فوز المفارقة وتقنيات أخرى، دراسة عن مجموعتي القصصية ( صباح كهرماني ) بقلم الأستاذ إسماعيل إبراهيم عبد

فوز حمزة
2023 / 9 / 20

الكاتبة , القاصة (فوز حمزة) بمجموعتها القصصية الأخيرة (صباح كهرماني)(1) تتعمد ان تشتغل على القيمة الدلالية لعناصر المفارقة سواء كانت جملاً او ثيمات او تقنيات , وثمة تقنيات أُخرى رديفة باشتغالها القصصي , تلك هي تقنية الأسطر التي تؤدي فنية الافتتاح والختم , وما فيهما من تصادم المواقف او تضافرها , بل ان أغلب المواقف المحتفية بالمفارقة تقترب كثيراً من التصادم الحدثي . سنبدأ منها ثم ننتقل الى غيرها بحسب ظرف المقال!.
1 ـ المفارقة تصادم حدثي من بدء القصص حتى منتهاها لم تحدْ الكاتبة عن فعل الصدام بين السطح الحدثي وبُعده العميق لما وراء الفعل السردي , للبيئة الإنسانية وبيئة الطبيعة , فمثلاً بقصة (رسالة في صندوق أسود) تفتتح القول بجملة تمثل سطراً كاملاً هي (تزوجته أرملاً) ـ القصص , ص7. تقابل ذلك ـ في الجزء ما قبل الأخير من القصة ذاتها ـ عبارة (هل يحق له التحدث عنها كلما وجد الفرصة دون ان يحسب حساباً لمشاعري) ـ القصص ص8. ان البطلة هنا تصطدم بثلاثة اتجاهات متجاورة ومتلازمة, وربما يقوم أحدها على هشيم الآخر. الاتجاه الأول انها تتحدث وكأنها لا تدري انها صارت زوجة على أثر صدمة نفسية أصابت الزوج بعد وفاة الزوجة الأُولى . الاتجاه الثاني ؛ ان الزوجة الجديدة خلقت لنفسها نداً ميتاً , مما يعني انها صارت مكملاً لمرض الزوج المصدوم. اما الاتجاه الثالث فهو, ان الزوجان يعيشان تحت سقف (الضرورة) وليس الحب!. ويمكن تخمين أسباب ذلك بسهولة , لعل الحاجة الجسدية والاجتماعية هما أقرب الأسباب الدافعة للزواج!. وعند جمع الظرف الاجتماعي الى ظرف المرض النفسي , مع العلائق والطبائع المتخالفة للزوجين , نكون قد تحالفنا مع الكاتبة بصنعها لبيئة اجتماعية متوترة العلائق , يمكن لأحداثها ان يكمل بعضها بعضاً , او حتى يهدم بعضها بعضاً. في الحالين تتصادم الموقف بين متن القول القصصي ودلالاته البعيدة عبر بصيرة تقول: (التصادم النفسي والفكري الفردي يجعل الحدث تصادماً فنياً يومئ لتصادم اجتماعي بيئي) , ينمو باستمرار وتعاضد ليشكل مفارقة جاذبة للقُرّاء!.
2 ـ المفارقة تصميم فكري مفارقات البيئة الإنسانية تترك لها ذيولاً ومتغيرات ومن طريف المفارقات السردية ما يصممه عقل الكاتبة من فلسفة مركبة من الوجود الحاضر والوجود المتوقع . ان لهذا التصميم أركان ونسيج ، يميلان الى توليف مفارقة فكرية فنية خاصة. لنجرب/ [بينما كان يردد مع نفسه بوجع : لم أعد أحتمل . الشكوكُ ستقتلني قبل المرض , نار الشك تحرق قلبي ودخانها يملأ أوردتي ... العتمة تفتح أذرعها لتضم روحي والظلام يهوي بمطرقته على رأسي ... وهو يحاول السيطرة على أنفاسه الملتهبة , وضعتْ يدها على جبينه , ثم دستها بين خصلات شعره. فتح عينيه ليجدها تجلس بجانب السرير مبتسمة.. تيار الدم عاد الى وجهه فتغير لون الحياة الرمادي . هي وحدها من يعيد تنظيم الأشياء , فتعود الشمس دافئة والمطر حنوناً] ـ القصص, ص120 , ص121. ان المقطع ـ من جانب توزيع أركان النسيج ـ يتيح لنا التصور الآتي:
ـ وضع البطل بحال مرض مميت , بمراحله الأخيرة .. ربما.
ـ وُضِعًتْ البطلة كزوجة جميلة , لطيفة مع الآخرين.
ـ تم وضع الزوج المريض تحت ظرف الاضطراب النفسي لفكرتين ؛ الغيرة والهذيان. ـ وُضِعَتْ الزوجة بحال الاثارة عبر التزين والمخابرة.
ـ وُضِعَ الزوج المريض بأقصى درجة من الشك والتوتر والحس بالفقدان.
ـ وُضِعَ الزوجان بحالة حب مشتركة.
×ان المقطع ذاته يتيح لنا تصوره من جنبة توليف المفارقة على النحو الآتي: * قد صممت القاصة فكرتي الاخلاص والشك ليكونا ـ معاً وبآن واحدٍ ـ منقذين متضافرين على ما فيهما من تناقض!.
* عبر الترتيب الفائت للبطلين , وبطرافة الظرفين , تخلق القاصة صورة
(فكرية ـ رمزية ـ فنية) مقنعة توحي بالفرق بين التفكير والوعي لنماذج شائعة في العلاقات الاجتماعية بين الأزواج والزوجات.
* توحي الكاتبة ـ كجزء من تصميم البناء الدلالي ـ بأن المرأة أكثر وفاء وحنيناً من شريكها الرجل , وهذا حقيقي تماماً!.
3 ـ مفارقات زمنية في هذا المجال نود ان نتقصَ أهم التقنيات الزمنية , ونبين مسوغاتها الفنية , بأن نصنفها أولاً , ثم نحيل جملها الى اختيار لجدواها. لننظر في : [نهار جمعة ربيعي ..
لا تخطئ حبيبتي موعدها...
[نهار جمعة شتوي أخير ..
لا تخطئ أبداُ موعدها معي ...
لم يكن ذلك اليوم جمعة , قبلتني قبل ان تتركني...
بعد عشرين جمعة..
لم تخطئ أبدا موعدها معي] ـ قصة اليوم الثامن , ص79, ص80 , ص81 , من مجموعة قصص صباح كهروماني. سنلاحظ هنا /
ـ ان لعبة القص غيّرت المواعيد دون ان تغير اليوم . أي (الجمعة)/ هذه المفارقة الأُولى. ـ التأكيد على انها لا تخطئ يعني أنها ستخطئ بيوم غير الجمعة!./ هذه المفارقة الثانية.
ـ سيكون الخطأ بغير الجمعة مميتاً./ هذه المفارقة الثالثة.
* تلك المفارقات , بتكرارها تتحول المفارقة من مفارقة موقف الى مفارقة تفكير , ثم ستحقق نمطاً خاصاً من التقنية , آخذة لعبة الزمن بكونها اختياراً لتسويغ فكرة الموت كحدث قدري لا يمكن تفاديه , حتى لو عرفنا موعده.
* يتكرر هذا الأمر عديداً من المرّات , مثلما هو في قصة حروف بخط اليد . لننظر :
[هذا المساء أكملتُ أربعا وعشرين عاماً , مضت سنتان وعدة شهور على فراقنا...
تخرجت من الجامعة... أصبح لقبي العلمي دكتور... بعد مضي ست سنوات على فراقنا اشتريتُ سيارة... اليوم أكملتُ عقدي الثالث , وهو اليوم الذي دفعتُ فيه مقدم شقة أحلامنا... مضى على فراقنا ثمانية آلاف وثلاثمائة وخمسة وتسعين يوماً ... عمري في هذه اللحظة ست وخمسون سنة ... البارحة أتممتُ عقدي السابع ...] ـ قصة حروف بخط اليد , ص103 , ص104. ان هذه المدونات , المشابهة لليوميات تواجهنا ـ مباشرة ـ بنمطين من اللعب الزمني, الأول هو الزمن الحاضر بلحظة الكتابة, والزمن الزاحف الى الخلف لكنه يرحل بالأحداث نحو المستقبل. والمفارقة الكبيرة هي ان ما بين وقت وآخر أحداث فاصلة من تاريخ وحياة البطل. اما المفارقة الثانية الأساسية , فهي ؛ ان التدوين يحدث لرجل بلغ السبعين . كما قد نجد مفارقة فنية أيضاً في جعل كل تاريخ أو تحديد ليوم (ما) او سنة (ما) بداية لحاضر جديد , يبدأ به تاريخ ـ صفر ـ للأحداث , ثم يرحل بها الى موضعها في النسيج , كأنما لن يكون لها زمن غير بِدئها الصفري , وكأن لا تكملة لها , انما هي أحداث صُنِعَتْ بنفسها وبطلها , وانتهوا الى لا وجود أبداً لهما !. وثمة مخرج ثيمي فني للأحداث , هو ان الأحداث ما بين تاريخ وآخر تدوّن حياة البطل مع زوجته وأبنائه , بعد ان رفضتْ عائلة حبيبته طلب يدها , وظل يودع ما يكتبه مع رسائلها له بصندوق اسود ـ حاوي الأسرار ـ اهدته إياه الحبيبة , التي ماتت قبل ان يفتح هذا الصندوق بخمسة أعوام.
* ذات التركيب يحدث في قصة أزواج الزوجة , اذ تعتمد المفارقة على وحدة السنوات, والأحداث والأوصاف لها بتراجع يوعز الى المستقبل بذات التقنية.
4 ـ مفارقة الانسجام البيئي عند التمعن بالقصص الثلاث ؛ زهرة الكالا البرية ص71 , وقصة زهرة التوليب , ص127, وقصة زوج الكلبة , ص132, سنجد : 1 ـ انها قصص بيئية تحافظ على فطرية القول وبكارة محروثها القيمي.
2 ـ فطرية النسج محسوبة ومخطط لها لتصير شبيهةً بالقصيدة الشعرية.
3 ـ بساطة وعمق القول يصل باللغة حدّاً يجعلها كأنها لغة أطفال.
4 ـ موضوعات القصص الثلاث وأُسلوبها وشاعريتها لم تجنبها عن صفتها المنطقية, التي هي ضرورة التعايش ذو النفع المتبادل بين النبات والحيوان والانسان , وعدم الجور او التجاوز اللا مبرر , لأحدها على الآخر.
* يمكننا توضيح ذلك على النحو الآتي : ـ ان قصة زهرة الكالا البرية جمعت بين الجمال والقبح , والعنصر الحي (الزهرة) , والعنصر الميت (الصخرة) ؛ لتقول الكاتبة ان البيئة بحاجة الى النموذجين . وفي قصة زهرة التوليب حث للإنسان ان يقلد الطبيعة بالمدى المنطقي للصبر والموعد المناسب للثورة. وفي قصة زوج الكلبة دعوة لبيئة للرفق بالحيوان , فالحيوان يصير أحياناً , أكثر وعياً وحناناً ومسؤولية من الإنسان.
5 ـ ضربة القص الموجزة عمدت الكاتبة إلى العناية الدقيقة بالافتتاح والختم كونهما أهم عناصر الجذب القرائي . لقد راق للكاتبة فوز حمزة ان تتصرف بالمفارقة حتى على مستوى الافتتاح والختم , لتجعلهما عنصريْ انارة وتبصر , وأحياناً , تجعلهما لقطات موجزة ومكثفة , تستعين بهما لتوضيح المتواري من الازاحة القصصية . سأدون بعض المقاطع التي لا تحتاج كثير تفكير لفهما والتمتع بها. لننظر في المقاطع الآتية , التي سنوضح بها أواصر المفارقة القصصية فقط , ونترك الباقي من التصور لفطنة القارئ : [ظننتُ وأنا في عمر الرابعة والستين , سأكف عن الأسئلة. ـ من مفتتح قصة اشعار بعد الثانية فجراً , ص22.
هل وقعت في براثن رجل لعبته الحروف , يصطاد بها النساء؟!] . ـ من ضربة ما قبل الأخير , ص27.
* تحققت المفارقة القصصية بفكرة الانقلاب على فكرة الكف عن توجيه الأسئلة , اذ انتهت العبارات الأخيرة بسؤال يوجهه الرجل بعمر الرابعة والستين. [لمحت على شات قناة البغدادية... ان احداهن بعثتْ بمسج تقول فيه : أنا فتاة ثلاثينية , تبحث عن رجل مثقف] . ـ من الأسطر الثلاثة الأُول لقصة حدث في البنك , ص34.
[ما حدث بين هيام وصديقي كان بمثابة من يهيل التراب فوق جسد الميت قبل دفنه] ـ السطر الأخير من القصة , ص39.
* أوجدت القاصة ميدان المفارقة عبر لهفة وصراع المندهشة من الاعلان , مع صديقتها هيام , وثمة سخرية مبطنة من الرجل المثقف لصاحبة الاعلان , المتشاجرة من أجل رجل. فربما هذا غمز الى العلائق المرتبكة بين المثقفين وزوجاتهم.
[قبل مغيب الشمس بوقت قصير , انتهت مراسيم العزاء] ـ من مفتتح قصة أول الغيث قطرة , ص85.
[اغلقت الباب خلفه . باب جديدة لمعركة قادمة معه سوف تفتح] ـ من نهاية القصة بصفحة 87.
* ان المفتتح يتحدث ـ بلسان البطلة الراوية ـ عن تأبين زوجها , وربما يحمل بشارة زواج جديد , لكن المفارقة تقع عندما يصير الأمر في الزواج الجديد صراعاً مثل الحرب بين الزوجة ـ الأرملة سابقاً ـ وزوجها الجديد ... وثمة غمز هنا هو ان يكون سبب موت الزوج السابق هو القهر الذي تثيره الزوجة , والتي ستستمر به مع الزوج الجديد. [وأنا أنظر الى فستان زفافي شعرت بالأرض لم تعد تتسع للسعادة التي أحاطتني تلك اللحظة] ـ من مفتتح قصة قارب في البعيد , ص148
[وأنا أنظر عبر النافذة لثمرة نسرين جافة سقطت على العشب , أحسست بقلبي تنعصر العتمة من بين ثناياه . مشاعري تجاه الرجل الذي أحببته تحتضر بألم] ـ من الربع الأخير لقصة قارب في البعيد , ص 149.
* ان المفارقة هنا واضحة كثيراً كونها حِس متناقض بين لحظة الزواج , وما تلاه من خيبة أمل مدمرة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت