مترجم/ إطلالات على مفهوم الكارثة (الجزء الأول)

أحمد رباص
2023 / 9 / 23

ملخص:
قبل سنوات، نشر كريستيان غودان في مجلة الفلسفة والعلوم الإنسانية الإلكترونية مقالة يلخص مضمونها في كون الفكرة الحديثة عن الكارثة تظهر في نفس الوقت كامتداد وقطيعة مع الفكرة الأسطورية والدينية عن نهاية العالم. الكارثة هي مطلق المخاطر والحوادث. إنها تمثل الحدث في أبشع حالاته. هل هناك كوارث موضوعية أم أننا نتعامل مع فكرة مركزية بشرية مرتبطة بالخطر الخارجي؟ هل تعتبر الكارثة بوصفها انقطاعا جذريا (هذا هو معناها الرسمي في الرياضيات) استثناءً أم أنها تقع ضمن إطار انتظامات يمكن تحديدها؟ يتضمن هذان البديلان خطين دلاليين رئيسيين: خط الكارثة الإنسانية وخط القطيعة الموضوعية. وبينما استخدم فولتير زلزال لشبونة لتحدي النظام الإلهي للطبيعة، كان روسو أول من حدد الإنسان باعتباره المسؤول الوحيد (وليس الشخص الوحيد المعني) عن الكارثة. إن زيادة وتكثيف قوة التكنولوجيا على البيئات الطبيعية والاجتماعية أكدت إلى حد كبير حدس روسو هذا. أما الكارثية، فيمكن أن تكون عاطفية واستراتيجية بشكل متناقض، مما يضاعف ما يمكن أن تكون عليه هذه الظاهرة من بشاعة، ولكنها أيضا رائعة.
المقال:
كانت الرؤى الأولى لنهاية العالم دينية. ويمكننا أن نتحدث هنا عن ثابت حقيقي في المخيال الإنساني: لقد آمنت جميع المجتمعات بحقيقة الكوارث الماضية أو المستقبلية. لكن هذه الكوارث التي تثيرها الأساطير نادرا ما كانت كاملة، وعندما كانت كذلك، كان لها ما يبررها كوسيلة للتجديد. حتى لو استبدلت الغائية اليهودية-المسيحية رؤيتها الخطية الموجهة لمسار الأشياء، بصورة الدورة، التي تميز الأديان القديمة، فإن فكرة التجديد هذه لن تختفي: في الواقع، إنها بالفعل إنسانية جديدة يجب أن تنشأ بعد الكوارث التي أعلن عنها القديس يوحنا في يوم القيامة.
رفضت عقلانية العصر الكلاسيكي هذه الميلودراما الكونية والإلهية لصالح فكرة التقدم الذي يحققه الإنسان نفسه. في نهاية القرن الثامن عشر، استطاع كانط أن يكتب أن فكرة نهاية كل شيء لا تنبع من التفكير في المسار المادي للأشياء في هذا العالم. لكن ذلك على وجه التحديد لم يعد صحيحا اليوم. يقول بيتر سلوتردايك في صيغة مأخوذة عن سارتر، إنه ليس خطأنا ولا من قدرنا إذا كنا نعيش في عصر تكون فيه نهاية الإنسان شيئا معتادا بشكل يومي.
وحتى قبل الحروب العالمية، والشمولية والإبادة الجماعية التي دمرت المسرح العالمي، أوحى الفن والموسيقى الحديثان بهذه الرسالة الرهيبة: من الآن فصاعدا، يعيش الإنسان تحت علامة الكارثة. وحدث هذا في نفس اللحظة التي لم بعد فيها التخلص يؤمن بنهاية العالم. ومن ثم، فإن فكرة نهاية العالم لن تظل معلقة إلا لفترة قصيرة جدا من الزمن، بين كانط وهيروشيما. من أعراض نقطة التحول هذه تغير الضوء الذي يغمر الخيال العلمي: لقد حلت الأسطورة السوداء محل الأسطورة الذهبية.
يمكن تعريف الكارثة بأنها حدث على أقصى درجة من المأساة نصاحبه أو تتبعه عمليات تدمير متعددة. إنها تجعل الموت الجماعي يحوم على الوجود البشري. إنها حدث فظيع، مطلق المخاطر والحوادث. إنها ليست مجرد حادثة ذات قوة معينة؛ بل إن فداحتها تتجاوز حجم العرضي.
في الأدب، وخاصة في الدراما الكلاسيكية، الكارثة هي الحدث الحاسم الذي يؤدي إلى نتيجة مأساوية – ومن هنا يتم التماهي بين الكارثة والمأساة. " cata" في اليونانية تعني تحت، في الأسفل، خلف. هذه البادئة تشير إلى الحركة التي تهبط وتحفر وتعود. "Katastrophê" تعني الانقلاب، و"strophê" تشير إلى فعل الدوران. وفي إطار التصور الدوري للزمن، يُنظر بسهولة إلى الكارثة باعتبارها عودة إلى نقطة البداية .. ومن ناحية أخرى، في سياق المفهوم الخطي للزمن، وهو المفهوم الحديث، تتميز الكارثة بتفردها غير القابل للاختزال وبلا رجعيتها. إنها تعطي مظهر عدم القابلية للقياس بين التأثير (الهائل، حرفيا) والسبب الذي لا يمكن اكتشافه في كثير من الأحيان، وعلى أي حال لا يمكن التنبؤ به، ومن هنا التحدي الذي تمثله للفكر.
الكارثة هي ما يعود بمعاني الفعل الثلاثة. الكارثة تعود (تشير إلى هذا كلمة strophe)؛ الكارثة تزعج (الضحايا كلهم مضطربون)؛ الكارثة عاليها سافلها: يُدفن السطح ويُظهر القاع.
هل هناك كوارث موضوعية أم أننا نتعامل فقط مع فكرة مركزية بشرية مرتبطة بمصيبتنا القصوى؟ هل تعتبر الكارثة بوصفها انقطاعا جذريا استثناءً أم أنها تقع في إطار انتظامات يمكن تحديدها؟ يشتمل هذان السؤالان على خطين دلاليين رئيسيين: خط الكارثة (إنساني) وخط القطيعة (موضوعي).
لكن إذا كان من الضروري عدم الخلط بين المفهوم واستخداماته التأكيدية أو المجازية، فإن الصعود إلى المطلق يتعارض مع التناقض. "الكارثة الوحيدة التي تبدو واضحة للجميع هي الكارثة التي لا ينجو منها أحد"، كما كتب سلوترديك. إن الكارثة بامتياز، تلك التي تسمح لنا بالتفكير في المفهوم بكل قوته، هي بحكم تعريفها الكارثة التي لم نختبرها أبدا. في الواقع، لم تكن جميع الكوارث الماضية سوى كوارث جزئية وعابرة، مقارنة بالبشرية جمعاء. وبهذا المعنى، لم تكن كوارث "حقيقية". الأسوأ في الواقع من المستحيل التفكير فيه ، لأن الفكر يفترض وجود عالم، حتى لو كان سيئا.
الأساطير كارثية، لأن الأصول كارثية مثل النهايات. في المقابل، يميل اللوغوس إلى تفضيل انتظام الظواهر والقوانين.
ومع ذلك، في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، حركت السجالات العلوم الطبيعية وركزت بشكل أساسي على مسألة معرفة ما إذا كانت الاستمراريات أم القطائع هي التي تخللت تاريخ الأرض. دافع كوفييه عن وجهة نظر كارثية، والتي لن يفشل خصومه في إدانتها باعتبارها خاضعة جدا للنموذج الكتابي للطوفان ونهاية العالم. وعلى العكس من ذلك، فإن انقراض الأنواع الحية، بحسب «التدريجيين»، كان تدريجيا وليس وحشيا. كان هناك جدل موازٍ ميز ميلاد الجيولوجيا: مقابل كارثية ثورات الأرض التي دافع عنها كوفييه هناك الراهنية* (أو الانتظامية) لتشارلز ليل: نفس الأسباب التي يمكن ملاحظتها اليوم لا بد أنها عملت في العصور البدائية من تاريخ الأرض. (هكذ) سلطت البركانية التي تبناها الكارثيون الضوء على ظاهرة الانفجار بينما فضلت النظرية النبتونية التي دافع عنها أنصار الانتظامية ظاهرة التآكل: معركة جديدة بين النار والماء، وهذه المرة خارج إطارها الأسطوري.
(يتبع)
_________________________________________
(*) نظرية في علم الجيولوجيا تسلم بأن ظواهر الماضي يعاد إنتاجها مثل ظواهر الحاضر.
الرابط: https://journals.openedition.org/leportique/1993#:~:text=14Dans%20l existence%20particuli%C3%A8re,une%20s%C3%A9rie%20ind%C3%A9finie%20d autres.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت