حين لا يكون للكلام معنى: مراكز الكلام

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 9 / 25

حتى يكون للكلام معنى، يجب أن يكون مؤهلاً للخوض في الحدث أو القضية أو المسألة موضوع الكلام بهدف الإلمام بها توطئة لطرح رؤى معالجتها بقدر ما تسمح الظروف. لا معالجة ممكنة لأي أمر من دون رؤية ما تنشأ من معرفة ودراسة مسبقة. لكن لكي تتبلور هذه الرؤية، يجب أن يستوفي المشاركون في الكلام شرطاً ضرورياً حتى يستطيعون اكتساب المعرفة حول المشكلة، تمهيداً لتكوين الرؤية الموصلة للحل. لابد أن يكون المتبادلون لأطراف الحديث والرأي متساوون في مراكز الكلام.

كلام المصاطب:
في هذه النوعية من الكلام يتوفر الشرط الأساسي لصحة الكلام واكتسابه للمضمون والقيمة وابتعاده عن قطب الكلام الفارغ. لماذا؟ لكون المشاركون فيه متساوون بدرجة كبيرة في مراكزهم الكلامية، بمعنى أن أي منهم لا يملك المقدرة أو الصلاحية لإسكات أي واحد آخر يجلس بجانبه على المصطبة. وبالتالي، تصبح المصطبة منبر مساواة لا يميز مداخلة أي أحد على الآخر، بصرف النظر عن وجاهة أو تفاهة القضايا المطروحة للنقاش، أو صواب أو خطأ الحلول المقترحة. ويندرج ضمن هذه النوعية من الكلام في الوقت الحاضر معظم الكلام المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتنقسم هذه الأخيرة إلى فئتين: جماهيرية ومتخصصة. غير أنها في الحالتين تستوفي الشرط الضروري واللازم لصحة الكلام ووجاهته، لكونها مثل المصاطب توفر إلى حد بعيد المساواة في مراكز الكلام بين المشاركين فيه، بصرف النظر عما إذا كانت المسألة المطروحة تتعلق بذيل فستان ممثلة مشهورة أو بحث عن كوكب المريخ.

كلام المنابر:
هو كلام فوقي، ذو اتجاه واحد من أعلى لأسفل من دون قناة ارتجاع. ويقدم الزعماء الدينيين والسياسيين المثال الأبرز على هذه النوعية من الكلام غير الصحيح- لأنه لا يستوفي شرط تساوي المراكز الكلامية- رغم ما قد يحمله أحياناً من مضمون وقيمة عظيمة الأثر في حياة الناس والشعوب. في الواقع، مثل هذا الكلام من طرف واحد لا يهدف إلى الإلمام بظاهرة ما ودراسة أبعادها وبلورة رؤية ما للتعامل معها؛ بل هو ذو جوهر إملائي وفرضي لوجهة نظر واحدة ومقررة سلفاً على العامة، عبر وسائل الإقناع والاستمالة، التخويف والترهيب، أو حتى ممارسة العنف المباشر.

كلام القاعات:
حتى يكون الكلام تحت القبة صحيحاً (قانونيا)، لابد أن تتوفر للمشاركين فيه المساواة في مراكزهم الكلامية (القانونية). وبالتالي، لا يتمتع رئيس المجلس أو نوابه أو أي أحد آخر تحت قبته بصلاحية كلامية (قانونية) أكبر من الآخر. لابد أن يكون صوت كل واحد منهم مساوي بالكامل لصوت الآخر. ويندرج تحت هذه النوعية من الكلام المجالس النيابية المحلية والوطنية والبرلمانات المنتخبة، ومجالس الإدارات لمعظم منشآت ومنظمات المجتمع المدني غير الربحية، ومعظم ورش العمل وجلسات النقاش والبحث العلمية...الخ.

كلام الغرف المغلقة
في هذا الكلام، تقتصر المصلحة وبالتالي حق المشاركة على المجتمعين أو المتآمرين خلف الأبواب المغلقة. وفيه ينتفي شرط تساوي المراكز الكلامية، التي تحل محلها المراكز المصلحية- بمعنى أن المراكز الكلامية تتقرر على أساس نسب أو حصص المصلحة أو المجازفة في القضية موضوع الكلام. وتتوفر أوضح الأمثلة على هذه النوعية من الكلام في مجالس إدارات الشركات الهادفة للربح وجماعات المصلحة الخاصة والمغلقة مثل منظمي الانقلابات ومدبري الجرائم والعمليات الإرهابية...الخ.

لكن الملاحظ والمؤكد لا شُبهة فيه، أن أنظمة الحكم الشمولية والاستبدادية تعمل دائماً على اختراق كل ساحة للكلام الصحيح وتفريعها من مضمونها عبر وسائل متعددة مثل الذباب الإلكتروني أو الحجب أو استعمال النفوذ. وبالتالي، تُجَيِّر لمصلحتها حتى كلام المصاطب والدردشة الاجتماعية، وتفرغ المجالس النيابية والبرلمانات من أي مضمون كلامي صحيح عبر استعمال النفوذ أثناء وبعد عملية الانتخابات. وفي النهاية، لا يتبقى في مثل هذه الدول صدى سوى لكلام المنابر يتردد كنعيق الغربان من فوق أطلالها، أو مؤامرات تُحاك في عتمة الليل طمعاً في سلطة أو ثروة شخصية أو لتنفيذ مخطط إجرامي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت