من أجل ثقافة جماهيرية بديلة54

عبدالرحيم قروي
2023 / 9 / 26

الحقيقة الغائبة لشهيد العلمانية الدكتور فرج فوذة
الحلقة السابعة
فها هو يولى عمار بن ياسر على الكوفة ، ثم لا يلبث أن يتبين أن صلاح الدين لا يعنى بالضرورة صلاح الدنيا ، وأن للحكم ميدانه وللسياسة فرسانها ، وليس بالضرورة أن يكونوا رجال الدين وفرسانه ، فيعزل عمار ، ويولى أمثال المغيرة بن شعبة ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان ، ويرفض أن يولى أباذر معلناً أمامه أن به ضعفاً ، وأن الضعيف لا يولى مهما ارتفع في سلم العقيدة درجات ، فهذه ساحة وتلك ساحة ، إن اجتمعتا – ونادراً ما تجتمعان – فهو الكمال ، وإن افترقتا – وغالباً ما تفترقان – فلكل ساحة رجالها ، ولكل ميدان فرسانه ، فرجال السياسة أجدر بالحكم ، ورجال الدين أحفظ للعقيدة ، غير أن أعظم ما تركه عمر لنا ، هو ذاته أكثر ما تجنبه اللاحقون ، وما ارتعدوا عند ذكره ، ناهيك عن الإقدام عليه ، ونقصد به الاجتهاد ، ذلك الذي بدأنا حديث عمر بذكره وما تميز عمر فيه عن الجميع ، حين اجتهد -كما ذكرنا – مع وجود النص القرآني ، وبالمخالفة له ، وقدم في تبرير ذلك حجة رائعة ، ما أجدر المنغلقين في زماننا أن يقفوا أمامها بالتأمل طويلاً ، وما أجدرنا بأن نذكرها لهم تفصيلاً ، عسى أن تتسع لها قلوبهم ، ويتعلموا منها أن العقل قد يسبق النقل ، وأن التفكير لا بد وأن يسبق التكفير ، ولعلنا نسائلهم مداعبين قبل أن نعرض عليهم ما نعرض ، ما حكمكم إذا ذكرنا لكم دون تخصيص أو تفصيل أن حاكماً مسلماً ، لدولة مسلمة ، قد أفتى بمخالفة نص قرآني مع علمه به ، وطبق قاعدة مختلفة معه ومخالفة له ، وأفتى بجواز مخالفة النص ذاكراً أن واقع الحياة قد تجاوزه ، وأن المنطق لم يعد يستقيم معه ، ولعلنا متصورون ، بل ومتأكدون من الإجابة ، ولعلنا أيضاً هاتفون بهم حنانيكم ، تمهلوا قليلاً ، وتحسبوا كثيراً ، فنحن نتحدث عن عمر بن الخطاب ، وهاكم النموذج كما يسرده عالم جليل ، في كتاب من أهم وأرقى ما كتب في السنوات الأخيرة . أما العالم فهو الدكتور عبد المنعم النمر وأما الكتاب فعنوانه ( الاجتهاد ) وأما القاعدة التي نتحدث عنها فهي خاصة بسهم المؤلفة قلوبهم وهاكم ما كتبه الدكتور النمر: ( سهم المؤلفة قلوبهم وهو سهم قد نص عليه القرآن ما كتبه القرآن الكريم في آية توزيع الزكاة " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم " التوبة / 60 وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيهم – وهم كفار – أو ليسوا على إسلام صحيح صادق بل متأرجحين ، ليتألف بالعطاء قلوبهم – وطالما استعبد الإنسان إحسان – فيكفوا عن المسلمين شرهم ، وليكسب ودهم أو لسانهم ، وربما حبهم وإسلامهم ، يروى سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال : " أعطاني رسول الله وإنه لأبغض الناس إليّ ، فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلى ". وسار أبو بكر رضى الله عنه في خلافته على ما سار عليه الرسول ، حتى جاءه عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، فسألا أبا بكر : يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخه ليس فيها كلأ ، ولا منفعة ، فإن رأيت أن تعطيناها ؟ فأقطعهما أبو بكر إياها ، على أنهما من المؤلفة قلوبهم ، وكتب لهما كتاباً بذلك ، وأشهد عليه ، ولم يكن عمر حاضراً ، فذهب إلى عمر ليشهد ، فعارض عمر ذلك بشدة ، ومحا الكتابة . . فتذمرا وقالا مقالة سيئة ، قال لهما : " إن رسول الله كان يتألفكما ، والإسلام يومئذ قليل ، وإن الله قد أغنى الإسلام . اذهبا فاجهدا جهدكم لا يرعى الله عليكما إن رعيتما " . والشاهد هنا ، أن عمر أوقف حكماً كان مستقراً في أيام الرسول ، وجزء من خلافة أبي بكر ، بناء على اجتهاد له ، في سبب إعطاء هؤلاء حيث اعتبر أن السبب الآن غير قائم ، فلا داعي للإعطاء ، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ، كما عرفنا فعمر رضى الله عنه ، لم يقف جامداًً عند حدود النص وظاهره ولا حدود الفعل ، بل غاص إلى سببه وعلته ، وحكم اجتهاداً منه في فهم الحكم ، على ضوء ظروف الإسلام ، حين صار قوياً في غير حاجة إلى تأليف قلوب هؤلاء .. كلام منطقي ، وواضح ، وصريح ، يترتب عليه سؤال منطقي ، وواضح ، وصريح أيضاً ، مضمونه : هل يجوز لنا أن نتأسى بعمر فنعطل نصاً ، أو نجتهد مع وجوده ، ويصل بنا الاجتهاد إلى مخالفته ، إذا انعدمت علته أو تغيرت أسبابه ؟ سؤال صعب ، وإجابته خطيرة ، وتداعيات إجابته أخطر ، ليس على الإسلام ، بل على قلوب عليها أقفالها ، وعقول تعرف الضبة وتنكر المفتاح ، غير أنا نلمح في أذهانهم طوق نجاة ، قد يتشبثون به ، وهو قولهم بأن ذلك قد يجوز ، إن تشابهت الحالة أو تماثلت مع ما سبق دون أن ينصرف ذلك إلى قواعد الدين وتعاليمه الواضحة ، مثل الحدود الثابتة بيقين في نصوص القرآن ، ولعلنا بهذا القول نتفاءل كثيراًَ ، ونتوقع منهم ما لا نعرفه عنهم قياساً على تجربة سابقة لنا معهم ، لكن ما ضرنا إن تفاءلنا ، وما خسراننا إن أحسنا الظن ، وما أجدرنا بأن نسحب منهم طوق النجاة ، وأن نحيلهم في ردنا عليهم إلى مثال آخر لاجتهاد عمر ، عطل فيه حداً من الحدود الثابتة ، وهو حد السرقة ، إذا كان السارق محتاجاً ، ثم أوقف تنفيذه في عام المجاعة ، وجدير بنا قبل عرض هذا الاجتهاد ، أن نرد على بعض من ادعوا التفقه ، وأزعجهم اجتهاد عمر ، فأفتوا بما يخالف الحقيقة ، ظناً منهم أن أحداً لا يقرأ ، أو أن الغاية تبرر الوسيلة . ومثال ذلك ما ذكره الأستاذ الحمزة دعبس في حواره مع وزير مغربي ، وهو حوار منشور في جريدة النور ، التي يرأس الأستاذ الحمزة تحريرها ، حين سأل الحمزة الوزير ، محاولاً إحراجه ، عن سبب عدم تطبيق الحدود الشرعية في المغرب ، فكان رد الوزير أن تعطيل الحد اجتهاد ، وأن لذلك سابقة تتمثل في تعطيل عمر لحد السرقة في عام المجاعة ، فرد عليه الأستاذ الحمزة على الفور ، بلغة الواثق من علمه ، " إن عمر لم يطبق حد السرقة ، لأن المبلغ المسروق كان أقل من النصاب " ، والحقيقة أن الواقعة التي عطل فيها عمر الحد ، والتي وردت في " الموطأ " للإمام مالك ، كانت تتعلق بسرقة ناقة ، وهي ما يفوق النصاب كثيراً ، بل ما يتناوله البسطاء في أحاديثهم عندما يتندرون فيقولون : إن سرقت فاسرق جملاً ، دلالة على ضخامة حجم السرقة وجسامته . والمثال الثاني ما يتردد كثيراً على ألسنة بعض الفقهاء ، وفي مقالات بعض الكتاب ممن يسمون أنفسهم بالإسلاميين من أن عمر لم يعطل الحد ، بل أقام شروطه ، لأن من هذه الشروط توفير الحد الأدنى للمعيشة والمعاش ، وردنا على ذلك يسير ، ورأينا فيه أنه مغالطة واضحة ، لأن جميع ما توافر أمام عمر وقت أن أجتهد ، لم يكن يزيد عن أمرين :
* أولهما : نص قرآني صريح واضح قاطع بقطع اليد في السرقة دون ذكر لأية شروط . * وثانيهما : سنة قولية وفعلية نقلتها لنا كتب الأحاديث الصحاح وراجعناها جميعاً فلم نجد إلا اختلافاً حول تحديد النصاب أي الحد الأدنى لقيمة ما يسرق ، فتقطع اليد في مقابله ، ولعلنا نضيف إلى علمهم تصحيحاً ، وإلى معلوماتهم تصحيفاً ، فنذكر لهم أن ما اختلط في أذهانهم ، هو الشروط التي ذكرها الفقهاء بعد عمر بحوالي قرن أو قرنين ، وهي شروط عديدة تمثل اجتهاداً منهم لمسايرة ما واجهوه من ظروف الحياة وهي متغيرة ، بنصوص الشريعة وهي ثابتة ، وكل ذلك أتى بعد عمر بكثير ولم يكن عمر في اجتهاده مقتفياً أثر الشافعي أو أبى حنيفة ، وإنما كان العكس هو الصحيح ، وكان اجتهاد عمر في هذه الواقعة هو الذي فتح باب الاجتهاد لهم ، وهو الذي قنن لهم شرطاً فأضافوا شروطاً ، ولنقرأ معاً ما أورده الدكتور النمر في كتابه ( الاجتهاد ) بشأن هذا الاجتهاد من عمر : ( عدم إقامة الحد على السارق : وهذا اجتهاداً جديد في إقامة الحد ، اجتهد عمر في ألا يقيمه بعد ثبوت السرقة على السارقين .. ووجوب الحد عليهم ، في الحضر لا في السفر ، ولا في الغزو . فقد روى مالك في الموطأ ، أن رقيقا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة ، فانتحروها ، فأمر عمر بقطع أيديهم ، ثم أوقف القطع ، وفكر في أن يعرف السبب الذي من أجله سرق هؤلاء فلعلهم جياع ، وجاء حاطب فقال له عمر ، إنكم تستعملونهم ، وتجيعونهم والله لأغرمنك غرامة توجعك ، وفرض عليه ضعف ثمنها ، وأعفى السارقين من القطع لحاجتهم .. ولم يقف عمر بهذا عند ظاهر النص جامداً ، بل غاص إلى ما وراءه ، ووجد أنه لا يقام حين يكون السارق في حاجة تلجئه إلى السرقة ، كما قال لحاطب : " لولا أنكم تستعملونهم و تجيعونهم ، حتى لو وجدوا ما حرم الله لأكلوه ، لقطعتهم " . وعمر بهذا وضع أساساً لعدم تطبيق الحد على المحتاجين الذين تحدث عنهم ، وهي وجهة نظر جديدة في تطبيق الآية : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ، نكالاً من الله . . "
المائدة / 38
راعى فيها عمر علة القطع وظروفه ، ودار مع العلة ، وإن أدى ذلك إلى تخصيص النص أو ترك ظاهره – كما قال المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى ، وهذه النظرة هي التي حملته على إيقاف حد السرقة أيضاً عام المجاعة ، كما حملته على إيقاف الحدود في السفر مثل ما فعل حذيفة أيضا فأوقف الحد على شارب الخمر ، وقال : " تحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطعمون فيكم ؟ " .
وقد أصدر عمر أمره إلى قواده ألا يجلدوا أحداً حتى يطلعوا من الدرب راجعين ، وكره أن تحمل المحدود حمية الشيطان على اللحوق بالكفار ، وهو لم يوقف الحد وإنما أجله لظروف ، حتى تزول هذه الظروف ، وهذه كلها اجتهادات لأحكام جديدة ، لم تكن قبل ذلك .. وفيها ظاهرة مخالفة لما كان في أيام الرسول وأبي بكر ) .
يتبع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت