الشاعرة العراقية المغتربة كولاله نوري : الحب قيمة حياتية عليا

محمد حسين الداغستاني
2023 / 9 / 29

حاورها : محمد حسين الداغستاني

كولاله نوري .. الشاعرة العراقية الكردية المغتربة ولدت في كركوك ونشأت فيها ، ثم إنتقلت إلى الموصل لإكمال دارستها ثم الى بغداد. سكنت فترة في عمان وبعدها تنقلت بين اكثر من دولة ،وهي مستقرة الان في الولايات المتحدة الامريكية. نالت شهادة الماجستير بدرجة امتياز عن رسالتها «رؤية الشعر الأمريكي والعراقي الحديث حول حرب العراق وهي تحليل سيكولوجي ومقارنة أدبية بين الشعراء الأمريكيين والعراقيين الذين كتبوا عن حرب العراق.
وكولاله عضو في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ومجلس وسام هوميروس الاوربي للشعر والفنون، في بروكسل منذ 2016. تحمل دبلوما في اللغة الروسية ونالت الدكتوراه في الترجمة الإنكليزية ، لها مجموعات شعرية عديدة بدأتها بمجموعتها الشعرية الأولى ( لحظة ينام الدولفين - 1999) .ثم( لن يخصكِ هذا الضجيج 2001) و(تقاويم الوحشة 2005) و(حطب2010)و (قبعات مكسورة 2016)
عن كولاله نوري الانسانة والشاعرة وعن نظرتها للحياة والشعر والحب والمهجر أجريت معها هذه المحاورة لتسليط الضوء على مبدعة أثارت نصوصها وشخصيتها وقناعاتها جدلا في أوساطنا الادبية. وما زالت مستمرة في رفد المشهد الشعري بنتاجها الابداعي.
س1 : يقول كافكا (راح عصفور يبحث عن قفص) .. هل أسس حلمك لمغادرة كركوك بل العراق كله وانت في بداية مرحلة النضوج لمديات صراع بين التوق للحرية بعيدا عن أسر المكان وبين معاناة الغربة واشكاليات التكيف . وهل كانت مدينتك معك في حقيبة سفرك الدائم ؟
مقولة كافكا لا تنطبق على بدايات تلمسي الحياة والشعر والوجود ولم يكن لدي اشكاليات التكيف مع عوالم جديدة من ناحية المكان او الثقافات لانني اتوق لكل ما هو غير متكرر. استلهم من البيئات والحضارات والثقافات الجديدة روح اضافية للكتابة ، والتامل وفكرة الوجود، ومعرفة لسايكولوجية النفس البشرية من ضمنها واولا نفسي . وليست لدي معاناة الغربة المكانية ،الغربة المكانية عشتها في الحقيقة وانا صغيرة في كركوك بسبب النظام العنصري الفاشي لحزب البعث وعمليات ترحيل الاكراد والاستيلاء على بيوتهم ثم الاصدقاء وصديقات المدرسة الذين كانوا يختفون فجأة مع عوائلهم كان ذلك يسبب لي حزنا ، وشعورا باللااستقرار ، لذا ليست لدي ذكريات جميلة في كركوك سوى مكتبتها العامة التي كانت تاخذني لعوالم اخرى من كتب وادباء وعلوم وفلسفة واديان.كنت مدمنة مطالعة واقضي الكثير من ايام العطلة المدرسية هناك. حين غادرت كركوك اصبحت لدي مدن كثيرة في حقيبة السفروحقيبة الذاكرة والقلب.احتاج عمرا آخر كي اتصفح فقط تلك الحقائب.لدي حالة دفاعية ضد الاحزان والخيبات ، ان اضعها على درج بعيد عن اليد والعين والاحساس ،قد تقع بين فترة واخرى بترابها امامي لكنني احاول قدر الامكان ان اكبت فضولي لمسح الغبارعنها اوفتحها .احيانا قليلة افشل في المقاومة.
2- هل تكتبين نصك الشعري دفعة واحدة أم تكررين العمل فيه مرات عديدة ؟
- الشعر كان موجودا في بيتنا وفي مكتبتنا الصغيرة .عائلتي كانت تحترم المبدعين في مجال الشعر هذا كأساس وكذلك اثناء قراءاتي الكثيرة منذ الصغر ، ومن ثم دور مجلتي الاطفال واليافعين (مجلتي) و(المزمار) في تاكيد انحيازي للشعر والادب بمواضيعها الجميلة والمهمة القريبة من اعمارنا حينذاك. وأيضاً دور مدرستي للغة العربية في المدرسة في كركوك حين كانت تسال من لديها رغبة او هواية لكتابة الشعر فشجعتني كثيرا وكانت تصحح لي اخطائي. أما عن كتابتي لنصوصي فإني اكتبها دفعة واحدة وكانني انقلها من مِرآة أمامي وما .يبقى لاحقا سيكون للمراجعة البسيطة
تجديد المفردة الشعرية
س3 الإرتقاء بمخزون الذاكرة عبر إحداث تغيير جوهري في اللغة الشعرية للابتعاد عن التكرار في محتوى وشكل النص يتطلب جهدا مضافا يقترن بالوعي لأهمية وظيفة الشعر وديمومة تأثيره . كيف تتصدين لهذا التحدي ، بمعنى كيف تتعاملين مع فكرة تجديد المفردة الشعرية في نصك ؟
- الذاكرة لا تحدث تغييرا جوهريا في اللغة الشعرية ـ الزمن الحاضر او لحظة كتابة القصيدة والمكان والحدث والفكرة ومدى توفر حرية التعبير في زمن ومكان الكتابة ـ وطبعا المطالعة المستمرة والثقافات الجديدة التي تكتسبها بحكم حياتك المختلفة ، كل تلك المعطيات تساهم في تغيير اللغة الشعرية . والمحتوى يتغير أيضا حسب الاحداث والاشخاص التي تدهشك او تستفزك للكتابة. لست مقتنعة ان للشعر وظيفة مؤثرة او فعّالة . انا اكتب لأتنفس وكي اقول لهواجسي " لست وحدكِ ، انا هنا معك." لذا ارى الان ان الشعر والشعراء يعملون في دائرة مغلقة .
لم اتعامل مع كتابة الشعر ومفرداته هكذا، اترك المفردات على راحتها تخرج مني بشوق لتتحرر ، قد ترقص او تبكي او تنعس او تركض وقد تخفف الوطأ . استطيع القول انني اهتم بالصورة الشعرية اكثر من المفردة فانا لست فقيهة ولا بقاموس. والصورة الشعرية تكون متكاملة تقريبا حين اكتبها ، انا لا اجيد الصناعة اجيد التقاط الصورة الشعرية في نظرة واحدة .
س 4. وقفة مع قصيدتك (وصيتي الى مْغسًلة الموتى) رأيتها جريئة جدا تكشف عن دواخلك بوضوح صادم وهي مثقلة بالدلالات الصورية التي تختصر نظرتك للحياة والموت ، إنها متتالية المعاني ترمز للرفض والتمرد والتحرر من اسر العقائد وتلغي قيم الاسرة والمجتمع الذي ولدت فيه و كأنها ولدت في رحم أزمة نفسية .. هل أنها نضح الواقع الراهن أم انها جاءت تعبيرا عن قناعاتك الفكرية الثابتة في الحياة ؟
- ذكرت في جوابي السابق انا لا اجيد الصناعة والتصنع واترك الصورة الشعرية تقدم نفسها بالاطار المناسب لها ، لذلك فهي ليست لها علاقة بقصدية التمرد على قيم الاسرة والمجتمع ، قصديتي بالذات في تلك القصيدة هي كتابة وصية شعرية ، مع تمردي فعلا لمعظم العادات والتقاليد المضرة لصحة العقل، والعمل للعيش بروح انسان متحرر فكريا ونفسيا من اذرع اخطبوط المجتمعات المحبطة للعطاء الابداعي والفكري . بالنسبة لولادتي ، فليست لدي ولادة واحدة ولكوني ولدت في احد المجتمعات بالصدفة فهذا لا يعني ان اصبح عبدا لذلك المجتمع .اضافة الى ذلك من قال لك انني ولدت مرة واحدة ؟ أنا ولدت حقا عشرات المرات في مسيرة حياتي وعشت طرق حياتية مختلفة ، اصبحت لدي قيمي الخاصة لاسرتي الصغيرة التي تناسب جميع افرادها وبموافقتهم معي طبعا . الاسرة التي يولد الفرد فيها تتوزع افرادها مع الوقت في اسر مستقلة لهم قوانينهم واتفاقياتهم بينهم للعيش معا .وهي في معظم الاحيان تختلف عن الاسرة الجذر . اما العقائد فهي بالنسبة لي نظريات . المطلوب برهانها .والطرق التقليدية للعقائد تخنقني .
س 5 تتكلمين بعدة لغات غير لغتك الاصلية وتستقرين في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات ، لكنك في النهاية اخترت الكتابة باللغة العربية ولك عدة مجموعات شعرية بها ، ألا تسبب الكتابة بغير لغة الأم لك إشكالاً ذهنياً ؟
- في بدايات كتاباتي كنت اكتب باللغتين الكوردية والعربية، لكن مطالعاتي كانت كثيرة جدا باللغة العربية اضافة الى ان الدراسة مراحل المدرسة كانت بالعربية. درست الكوردية في المدرسة لسنة واحدة ثم منعت اللغة الكوردية في المدارس في كركوك ، وبما ان الشعراء والكتاب الكورد كانوا معظمهم معارضين وكتبهم ممنوعة في كركوك. لذا كنا نتعرض لدهم المنازل من قبل قوات الامن ايام النظام السابق واذا حدث وان وجدوا كتابا لهؤلاء المعارضين ستكون مشكلة كبيرة وقد ندخل السجن من اجل كتاب .لذلك ركزت وانفردت بالمطالعة باللغة العربية وبالتالي الكتابة بها بطبيعة الحال ومكتبة البيت كانت مليئة بالكتب العربية من قصص وشعر . اللغة العربية لغة ساحرة تأخذك بعيدا عن القوميات والسياسات والتفرقة . مطالعاتي بالانكليزية او دراستي للغة الروسية اضافت الكثير للغتي الشعرية في الحقيقة ولم اجد اي اشكالية ذهنية نتيجة ذلك .وقد نصحني الكاتب الكبير القاص جليل القيسي في بداياتي ان استمتع باللغات التي اعرفها لأنها تخلق خلطة ذهنية وحسية دافعة للابداع ولا يجب ان تسبب لي الحالة التشتت .وقدعملت بنصيحته .
س6 : في نصك الشعري وربما في الحياة الواقعية كيف تتناولين الحب ، أهو قيمة رومانسية عليا أم أنه مجرد نزوة عاطفية تعالج بالمنطق والعقل بعيدا عن القلب ؟
- لم انظر للحب او العاطفة ابدا كنزوة ، النزوة تسقط من قيمة الحب والعاطفة . الكلمتان نزوة وحب لا يمكن ان تجتمعان او تصفان حالة واحدة بعينها ، النزوة انت تضحك على نفسك وعلى الاخر اذا اسميتها حبا . الحب قيمة حياتية عليا وليس قيمة رومانسية فقط .
س 7: أين تجدين نفسك في خضم الشعر وهل حققت خلال مسيرتك الطويلة ما كنت تطمحين إليه ؟
- اجد نفسي غارقة في قصائد الحياة ، نعم حققت معظم ما كنت اطمح اليه ولدي تصالح مع ذاتي واسلوب حياتي وتاريخي الانساني والشعري .
س8 : في جملة مختصرة قولي للقراء من هي كلالة نوري الآن ؟
- كولالة نوري : محاربة منتصرة رغم الخسارات . الانتصار يحول الخسارات لأوسمة

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت