أُريد لهم سياسياً واجتماعياً وعقلياً وعقائدياً أن يظلوا كما هم عليه. والنجار وأمثاله ما يزالوا يعيشون ما قبل عصر الأنوار، بالتلاعب والترقيع وتحميل النص ما لا يحتمل، والمعضلة انهم أصبحوا عمالقة أثرياء أصحاب تأثير، بسبب رؤية غير صائبة من أهل عصر الأنوار رأت فيهم أملاً لصد الشيوعية، وما حدث كان العكس فمناطقهم (زغلول وغيره) أصبحت أكثر إلحاداً لكن مع لحى وحجاب وتزمت (منتهى التناقض)، وأراضي فلسفة الأنوار أصبحت عرضة لأفكارهم، وتحت سطوة عشوائياتهم التي تقطع طرق المؤسسات الدستورية والقانونية والتعليمية والعلمية لتحاول السيطرة عليها.
الكذبة نفسها
كالعادة سيقولون إن منجي باوندي عربي، تماماً كما حدث لكل الفلاسفة والعلماء في عصور الإسلام الأولى، رغم أنهم أعاجم. باوندي وُلد وترعرع وأصبح رجلا في دول أجنبية، سمحت له بيئاتها بالوصول لما وصل إليه، وأهلّته للتعامل بلغة ومفردات وعقلية العصر التي أظن أن زغلول النجار يتحاشاها تماماً عند التخاطب مع جمهوره للأسباب المذكورة آنفاً.
هل ثروة وشهرة العالم منجي باونجي تعادل مثيلتيها عند زغول النجار وغيره من (علماء)؟ الإجابة المؤكدة هي لا حتى يقود علماء حقيقيون أكثر من مليار نسمة إلى منعطف عصر أنوار جديد.
القرار سيكون سياسياً بعيداً عن كذبة إصلاح الخطاب الديني، لأنها تصب في مصلحة السلطان وفقهائه.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت