من أجل ثقافة جماهيرية بديلة 56

عبدالرحيم قروي
2023 / 9 / 28

الحقيقة الغائبة لشهيد العلمانية الدكتور فرج فوذة
الحلقة التاسعة
نحن هنا أمام نموذج ونماذج ، ومثال وأمثلة ، وتركة وتركات ، وأمام مؤشر خطير لما حدث للمسلمين ، وأمام نذير خطير لما سيحدث لهم ، فالدين والدنيا لا يجتمعان معاً إلا بشق الأنفس ، وجمع المال على هذا النحو لا يستقيم مع نقاء الإيمان وصفاء السريرة إلا بجهد مجهد وجهيد ، وقول الرسول عن ابن عوف أنه يدخل الجنة حبواً يطرق الأذهان في عنف ، فغنى عبد الرحمن وثروته يثقلان خطوه إلى الجنة ، ولا لوم ولا تثريب على المسلم إن أثرى كما يشاء ، وأدى حق الله في ماله كما يحب ، لكن ميزان كبار الصحابة ليس كميزان غيرهم ، فهم أثقل من غيرهم بالزهد ، وأجدر من غيرهم بالخصاصة ، وقد عهدناهم حين هاجروا من مكة قبل ذلك بسنوات لا يملكون غير ملابسهم ، ويبيتون على الطوى سجداً خاشعين ، وكانوا في الميزان أغنى الأغنياء ، لكن الزمن قد دار إلى غير عودة ، وما ضر المقبل على الثروة أن يقبل على الحكم ، فهما وجهان لعملة واحدة هي الدنيا المقبلة ، وسوف يأتي على خليفة بعد عثمان ، وسوف يكون الخليفة الحق في الزمان الخطأ ، وسوف يحدث له ما حدث ، لأنه لابد أن يحدث ، غاية ما في الأمر أنه كانت هناك جذوة من العقيدة ما زالت مشتعلة ، أبقت حكمه قرابة الخمس سنوات ، ولم يكن له أن يتساءل مستنكراً : أعصى و يطاع معاوية ؟ فالتساؤل على مرارته مجاب عليه : نعم يا أبا الحسن ، تعصى لأنك على دين ، ويطاع معاوية لأنه على دنيا ، فكما تكونوا يول عليكم ، وقد كان القوم أقرب إلى معاوية منك ، ولم يكن لهم أن يصبروا عليك وأنت تحاول إدارة العجلة إلى الخلف ، إلى الزمن السعيد والصحيح ، فليس لها أن تدور إلا حيث تريد لها الرعية أن تدور ، وإذا كان أصحابك قد أقبلوا على الدنيا هذا الإقبال ، أتنكر أنت على الرعية أن تقبل هي الأخرى آخذة منها بنصيب ، ساعية إلى من ييسر لها ما ترضاه ، ويتألف قلوبها بما أنست إليه ، وتألفت معه ، وأقبلت عليه ، وأدبرت أنت عنه .
هون عليك يا أبا الحسن ، فسوف يأتي بعدك بسبعين عاماً من لا يستوعب درسك فيحاول ما حاولت ، ويقضى بأسرع مما قضيت ، سوف يأتي عمر بن عبد العزيز ، ولن يستمر أكثر من سنتين وثلاثة أشهر ، وسوف يموت دون الأربعين ، مسموماً في أرجح الأقوال مخلياً مكانه ليزيد بن عبد الملك ، شاعر المغاني والقيان ، عاشق سلامة وجبابة ، وأول شهداء العشق والغرام في تاريخ الخلفاء ، كما سنروى للقارئ بعد قليل .
وسوف يأتي بعد عمر بن عبد العزيز بقرن ونصف ، خليفة عباسي اسمه المهتدى بالله يحاول أن يحتذي حذوه فيأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويزهد في الدنيا ، ويقرب العلماء ، ويرفع من منازل الفقهاء ، ويتهجد في الليل ، ويطيل الصلاة ، ويلبس جبة من شعر وسوف يكون مصيره كما ذكر المسعودى : ( فـثـقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة الواضحة فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه وعملوا الحيلة حتى قتلوه ، ولما قبضوا عليه قالوا له أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها ؟ فقال : أريد أن أحملهم على سيرة الرسول وأهل بيته والخلفاء الراشدين ، فقيل له : إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، وأنت إنما رجالك تركي وخزرى ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم في أمر أخرتهم وإنما غرضهم ما استعجلوه من هذه الدنيا ، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة ؟ ) .
وقد قتل المهتدى بعد أقل من أحد عشر شهراً من خلافته ، واختلف في قتله ، فذكر البعض أنه قتل بالخناجر ، وشرب القتلة من دمه حتى رووا منه ، ( ومنهم من رأى أنه عصرت مذاكيره حتى مات ، ومنه من رأى أنه جعل بين لوحين عظيمين وشد بالحبال إلى أن مات ، وقتل خنقاً ؟ كبس عليه بالبسط و الوسائد حتى مات ) ، لا تحزن يا أبا الحسن ولا تغضب ، فزمانك لا شك أعظم من زمن من يليك ، وحسبك أن عهدك كان فيصلاً أو معبراً إلى زمان جديد ، لا ترتبط فيه الخلافة بالإسلام إلا بالاسم ، ولا نتلمس فيها هذه الصلة بين الإسلام والخلافة ، إلا كالبرق الخاطف ، يومض عامين في عهد عمر بن عبد العزيز ، وأحد عشر شهراً في عهد المهتدى وخلا ذلك دنيا وسلطان ، وملك وطغيان ، وأفانين من الخروج على العقيدة لن تخطر لك على بال ، وربما لم تخطر للقارئ على بال ما نقلوه إليه كان ابتساراً للحقيقة ، وإهداراً للحقائق ، وانتقاصاً من الحق ، وإذا كان الشيء يذكر يا أبا الحسن ، فدعنا نقص على القراء ما راعك وما سيروعهم ، وما أفزعك وما سيفزعهم ، وسوف ننقله إليهم موثقاً بالرسائل ، تلك التي تداولتها أنت وابن عمك وأقرب الناس إليك ، عبد الله بن عباس ، حبر الأمة وبحرها ، وأحد أكثر من نقلت عنهم أحاديث الرسول ، وواليك على البصرة ، أعظم الأمصار وأجلها خطراً ، ولعلك يا أبا الحسن كنت تتوقع أن تسمع عن عبد الله بن عباس أي شئ إلا ما سمعت ، حين أتتك من صاحب بيت المال في البصرة ( أبو الأسود الدؤلى ) رسالة ينبئك فيها أن ( عاملك و ابن عمك قد أكل ما تحت يده بغير علمك ) .
ولعلك يا أبا الحسن لم تصدق ، ولعله لم يكن أمامك إلا أن ترسل لعبد الله بن عباس مستفسراً ، متمنياً أم يحصحص الحق فيسفر عن بياض صفحته ، وهو خطابك إليه مختصراً : " أما بعد ، فقد بلغني عنك أمر ، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك ، وأخربت أمانتك ، وعصيت إمامك ، وخنت المسلمين : بلغني أنك جردت الأرض وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إلى حسابك واعلم أن حساب الله أشد من حساب الناس " .
ويأتيك يا أبا الحسن " أما بعد ، فإن الذي بلغك باطل ، وأنا لما تحت يدي أضبط وأحفظ ، فلا تصدق على الأظناء ، رحمك الله ، والسلام " .
رد كأنه إحدى رسائل التلكس في أيامنا الحاضرة ، وهو رد لا يغنى من جوع ، ولا يسمن من شبع ، فعلي قد طلب حساب بيت المال ، فلم يظفر من ابن عباس إلا بنفي التهمة وبالسلام ، وما عليه إلا أن يعاود الكرة ، موضحاً ما يطلبه ، مؤكداً عليه ، محاولا استثارة النخوة الدينية لديه ، ولنقرأ خطاب علي :
" أما بعد ، فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية ، ومن أين أخذته ، وفيما وضعت ما أنفقت منه ، فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك حفظه ، فإن المتاع بما أنت رازئ منه قليل ، وتبعة ذلك شديدة ، والسلام " .
لم يعد الأمر اتهاماً ينفيه ابن عباس ، بل طلباً واضحاً ومحدداً ، ومطلوب من ابن عباس أن يجيبه ، وهو أن يكتب له ( كشف حساب ) يوضح في جانب منه موارده من الجزية ، وفي الجانب الآخر أوجه الإنفاق .
والحقيقة أن ابن عباس قد أجاب ، وهو في إجابته لم يذكر شيئاً عن موارده وإنفاقه ، وإنما تقدم بالخصومة بينه وبين علي خطوة واسعة ، ورد عليه اتهاماً باتهام ، فعلي يتهمه باغتصاب المال ، وهو يتهم علياً بسفك دماء الأمة من أجل الملك والإمارة ، وهكذا جريمة بجريمة ، بل أن جريمة علي ( هكذا قال وهكذا أفتى ) أعظم عند الله من جريمته التي لم ينفيها أو يعتذر عنها ، ولنقرأ معاً رسالة عبد الله بن عباس إلى علي ( أما بعد ، فقد فهمت تعظميك على مرزئة ما بلغك أني رزأته أهل هذه البلاد ، والله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها ، أحب إلى من أن ألقاه وقد سفكت دماء الأمة لأنال بذلك الملك والإمارة . فابعث إلى عملك من أحببت " .
استقالة أسبابها غير مقنعة ، ضرب علي عند قراءتها كفاً بكف ، مردداً :
" وابن عباس لم يشاركنا في سفك هذه الدماء ؟ " ولو رمى ابن عباس باستقالته تلك واكتفى ، لآخذناه على ما جاء فيها ، ولبررناها بغضبه من اتهام ظالم وجسيم ، أطلق منه نوازع الغضب وانفعالات الثورة ، فكتب ما كتب تحت وطأة الغيظ وفي ظل انفعال من يتهم وهو برئ ، لكنه فعل بعد كتابة هذا الخطاب ما لم يخطر لعلي على بال ، وما لا يخطر للقارئ على بال ، وما لا سبيل إلى نجاته من وزره أمام الله ، وأمام علي ، وأمامنا جميعاً ..
لقد جمع ما تبقى من أموال في بيت المال ، و قدره نحو ستة ملايين درهم ، ودعا إليه من كان في البصرة من أخواله من بنى هلال ، وطلب إليهم أن يجيروه حتى يبلغ مأمنه ففعلوا ، وحاول أهل البصرة مقاومتهم وناوشوا بنى هلال قليلاً ، ثم أقنعوا أنفسهم بترك المال عوضاً عن سفك الدماء ، ومضى ابن عباس بالمال ، آمناً ، محروساً ، قريراً ، هانئاً ، حتى بلغ البيت الحرام في مكة ، فاستأمن به ، وأوسع على نفسه ، واشترى ثلاثة جوار مولدات حور بثلاثة آلاف دينار ..

صدمة هائلة ، لا لعلي فقط ، بل لنا جميعاً ، نحن الذين عشنا عمرنا نقرأ عن فقه العباد له ، وزهد العباد له ، وورع العباد له ، ( يقصدون عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ) ، فإذا بنا نحارفهما ، ونمسك ألسنتنا غصباً أمام أشهر العباد له ، ونخشى أن نصف فعله بما يستحق فلا ننجو من الألسنة الحداد ومما هو أكثر ، لكنا يجب أن لا نكون أرفق ببعض الصحابة من أنفسهم ، ولا أقل من أن نصفهم بما وصف بعضهم به بعضاً ، وحسبنا أن علياً أوجز رأيه في ابن عباس بأنه ( يأكل حراماً ويشرب حراماً ) وليس لنا إلا أن نقول مع علي :
صدقت إن صدق ما قلت وحدث ما فعل ، بل أننا نتساءل ومعنا كل الحق ، هل الاستيلاء على أموال المسلمين بالباطل حلال على مسلم لكونه عاصر الرسول أو الخلفاء أو الصحابة ، حرام علينا لأننا جئنا في عصر بعد العصر ، وعاصرنا زماناً غير الزمان ؟ ، هي حرام عليهم بقدر ما هي حرام علينا ، بل هي حرام عليهم أكثر ، لأنهم يعرفون من الدين أكثر ، ومتفقهون فيه أكثر ، ولأنهم الأئمة والمنارة ، فإذا فسد الأئمة فمن أين يأتي الصلاح ؟ ، وإذا أظلمت المنارة فبمن نسترشد ؟
ولعلي قبل أن أستطرد في الحديث ، وللحديث بقية ، أتذكر أن أحد أعضاء تنظيم الجهاد ، ممن اغتالوا الرئيس السادات في المنصة ، كان مشهوراً عنه أنه يكحل عينيه ، وعندما سئل ، قال تأسياً بابن عباس ، ولعله لو قرأ ما قرأناه عنه ما تأسى به وما أكتحل مثله ، واقرأوا معي رسالة علي لابن عباس ، بعد أن استقر في مكة ، هانئاً بين جواريه ، قانعاً بأموال المسلمين
( أما بعد ، فأني كنت أشركتك في أمانتي ، ولم يكن في أهل بيتي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليّ . فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب ، والعدو عليه قد حرب ، وأمانة الناس قد خربت ، وهذه الأمة قد فتنت ، قلبت له ظهر المجن ، ففارقته مع القوم المفارقين ، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين ، وخنته مع الخائنين ، فلا ابن عمك آسيت ، ولا الأمانة أديت ، كأنك لم تكن لله تريد بجهادك ، أو كأنك لم تكن على بينة من ربك ، وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد عن دنياهم أو تطلب غرتهم عن فيئهم ، فلما أمكنتك الغرة أسرعت العدوة ، وغلطت الوثبة ، وانتهزت الفرصة ، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزي الهزيلة وظالعها الكبير ، فحملت أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر ، تحملها غير متأثم من أخذها ، كأنك لا أباً لغيرك ، إنما حزت لأهلك تراثك عن أبيك وأمك ، سبحان الله !
أفما تؤمن بالمعاد ولا تخاف سوء الحساب ؟ أما تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً ؟ أو ما يعظم عليك وعندك أنك تستثمن الإماء وتنكح النساء بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم البلاد ؟ فاتق الله ، وأد أموال القوم فإنك والله إلا تفعل ذلك ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك حتى آخذ الحق وأرده ، وأقمع الظالم ، وأنصف المظلوم ، والسلام ) .
خطاب يقطر دماً ، ولو استقبله ابن عباس بقلب فيه ذرة من إيمان لخشع وتاب ، ورجع عن فعله وأناب ، لكنه يرد مستخفاً في سطرين لا أكثر فيقول ( أما بعد ، بلغني كتابك تعظم على إصابة المال الذي أصبته من مال البصرة ، ولعمري إن حقي في بيت المال لأعظم مما أخذت منه والسلام ) .
هذه المرة يأتي الرد سافراً ، نعم أخذت ، لكنه حقي ، بل إن حقي فيه أكثر ، أي حق ؟ وبأي حق ؟ وهل لعبد الله بن عباس في بيت مال المسلمين حق أكثر مما لرجل من المسلمين ؟
هذا ما تساءل به علي في رده على هذا الخطاب ، وهو رد بليغ وحزين لا أريد أن أشغل به القارئ فأزيده حزناً فوق حزن ، لكني أنتقل به فجأة إلى رد ( برقى ) آخر من ردود ابن عباس ، حسم به النقاش ، وأنهى به الجولة ، وختم به حديث الدين والعقيدة ، مهدداً بسطوة الدنيا وسيفها ، وسلطانها وزيفها ، قائلاً لابن عمه علي :
" لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به " .
وهكذا أصبحت الموعظة الحسنة أساطير لدى عبد الله بن عباس ، وأصبحنا نحن في حيص بيص كما يقولون ، نضرب كفا بكف ، ونتساءل في مرارة ، هل نأتمن على ديننا من لم يؤتمن على دنيانا ؟ .
يتبع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت