إثنان زائداً إثنين يساوي عشرة! السرد كأداة لتعزيز قوة الثقافة التشاركية في عالم ما بعد الحداثة..

حكمت الحاج
2023 / 9 / 28

إثنان زائداً إثنين يساوي عشرة!
السرد كأداة لتعزيز قوة الثقافة التشاركية في عالم ما بعد الحداثة..

لا ينجح البعض لأنهم أكثر ذكاءً من الآخرين، بل لأنهم يعملون معًا بطريقة أكثر ذكاءً. إنهم يستغلون طريقة بسيطة وقوية يمكن من خلالها لمجموعة من الأشخاص العاديين إنشاء أداء يتجاوز بكثير مجموع أجزائهم المفردة. فالكل لا يساوي مجموع الأجزاء، بل يتجاوز ذلك. هذا الكتاب، "شيفرة الثقافة" لمؤلفه الباحث والخبير الإعلامي الأمريكي دانيال كويل "The Culture Code" by Daniel Coyle من منشورات دار راندوم هاوس، ولم يترجم للعربية بعد، هو قصة كيفية النجاح في الحياة والعمل عبر هذه الطريقة.
يبدأ المؤلف كتابة باقتباس تعريفي لكلمة "ثقافة"، فهي مدار هذا الكتاب الذي حاز مرتبة الأكثر مبيعا لسلسلة نيويورك تايمز لعام 2019 كالتالي: إن كلمة "ثقافة" آتية من الجذر اللاتيني كولتوس، والتي تعني حرفيا "العناية".
ففي عالم سريع التغير تبدو الثقافة الناجحة وكأنها سحر، إلا أن الحقيقة هي أنها ليست كذلك. الثقافة هي مجموعة من العلاقات الحية التي تعمل على تحقيق هدف مشترك. "إنه ليس شيئًا أنت عليه. إنه شيء تفعله".
ثم ينغمس كويل في فكرة أن الثقافة ليست شيئًا يمكن تعريفه أو قياسه بسهولة. إنها شبكة معقدة من القيم المشتركة والمعايير والسلوكيات التي تشكل الهوية الجماعية للمجموعة. ويشدد على أن الثقافة ليست فقط التعبير عن ما هو معلن صراحة أو مصوت أو مكتوب، بل عن الإشارات الدقيقة والإشارات التي تؤثر في كيفية تفكير وتصرف الأفراد داخل المجموعة.
في فصل مقدمة الكتاب المعنون "عندما يكون مجموع اثنين واثنين يساوي عشرة" من كتاب "شيفرة الثقافة"، يقدم الكاتب دانيال كويل الأرضية لاستكشاف قوة الثقافة في المؤسسات والمجموعات والفرق العاملة، مشيرا إلى مفهوم "الثقافة" بوصفها القوة الخفية التي تشكل سلوكنا ومعتقداتنا وتفاعلاتنا داخل المجموعة البشرية.
يبدأ الفصل بحكاية جذابة تسلط الضوء على أهمية الثقافة. يروي كويل قصة مجموعة من منتسبي قوات البحرية الأمريكية المعروفة بتنظيمها الغامض (SEALs) الذين تم تكليفهم بمهمة تبدو مستحيلة. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتهم، فقد تمكنوا من إكمال المهمة بنجاح بفضل فريق العمل الاستثنائي والثقة الراسخة بينهم. تعتبر هذه الحكاية مثالاً قوياً على كيفية قدرة الثقافة القوية على تمكين الأفراد من تحقيق نتائج استثنائية. ثقافة المجموعة هي واحدة من أقوى القوى الناعمة على هذا الكوكب، يقول كويل. نحن نشعر بوجودها داخل الشركات الناجحة، وفرق البطولات، والعائلات المزدهرة، ونستشعر عندما تكون غائبة أو سامة. يمكننا قياس تأثيرها على النتيجة النهائية. ومع ذلك، تظل آليات العمل الداخلية للثقافة غامضة. وهذا الكتاب الذي يحمل عنوانا ثانويا هو "أسرار الجماعات الفائقة النجاح"، يروم كشف اللثام عن هذا الغموض.
يقول المؤلف اننا نريد جميعًا ثقافة قوية في منظماتنا ومجتمعاتنا وعائلاتنا. ونحن نعلم جميعا أنها تؤتي أكلها في ميدان الممارسة، لكننا لا نعرف تماما كيف تعمل هذه "الثقافة". ويعزو المؤلف ذلك إلى طريقة تفكيرنا في الثقافة. فنحن نميل إلى التفكير في الأمر باعتباره سمة جماعية، مثل الحمض النووي. إن الثقافات القوية والراسخة مثل ثقافات "غوغل"، و "والت ديزني"، و"امازون" وقوات "البحرية الامريكية"، تبدو متفردة ومميزة لدرجة أنها تبدو ثابتة، ومقدرة بطريقة ما. وفي طريقة التفكير هذه، تعتبر الثقافة ملكية يحددها القدر. تتمتع بعض المجموعات بموهبة الثقافة القوية؛ البعض الآخر لا يفعل ذلك، ودائما مع دانيال كويل.
يلقي هذا الكتاب نظرة داخل آلية عمل الدماغ لنرى كيف يتم بناء الثقة والانتماء. على طول الطريق، سنرى أن كونك ذكيًا هو أمر مبالغ فيه، وأن إظهار القابلية للخطأ أمر بالغ الأهمية، وأن كونك لطيفًا ليس بالأهمية التي قد تعتقدها. علاوة على ذلك، يستكشف كويل مفهوم "إشارات الانتماء" ودورها في تعزيز ثقافة إيجابية. و إشارات الانتماء هي الإشارات الصغيرة وغالباً ما تكون غير مدركة التي تعبر للأفراد عن قيمتهم وانتمائهم داخل المجموعة. يمكن أن تتراوح هذه الإشارات من ابتسامة بسيطة أو توجيهة رأس تعرفية، إلى إيماءات أكثر أهمية مثل الاستماع الفعال والتعاطف. يؤكد كويل أن إنشاء بيئة غنية بإشارات الانتماء أمر ضروري لبناء ثقافة قوية تعزز التعاون والابتكار.
في كتابه "شيفرة الثقافة"، يستكشف دانيال كويل قوة الثقافة في تشكيل المؤسسات والفرق والقروبات الناجحة. يؤكد كويل أنه على الرغم من أهمية الموهبة والمهارات، إلا أن الثقافة داخل المجموعة هي التي تدفع حقًا الأداء العالي والإنجاز.
ثم يشرح كويل أن الثقافة ليست شيئًا يورث أو يمنح للمجموعة ببساطة، بل هي شيء يمكن بناؤه وتنميته بشكل متعمد. يقدم مفهوم "إشارات الانتماء"، وهي إشارات غامضة تخلق شعورًا بالأمان والانتماء داخل المجموعة. تلعب هذه الإشارات، مثل النظر في العينين، والقرب، والطاقة، دورًا حاسمًا في تعزيز ثقافة إيجابية.
علاوة على ذلك، يؤكد الكاتب على أهمية القادة في تشكيل والحفاظ على ثقافة صحية. إذ يسلط الضوء على دور القادة في وضع توقعات واضحة، وتقديم الملاحظات، وخلق بيئة تشعر الأفراد بالتمكين لاتخاذ المخاطر وتقديم وجهات نظرهم الفريدة.
طوال الكتاب البالغ حجمه 284 صفحة، يستعين كويل بأمثلة من مجموعة واسعة من القطاعات والمؤسسات، بما في ذلك الفرق الرياضية والشركات والمدارس، لتوضيح قوة الثقافة في دفع النجاح، ويقدم استراتيجيات عملية ورؤى قابلة للتنفيذ يمكن للقراء تطبيقها في مؤسساتهم الخاصة لخلق ثقافة التميز.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استكشاف كويل للمهارات الثلاثة الرئيسية التي تسهم، حسب رأيه، في خلق ثقافة قوية، وهي: -بناء الأمان، ومشاركة الضعف، وتحديد الغرض- أمر يثير التفكير. إنه لا يشرح هذه المهارات بالتفصيل فحسب، بل يقدم أيضًا تقنيات عملية لتنفيذها، مما يجعل من هذا الكتاب ليس مجرد تكديس معلوماتي بقدر ما هو دليل مهني قابل للتطبيق أيضًا.
لا يخلو كتاب من هنات ونقاط ضعف، كما يقال، خاصة في ثقافتنا العربية. فكما نظرنا إلى نقاط القوة في الكتاب، من المهم أن نلاحظ بعض المجالات التي يمكن توجيه النقد اليها، على الأقل من زاويتنا كقراء لهذا الكتاب المهم، ولو من بعيد.
أولاً، على الرغم من أن كويل يقدم العديد من الأمثلة، قد يجد بعض القراء أن بعض القطاعات ممثلة بشكل زائد عن الحد، مما يقيد قابلية الكتاب لجمهور أوسع. كان من المفيد أن يتم تضمين مجموعة أكثر تنوعًا من الدراسات والحالات لتلبية احتياجات القراء من خلفيات مختلفة، وخاصة قراء العالمين الثاني والثالث.
ثانيا، على الرغم من أن أسلوب كتابة كويل جذاب بشكل عام، إلا أن هناك بعض الحالات التي يصبح فيها المحتوى متكررًا. يتم تكرار بعض المفاهيم عدة مرات في جميع ثنايا الكتاب، مما يمكن أن يكون مملاً بالنسبة للقراء الذين يبحثون عن رؤى جديدة. كان من الممكن أن يكون نهجًا أكثر اختصارًا في هذه الأقسام لتعزيز تجربة القراءة العامة.
ثالثا، إن استكشاف كويل لدور القادة والقيادة في تشكيل الثقافة التنظيمية أمر جد مثير للإلهام. فهو يؤكد على أهمية القادة في تحديد النغمة ونمذجة السلوك المرغوب داخل المنظمة. ويقدم المؤلف أمثلة على قادة ناجحين نجحوا في إنشاء ثقافة تتسم بالثقة والتعاون والابتكار. من خلال تسليط الضوء على أفعال واستراتيجيات هؤلاء القادة، يقدم رؤى قيمة للقادة الطموحين الذين يرغبون في تحقيق تأثير إيجابي على ثقافة مؤسساتهم.
جانب آخر ملفت للنظر في كتاب "شيفرة الثقافة" هو التركيز الذي يوليه مؤلفه لقوة "السرد". يشرح دانيال كويل كيف يمكن استخدام "السرد" كأداة لتشكيل وتعزيز الثقافة التنظيمية التشاركية. من خلال مشاركة قصص تتوافق مع القيم والسلوكيات المرغوبة، يمكن للقادة إنشاء سرد مشترك يعزز الثقافة ويعزز الانتماء بين الموظفين. يقدم كويل نصائح عملية حول كيفية صياغة ومشاركة قصص مقنعة تلامس الموظفين وتلهمهم لتجسيد ثقافة المنظمة او المؤسسة.
علاوةً، يتعمق كويل في مفهوم الأمان النفسي وتأثيره على الثقافة التنظيمية. ويشرح كيف أن إنشاء بيئة يشعر فيها الأفراد بالأمان لارتياد المخاطر والتعبير عن آرائهم والاعتراف بأخطائهم هو أمر حاسم لتعزيز الابتكار والنمو. يقدم كويل استراتيجيات للقادة لتنمية الأمان النفسي داخل فرقهم، مثل تشجيع التواصل المفتوح والاستماع الفعال لأفكار الموظفين وتقديم ملاحظات بناءة. هذه الرؤى ذات قيمة خاصة في مشهد عالم الأعمال السريع التغير اليوم، حيث القدرة على التكيف والإبداع ضرورية للنجاح.
وبالرغم من هذه الانتقادات الطفيفة، يبقى كتاب "شيفرة الثقافة" مصدرا لا يقدر بثمن لأي شخص مهتم بفهم وتحسين الثقافة التشاركية. يجعل البحث الواسع الذي قام به كويل والاستراتيجيات العملية وأسلوبه الجذاب هذا الكتاب قراءة ضرورية للقادة والمديرين والأفراد الذين يسعون لخلق ثقافة إيجابية ومزدهرة داخل مؤسساتهم. وعلى الرغم من بعض المجالات التي يمكن تحسينها في الكتاب، فإن نقاط القوة العامة تفوق أية انتقادات طفيفة. "شيفرة الثقافة" لمؤلفه دانيال كويل هو قراءة لا غنى عنها لأي شخص مهتم بكشف قوة الثقافة في تحقيق النجاح.
.........
* ينشر هذا المقال بالتعاون مع مجلة كناية الرقمية الثقافية المستقلة، وموقع الحوار المتمدن. كل الحقوق محفوظة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت