‏‎المعادلة السياسية المشرقية في القرن العشرين : الحزب- الدكتاتور -القبيلة

مظهر محمد صالح
2023 / 10 / 4

‏‎ولِدت الاحزاب المشرقية المتوسطية ،سواء مابعد مرحلة (سايكس بيكو ) او حتى تلك التي اشتقت جذورها من التنظيمات العثمانية المتاخرة كالاتحاد والترقي ،بفكر شديد التلون وافد النمط يحاكي البنية الفوقية والتكوين الثقافي والموروث الفكري السياسي للامم الغربية . وهو تقليد ومحاكاة ابتدائية لانماط من التحزب افرزته المنظومة المركزية الراسمالية وجاء نتاج للصراع داخل دالة الانتاج الغربية المركزية بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج او البناء التحتي وتعقيدات الثورة الصناعية والاغتراب في المركز الاوروبي.
‏‎فالبحث عن تركزات الطبقة الوسطى او الطبقة العمالية البروليتارية قد ظلت تتلون بأيديولوجيات الامم الصناعية سواء في بناء التكوينات الفكرية الحزبية ام في التطلع الى نهج الدولة- الامة او النزعات الاممية، ولكنها تنتهي جميعها وهي باحثة عن مشتقاتها الطبقية من تكوينات جذورها القبلية الاساسية ،تحيطها عقائد دينية واعراف موغلة في القِدم وإرث خطير من البداوة السياسية .
‏‎فعلى الرغم من غياب المؤسسية الحزبية الحديثة التي تبقى عتلة الاختيارات ورافعتها العليا في توفير المجال الحيوي للحرية في بلداننا المشرقية بالتحديد وعبر تطبيقاتها ونماذجها في الديمقراطية السياسية الاكثر حداثة ، الا ان حالة التقلب وغلبة حالة من اللاستقرار الفكري ،عدت واحدة من المعضلات التي تواجها اليوم اوسع المؤسسات الاجتماعية تماسكا وعفوية (وهي المؤسسة الحزبية ذات النسيج المتبادل في صناعة مصالحها وصنع توازناتها في قاع البنية الفوقية )والتي تحظى افتراضاً باديولوجية تلقائية كصانعة للراي العام لبلوغ غاياتها في تخيلات تحقيق دولة الرفاهيةwelfare state .

وبلا ريب تعاني الانساق الحزبية المشرقية انفا من خطر قوامه -التفكك المؤسساتي والتشتت الايديولوجي المتصلب والمضاد لمصالحها المجتمعية نفسها، فبالرغم من الانموذج المشرقي للديمقراطية الذي عاشته الحياة الحزبية في فترات من القرن الماضي، ظلت هناك حالة من التفكك او تهشيم في بنيات تلك الانسجة المجتمعية السياسية التي تؤلف ميولاً حزبية والتي يمكن تسميتها مجازاً وبشكل ادق: قوى قاع البنية الفوقية 
‏superstructure bottom forces .
‏‎وهي في النهاية القوى الحزبية ذات المصلحة المنسجمة في التطلع الى مجتمع الرفاهية،ولكنها تمسي مستقطبة في صراع (القمم الامرة) في الهرم السياسي ذو المصالح المتضاربة والانسدادات الخطيرة التي افقدته درجة التماسك في مصلحته المجتمعية نفسها ،ونقصد هنا تحديدا ولادة ((طبقة وسطى هشه
‏ soft middle class )) تسكن قاع البنية الفوقية ايضا و امست خاضعة ومفككة لتناثر السلطات الحزبية الايديولوجية المتصارعة بينها (وهي ربما مقاربة اصطلاحية لمقولة المفكر الفرنسي الماركسي البنيوي لويس أولثوسير في موضوع السلطة الاديولوجية ولكنها هشة بسبب فقدانها لمنهج التنمية الاقتصادية وتصارعها لمصلحة اقتصاد الغنيمة).
‏‎فمع ضياع الحياة الحزبية وضياع نسيجها المجتمعي العفوي ( اي قوى قاع البنية الفوقية كما اشرنا ) خاضت بلدان المشرق انسدادين مزدوجين خطيرين في مكونات البنية الفوقية الكلية: ونقصد هنا ازمة بناء وتسيير الدولة سواء في قمة الهرم الفوقي بقواه السياسية الحزبية المتنازعة او في قاع الهرم الفوقي المجتمعي من -أشباه الطبقة المتوسطة الهشة.
فالمحصلة هي التسلق المجاني نحو حافات انموذج مشرقي شديد الهجينية سواء في ديمقراطيته المتلبسة بتاريخ طويل من الاستبداد الشرقي او في الانغماس بالغليان القبلي القائم على الغنيمة والغلبة والعقيدة ،والتوجه نحو مخاضات بناء ….دولة مشرقية هشة- oriental soft state .
وهكذا انتهت تلك الاحزاب وتهالكت على طوال سنوات القرن العشرين وعقوده بسيطرة دكتاتور او تجمع دكتاتوري عند تسلم السلطة في عموم دول المشرق سواء اكانت بالانقلابات العسكرية او احتواء اطراف الصراع الحزبي ليورث لنا ساحة صراع مجهولة، وهي نتاج عقد اجتماعي قام ومازال على موروث تاريخي يفرط على الدوام عقد الحلم الديمقراطي والفلسفة الحزبية و التماهي لمصلحة نشوء دكتاتور يبحث عن قبيلته ومعتقداته ومصادر غنيمته الريعية القائمة على ظاهرة الاستبداد الشرقي orental depestisim وليؤسس لمنظومته السياسية الفرعية الهوية ،دكتاتورية وافدة الثقافة عابرة للاحزاب .
انتهى
- [ ]

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت