(( جريمة )) الأحتفاء بالحرية والجمال

عبدالله عطية شناوة
2023 / 9 / 30

مربع طفولتي وصباي الأعظمية، وهي أحدى مدن بغداد الكبرى، كانت تنافس المدن الصغيرة في أمريكا وأوربا، في استهلاك أحدث المستجدات في عالم خطوط الموضة.

وغير بعيد عن ضريح الأمام الأعظم أبو حنيفة النعمان ابن ثابت ــ من لقبه استمدت المدينة أسمها ــ غير بعيد عن الضريح، في منطقة ((راس الحواش)) حيث صالة سينما الأعظمية، وحديقة النعمان، كانت حسناوات المدينة يتبارين في عرض مفاتنهن بأحدث الأزياء، بما فيها الميني جيب الذي فاجأ ((المعاظمة)) في أواخر الستينات. أما شباب الأعظمية فلم يتخلفوا عن ارتداء سراويل التشارلستون، ومن لم يطل شعر رأسه منهم فقد أطال سالفيه.

ولم يكن مظهر الشاب (( حسون الأمريكي )) بزيه المستوحى من أزياء ملك الروك اند درول ألفيس بريسلي، وكلبه الأنيق، يتجولان في شوارع الأعظمية، موضع استهجان، بقدر ما ينظر اليه كمنظر ظريف. وكان صبيان وصبايا المدينة يختلطون في نادي الأعظمية الرياضي الذي يتحول في الأعياد الدينية الى مدينة ألعاب، أو مدينة ملاهي حسب اللهجة المصرية، وكذلك النادي الأولمبي حيث تنصب فيه الأراجيح، لتتأرجح عليها الصبايا الجميلات، وتتأرجح معهن قلوب الفتيان العامرة بالدهشة والبراءة. وتنظم في الناديين فعاليات ترفيهية تتاح على هامشها للفتيان مغازلة الصبايا الفاتنات بعبارات لا تخدش الحياء مثل: (( يابا اش دعوة، تره أحنه هم حلوين مو بس أنتو )).

في تلك الأجواء وقبل كل موسم حج، كانت تغزو المدينة حشود ضخمة من الحجاج الأفغان، يفترشون باحات مسجد الإمام الأعظم والساحات المحيط به. وكان منظرهم بالزي الذي عرف لاحقا بأنه الزي الإسلامي، بالعمائم والذقون الطويلة يتصادم تماما مع طبيعة الحياة في الأعظمية.

وبعد الصفقة الأمريكية مع طالبان، وعودة صور الطالبانيين بتلك الهيئة الى ملئ شاشات القنوات التلفزيونبة الإخبارية تنبهت إلى أن الأجواء الراهنة في الأعظمية وخيارات الناس وتعبيرهم عن تلك الخيارات عبر المظهر والملبس لا تختلف كثيرا عن الأجواء الأفغانية التي كانت تصدمنا في صبانا. ولا عن الأجواء الطالبانية الحالية.

ما يؤلم حقا أن جيل الجدات المعظماويات الحالي، اللواتي تمخترن في مراحل صباهن في جنبات ((رأس الحواش)) وساحة عنتر، بالميني جيب، يشعرن الآن بالخزي من مسلكهن في تلك الأيام حيث تمتعن بحريتهن في الأحتفاء والأحتفال بحسنهن وجمالهن. ويعاقبن أنفسهن وبناتهن وحفيداتهن على ((جريمة الأحتفاء بالحرية والجمال)).

ألا يستدعي هذا البحث في أسباب هذا الأرتداد الحضاري، في الأعظمية وعموم العراق، خاصة وأنه يترافق مع منحى مماثل تفقأ تجلياته الأعين على أمتداد الخارطة الممتدة من من الشام لبغدان، ومن نجد الى عدن إلى مصر فتطوان، كما جاء في نص النشيد الذي حفظناه في طفولتنا، والذي كان يبدأ بعبارة: (( بلاد العرب أوطاني )) ؟؟؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت