ليس للبروفيسور من يواسيه

علي دريوسي
2023 / 9 / 23

قبل أسبوعين كنت أسال نفسي سراً:
"لماذا لا يموت أحد زملائي الأساتذة في الجامعة أو يمرض مرضاً يمنعه من القيام بواجباته؟".
وجاءني الرد سريعاً.

كنت أمشي في شارع التسوُّق الرئيسي في المدينة برفقة صديقتي. فجأة قلت لها: "انظري هناك إلى ذاك الرجل على الرصيف المقابل أمام المقهى، إنه زميلي البروفسور ديتلِف". خطوات قليلة ثم أرى زميلي الآخر البروفسور راينر قادماً من مكتبه على دراجته الهوائية باتجاه محطة القطار عائداً إلى منزله. "اِلتقى الزميلان" تقول صديقتي. نظرت حيث أشارت، اعتذرت منها لبرهة وتوجهت إليهما لإلقاء التحية. كانا عابسين حزينين. وكي لا أبادر بإلقاء نكتة أو الضحك أو فتح موضوع ما، سارع ديتلِف لسؤالي: "ألم تسمع بما حدث صباح اليوم!؟" أجبت: "في الحقيقة لم أقرأ بريدي الإلكتروني بعد، هل هناك ما يستحق أن أعرفه؟" أجاب وقد برزت رعشة خوف على سمات وجهه الستيني ونظرة انكسار في عينيه: "لقد توفي الزميل هربرت بالسكتة القلبية".

تعود أصول زميلي هربرت إلى الألمان الرومانيين وكان في طفولته قد غادر مع أسرته قريته في رومانيا ليستقر الحال بهم في ألمانيا الغربية. طيبته وتواضعه من الصفات الإيجابية التي تميز شخصه وهذا يعود إلى منبته القروي، طباع القرية الرومانية لا تختلف كثيراً عنها في أي بلد عربي. لم يكن هربرت في منتصف عقده السادس بالشخص البخيل وإنما بالحريص، كانت ملابسه تفضح ذوقه القروي الذي لم يتخلص منه خلال حياته الطويلة في المدينة، حتى أنه لم يحلق شاربيه أبداً. كان مدخناً شرهاً وفي كل الأوقات، جيوب جاكته أو حقيبته اليدوية لا تخلو من حبّات البونوبون والعلكة بنكهات متعددة، ليزيل أو يخفف بها رائحة تدخينه في زمن قلّ فيه المدخنون، وكان يستطعم النبيذ الأحمر الجاف في المساءات والسهرات، وكان أكله خفيفاً. رغم انتقادات الطلاب لأسلوبه في تقديم محاضراته وعدم رضاهم إلا أنه لم يهتم لذلك، ليس ظاهريا فقط وإنما داخلياً وإلا لكان قد اتخذ خطوات وإجراءات محددة لتصحيح وتحسين مسار محاضراته. كان مهذباً مع الجميع ملتزماً بالاجتماعات الأكاديمية ويبدو مندمجاً مع من حوله.

في لحظات حميمية خلال السهرات الأكاديمية المشتركة وبعد أن يكون قد انتشى قليلاً بفعل النبيذ والسجائر يفتح حقيبته اليدوية المصنوعة من الجلد الأصلي ويريني بعض صور عائلته: مثلاً صورة تجمع خمسة أولاد بأعمار متباينة ووجوه وعيون وبشرات لا تشبه بعضها، صورة ثانية يظهر هربرت فيها مع إمراة ألمانية قوية الشخصية وبدينة في مثل عمره، يقول عنها هذه هي "أغنيس" رفيقة دربي وشريكة حياتي، لا تجمعهما علاقة زواج ولا يعيشان في البيت نفسه ولا في المدينة نفسها، في الحقيقة حصل أن اِلتقيت صديقته هذه في إحدى الحفلات المسائية التي رعتها الجامعة وتأكد لي بالدليل القاطع بأنها حقاً إمرأة متسلطة متماسكة لكنها اجتماعية ومحبوبة، ما زلت أذكر كيف قمعته ذاك المساء حين رغب بتطويل فترة خروجه من القاعة بسبب رغبته في تدخين سيجارة ثانية بعد أن دخّن الأولى وهي إلى جانبه يومها قالت له دون إحراج "عليك ن تستحي مما تفعله، أعد السيجارة إلى الباكيت ودعنا نعود إلى طاولتنا"، خطر لي أن أسأله وفعلت "هل الأولاد في الصورة هم أولادكم؟" وجاء رده التوضيحي "لا، كل الاولاد صاروا خارج البيت، هذا وأشار إلى صبي في الصورة تبنيناه سوية، وهذه تبنيتها مع زوجتي السابقة، وهؤلاء الثلاثة هم نتاج زواجي السابق"، أعتقد أنه لم يكن مقتنعاً بما قاله ـ وهذا حقه ـ وأنا بدوري خجلت أن أكون وقحاً وأتابع أسئلتي التي قد تحرجه إذ أن الأولاد لا يشبهونه إطلاقاً.

أعتقد أنه لم يكن سعيداً أبداً وبأنه كان يعيش حياتين متناقضتين في الوقت نفسه. شيء ما بل أشياء كثيرة كانت تشغله على ما يبدو. لعل ما كان يشغله هو أنه ما زال على قيد الحياة وما زال يدخّن سجائره شاكراً لقوى الغيب التي أنقذته من موت محتم. فقد تعرّض صديقي هربرت لحادث سيارة مريع على الأوتوستراد، صدمته شاحنة كبيرة أدت إلى طيران سيارته الصغيرة فوق السيارات العابرة بسرعات جنونية ودورانها حول نفسها لتصطدم بحاجز حديدي ثم لتهبط في منتصف الطريق المعاكس متهالكة وما هي إلا ثوان حتى تمكن هربرت من فتح باب سيارته وخروجه منها آمناً دون رضوض.

يقول هربرت بأنه كان مسافراً في هذا اليوم للتسوق في مدينة "روبن هايم" الفرنسية على حدود ألمانيا، كان يدخن في سيارته ويستمع إلى موسيقى كلاسيكية، حين رنّ هاتفه كانت صديقته "أغنيس" على الخط، سألته من باب الفضول أين هو الآن، فأجابها على الأوتوستراد، وحين أردفت "ماذا تنوي" أجابها مداعباً "ذاهب إلى حتفي"، لحظتها امتعضت "أغنيس" من مزحته الثقيلة وأغلقت التلفون في وجهه دون كلمة وداع. قال لي هربرت، البروفيسور الحكيم الهاديء ظاهرياً المشتعل داخلياً دون أثر لدخان أو رائحة اشتعال" "غالباً ما يرغب الإنسان في السفر إلى حتفه بكامل الإرادة و الوعي نادراً ما تفرمله الأرواح الطيبة عن تحقيق رغبته". وهو يعترف بفخر بأن أرواح الأولاد البيضاء التي تبناها هي من أنقذت حياته هذه المرة.

بعد هذه الحادثة بدأ هربرت يفكر جدياً بالتوقف عن التدخين. كان قد قرّر سابقاً مراراً أن يتخلّى عن السيجارة، لكنه لم يفلح، بالأحرى لم يرغب. وكانت السيجارة سبباً لمشاحنات كثيرة مع صديقته "أغنيس" التي ترهبها كلمات مثل: مرض، موت، معالجة كيميائية .. كان يعتذر منها بلطف ويقول: "كيمياء الفرح لا تلج رأسي ولا تتغلغل في مسامات جسدي دون سجائري وقهوتي السوداء".

ذات يوم بدأ هربرت يفكر جدياً ـ مستعيناً بقرض بنكي ـ بشراء بيت صغير كي يتخلى عن دفع الأجرة الشهرية التي تعيق الإنسان عن الحركة باتجاه الأمام، الأجرة الشهرية في ألمانيا تشعرك بأنك غريب، فقير، أنك من عالم آخر، أنك مؤقت في هذه الأرض، أما أن تشتري أربعة جدران فهذا يعني أنك قطعت شوطاً هائلاً في هذا البلد وأنك بدأت تنتمي إليه فعلاً وقولاً، جسداً ومالاً. قالت أغنيس: "فكرتك هذه هي فرصتك للانقطاع عن تعاطي السجائر، عليك باستثمارها، قرض البنك ليس بالأمر السهل، عليك أن توفّر مالك".

حين اشترى شقته لم يتوقف عن التدخين، كان البناء قمة في الحداثة، مبنياً بحسب أفضل النواظم العالمية، كانت رائحة النظافة تعبق في أرجاء شقته. قالت أغنيس: "سأنتقل للسكن معك إن توقفت عن التدخين".

عندما دخل إلى غرف شقته الجديدة، راح يدخن نشوة، دخّن شهراً شهرين ثلاثة أربعة، قالت صديقته أغنيس: "أليس حرام عليك أن تدخن في هذه الشقة الجميلة، هل تعلم ماذا سيحصل بجدران شقتك إذا ما بقيت تدخن؟ ستصفر، سيتغير لونها ليس بعيداً. انتبه لشقتك لقد كلفتك كل شيء تملكه أو ستملكه لمدة عشرين عاماً". حاول هربرت أن يكتسب عادة التدخين على البلكون كما يفعل المدنيون، فعلها مرة أو ثلاث لكنه لم يستطع الاستمرار في ذلك، لم يتذوق الطعم الحقيقي للسجائر، قال في نفسه: "هذه جدراني الأربعة، ملكي، وأنا حرّ ما أفعل في داخلها".

انتهت امتحانات الفصل الدراسي الشتوي ودخلنا في بداية الربيع، في العطلة الانتصافية. الساعة الثالثة ظهراً، أنهى هربرت إشرافه على امتحانه الأخير، ها قد أنهى هربرت عمله الجاف الشائك الذي يستلزم منه التواجد في الجامعة، أنهاه وشعور بالغثيان ينتابه، شعور بالعقم، باللاجدوى، خاف من الوقوع في المرض. هل سمعتم عن تلك الحالة التي يمرض الإنسان فيها بعد يوم على الأغلب من حصوله على إجازة واستحقاقه لها؟ قد يحدث ألا يمرض شريطة تتويج مدخل عطلته بخبرٍ عظيم أو فعلٍ كبير يفتت غمائم التعب ويحولها إلى سعادة تتسبب في هطول دموع المرض. وصل هربرت إلى بيته، شغّل غلاية القهوة، ذهب إلى الحمّام للتبُّول، عاد وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، نظر إلى صور أفراد عائلته الموزعة على حيطان غرفة الجلوس الكبيرة، ابتسم بحب وحنان، أحضر فنجان قهوته، وقف في منتصف الغرفة يرقب عشرات الكاميرات المتوضعة على رفوف صممها لهذا الغرض، هوايته المفضلة هي شراء الكاميرات القديمة وصيانتها، جلس مقابل شاشة كومبيوتره في إحدى زوايا الغرفة، حنّ لسجائره وانكب على كتابة مذكراته.

كان وحيداً في ذلك اليوم، وكان يعرف أن اليوم التالي هو عيد ميلاده، قد تأتي "أغنيس"، قد لا يأتي أحد لزيارته، سيبقى وحيداً، سيدخن وحيداً، سيشرب النبيذ وحيداً، سيذهب إلى المدينة وحيداً، وقد يزور الخمارة وحيداً آملاً أن يلتقي بشخص يعرفه، وإذا لم يحصل سيبقى عزاؤه الوحيد أن السيجارة هي من ترافقه.

في مساء ذلك اليوم، قبل منتصف الليل، اتصل به صديق قديم ـ روماني الأصل ـ كان قد تعرّف عليه في ألمانيا، كان يحبه ويرتاح لأحاديثه، لم يفكر هربرت مطلقاً أن هذا الشاب هو من قد يتنافس معه يوماً على صعيد العلم أو المعرفة أو المال أو الحب، وهذا ما جعل علاقتهما تستمر زمناً طويلاً، رجل بملامح وسيمة، له فهمه الخاص عن الحياة والعالم، لديه أعطاله ولديه إيجابياته، رجل رغم الكثير من صفاته الإيجابية إلا أنه غارق في بحر من الأنانية ونهر من البخل. الصديق القديم أخبر هربرت بفرح "لقد توقفت أخيراً عن التدخين". ردّ هربرت وعيونه مصمغة على الطاولة وعليها ما يشتهي من السجائر "وأنا أيضاً .. هذه هديتي لنفسي بعيد ميلادي غداً".

في اليوم التالي مات هربرت، مات في عيد ميلاده الخامس والخمسين، مات في حمّام شقته الجديدة، مات وحيداً، مات بالسكتة القلبية ثم وقع برأسه على حافة المغسلة .. هذا ما جاء في تقرير الشرطة وهذا ما روته لنا رفيقة دربه "أغنيس" التي زارته صباح يوم عيد ميلاده راغبة بقضاء يوم كامل برفقته.

حوار مع الكاتب الفلسطيني نهاد ابو غوش حول تداعايات العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة وموقف اليسار، اجر
حوار مع الكاتب الفلسطيني ناجح شاهين حول ارهاب الدولة الاسرائيلية والاوضاع في غزة قبل وبعد 7 اكتوبر، اجرت