25 يناير، رد الاعتبار

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 10 / 4

بين وقفة عرابي، وثورة سعد، وحركة الضباط، وثورة التصحيح، ثم 30 يونيو، تقف 25 يناير على مسافة بعيدة، فريدة، تلامس ذرى لم يبلغها أي منهم. بل يمكن القول أنها تمثل روح الثورة الشعبية الحقيقية الأولى- وليست الأخيرة- خلال التاريخ المصري الحديث. لقد امتازت على كل ما سبقها وما تلاها في الروح والبنيان، في المقدمات والنتائج. وكانت الأصدق على الإطلاق تعبيراً عن هموم وأحلام المصريين، والأقوى والأنجح على الإطلاق في إزاحة مسببات همومهم ومعوقات أحلامهم. لكنهم، فيما يؤكد مدى نجاح ثورتهم، استيقظوا على كابوس من صنع أيديهم. لا يهم. لقد تعلموا أخيراً كيف يزيحون ويصنعون ويحكمون حكامهم. منذ آلاف السنين، الحكام يصنعون المصريين بالحديد والنار. لكن في هذه المرة بالذات- 25 يناير 2011- اكتشف المصريون لأول مرة خلال تاريخهم الأطول عالمياً الطريق إلى تشكيل خامة الحكام من فرن أوجاعهم وأمانيهم، حتى لو كانت نتيجة هذه المرة الأولى بالغة السوء. لا شك ستتحسن مع كل مرة قادمة.

25 يناير ليست تدبير أو صنيعة عسكري وطني، زعيم مصري، مجموعة أفراد، حاكم فعلي، أو حتى تجمع من مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية. هي تتفرد على كل ذلك بطهارتها من التدبير المسبق والصناعة المتقنة. هي انتفاضة بِكْر، بريئة وعفوية، ليست صرخة ألم وشكوى يجأر بها شخص أو مجموعة أو شريحة أو طبقة معينة. بل كانت صرخة كل المصريين، بكل أطيافهم وتياراتهم وتجمعاتهم المتماثلة والمتناقصة، من أقصى اليسار مروراً بالوسط إلى أقصى اليمين. أطلق شرارتها مجموعات صغيرة من الشباب الحالم شاغلي ذرى التعليم العالي والوظائف الراقية والسلم الاجتماعي، لتؤجج العواطف وتستنهض همم شاغلي أدنى الطبقات الاجتماعية المحرومين من التعليم والعمل ومقدرة الحياة الكريمة. وفي النهاية- تأكيداً لكونها أول ثورة مصرية حقيقية- سقطت في حجر الإسلاميين. أن تأتي 25 يناير بالإسلاميين إلى سدة الحكم، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك كونها ثورة جذرية وعميقة وشاملة، وناجحة حتى تلك اللحظة. ولماذا الإسلاميون بالذات؟ لأن الدين كان ولايزال هو الشغل الشاغل والمحرك الأول والملاذ الأخير للأغلبية الساحقة من المصريين الذين تُركوا لمصيرهم عبر عقود من العيش في الظلم والاستغلال والتضليل وغسيل المخ والجهل والبطالة والفقر والبؤس واليأس.

حُكِّم على أحمد عرابي بالنفي خارج الوطن، لكنه جَسَّدَ أول عودة للكبرياء والشخصية القتالية للعسكري المصري منذ أيام الفراعنة. ولم تفلح ثورة 1919 لا في الإطاحة بنظام الملك ولا في طرد المحتل الأجنبي، لكنها قدمت الدليل الدامغ على ما لدى عامة المصريين من قوة هائلة، التي إذا ما أوكلوها أو فوضوها بإرادتهم الحرة لنفر مُخلص منهم يستطيع أن يتحدى قوة ملك وقوة مندوب بريطاني مجتمعتين. وبينما نجحت حِفنة من الضباط الأحرار في 1952 فيما أخفقت فيه ثورة شعبية بزعامة كاريزمية ملهمة، لتخلع الملك وتطرد المحتل وتقلب هيكلية الدولة والمجتمع المصريين رأساً على عقب، إلا أن النظام الذي فرضوه طوال أكثر من 70 عاماً فشل فشلاً ذريعاً في فتح قنوات الاتصال والتغذية مع القاعدة الجماهيرية العريضة، لينشأ سداً منيعاً بين الطرفين وتصبح القبضة الأمنية ضرورة حتمية لبقاء النظام. وتدليلاً على ذلك، كان نظام الضباط هو ذاته الذي ثار ضده المصريون ونادوا بإسقاطه- ثم أسقطوه فعلاً- في 25 يناير؛ وحين عرض العسكريون أنفسهم للمرة الأولى لاقتراع الناخبين في 2012، لم يختارهم المصريون كما يتصورون ويروجون بل فضلوا عليهم الإسلاميين.

عندما يخلو الفضاء العام في الدولة من أي ممارسة حرة عدا تأدية الفرائض والعبادات اليومية، لا تتعجب أن يكون الدين خيار الناخبين الأول وأحياناً الوحيد إذا ما أُتيحت لهم فرصة الاختيار بنزاهة وحرية. هذه الفرصة لم تُتاح لهم أبداً إلا في 2012، وأتوا فعلاً بالإسلاميين إلى سدة الحكم. ومن هنا كان تفرد 25 يناير على كل ما عداه. كانت المرة الوحيدة في كل التاريخ المصري قديماً وحديثاً التي يمارس فيها عامة المصريين إرادتهم الحرة ويصنعون حكامهم بأصواتهم على صورتهم، مهما كانت بدائية ومتخلفة في نظر البعض. لكنها، لأول مرة، تعكس همومهم وهواجسهم وأحلامهم وأمانيهم الحقيقية. وهنا مكمن الخطر، كل الخطر، على كل الأنظمة التي ستحكم المصريين منذ تاريخ 25 يناير فصاعداً: لقد تذوق المصريون لأول مرة كيف يصنعون بأصواتهم حكاماً من لحمهم ودمهم. وحتى لو كان طعم ثمرتهم الأولى أَمّرُ من الحنظل، سيبقون متشبثون بالأمل أن تكون القادمة أفضل.

نعم، الحرية ستطلق الوحش الذي ظللنا نغذيه منذ أمد طويل. وحش يتمتع بقوى وطاقات جبارة، قادر على أن يُسقط ويُدمر كل ما يعترض طريقه ويعاند أهوائه وأوهامه وتطرفه، وليس أنظمة الحكم فقط. لكن، انظروا ماذا سنحرم أنفسنا إذا لم نروض ونضبط سلوك هذا المارد العملاق وأبقيناه في القمقم ولم نستغل طاقاته اللامحدودة!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت