صعود اليمين الفاشي في إسرائيل (4)

نهاد ابو غوش
2023 / 9 / 20


يعزو امطانس شحادة أسباب الفوز الحاسم لليمين برئاسة نتنياهو على معسكر الخصوم إلى جملة من الأسباب التكتيكية أبرزها وحدة وانضباط قوى اليمين واليمين المتطرف، والدور الذي لعبه نتنياهو شخصيا في منع الانشقاقات داخل هذا المعسكر وبخاصة بين تياري سموتريتش وبن جفير من جهة، وبين مركّبي قائمة يهدوت هتوراة وتحديدا بين "ديغل هتوراة" و"أغودات إسرائيل" بسبب رغبة الجناح الثاني بإنشاء شبكة تعليم مستقلة عن جهاز التعليم الحريدي . ويلفت شحادة إلى أن من الأسباب الرئيسية التي أفضت إلى هذه النتائج أن الارتفاع في نسبة التصويت تركزت في البلدات ذات التدريج الاجتماعي الاقتصادي المنخفض منها في البلدات المرتفعة المستوى الاقتصادي الاجتماعي، بما يصب من دون شك لصالح أحزاب اليمين واليمين المتطرف والقوى الحريدية.
الحردلية
شاع في السنوات الأخيرة استخدام مصطلح "الحردلية" للدلالة على تيار الصهيونية الدينية، والكلمة مشتقة من الكلمتين العبريتين "حريدي ليؤومي" أي الديني الوطني، وهو تيار نشأ كنوع من التزاوج والتوفيق الانتقائي بين الاستناد إلى مرجعية الشريعة الدينية اليهودية (الهالاخا) من جهة وتأكيد أولوية التوراة على اي تصور أو خطاب إنساني ديمقراطي، وفي نفس الوقت التواصل مع الخطاب القومي الصهيوني والاستعداد للخدمة في الدولة وممؤسساتها وصولا إلى استهداف الوصول للحكم والسيطرة على مؤسسات الدولة، خلافا لمنطق الفئات الدينية الحريدية التي تكتفي بنيل حصتها من الميزانيات والاستقلال الذاتي في أنماط حياتها التعليمية والثقافية والاجتماعية ورفضها الانخراط في كل مؤسسات الدولة بما في ذلك الخدمة في الجيش ، تتبنى المجموعات الحردلية أنماطا محافظة ومتزمتة اجتماعيا في مواضيع اللباس والاختلاط والتزام الشعائر الدينية، وفي نفس الوقت تمثل هذه المجموعات تحديا للديمقراطية الإسرائيلية، وتعارض القيم العلمانية الغربية، لكن أبرز ما يميزها وهو ما سوف يتطور إلى أبرز مخاطرها لاحقا، يتمثل في التشديد على مركزية شعب إسرائيل وتفضيله على الشعوب الأخرى ومعارضة أية تسوية تخص مسألة الأرض، والتشدد في رفض إخلاء المستوطنات، ومعارضة الجهاز القضائي الذي لا يستند إلى الهالاخا.
حراكات مستمرة في دوائر اليمين اليمين المتطرف
من المعروف أن أفكار التطرف اليميني لا تقتصر على القوائم التي تصطف تاريخيا إلى يمين حزب الليكود، بل هي متغلغلة داخل الليكود نفسه، وحتى في بعض الأحزاب باتت تقف في السنوات الأخيرة ضد حكومة ائتلاف قوى اليمين واليمين المتطرف، وبخاصة حزب "يسرائيل" بيتينو الذي تحالف في دورات سابقة مع حزب الليكود، أو مع قوى اليمين الأكثر تطرفا. وسبق لزعيم هذا الحزب أفيغدور ليبرمان أن دعا لترحيل الفلسطينيين العرب سكان دولة إسرائيل، كما اشتهر بدعوته الشهيرة لقصف أسوان وطهران واغتيال قيادات حماس لكنه لم يفعل شيئا من هذا القبيل حين تسلم وزارة الدفاع في حكومة نتنياهو الرابعة بين العامين 2016-2018. وكذلك حزب أمل جديد برئاسة جدعون ساعر الذي عرف بمواقفه الأكثر تطرفا من نتنياهو مثل معارضة خطاب بار إيلان، إلى معارضة صفقة القرن بسبب البنود المتصلة بالدولة الفلسطينية والانسحاب من بعض المستوطنات، وسبق لساعر أن انشق عن شبيبة الليكود في بداية حياته السياسية وانضم حينها لحزب "هتحيا" اليميني الأكثر تطرفا في ذلك الوقت.
وليس من الصعب العثور على شواهد كثيرة عن عنصرية وفاشية حزب العمل ومؤسسيه سواء من خلال مواقفهم النظرية وتصريحاتهم ( مثل غولدا مائير التي كانت تنكر وجود شعب فلسطيني) أو ممارسات الحزب والحكومات والميليشيات التي قادها خلال النكبة وبعدها، أما حزب الليكود فقد عرف دائما بوجود معسكرات وقيادات تتخذ مواقف وتتبنى سلوكا على أقصى يمين الخارطة السياسية مثل عضو الكنيست السابق يهودا غليك المعروف بقيادته لمجموعات متطرفة تخصصت في اقتحام المسجد الأقصى. وكذلك العضو اليميني موشي فايغلين الذي تمرد في النهاية على حزب الليكود وانشق عنه مشكلا قائمة "زيهوت" التي خاصت انتخابات الكنيست عام 2019 فحصلت على نسبة 2.74% ونحو 120 ألف صوت ولكنها لم تتجاوز نسبة الحسم لم تنجح في اجتياز نسبة الحسم.
لم تعمّر أي من قوى وأحزاب اليمين المتطرف طويلا، فكان معظمها يواصل نشاطه لدورة أو دورتين ولا يلبث أن يفقد الزخم الذي بدأ به، ليفشل في اجتياز نسبة الحسم، ما دفع بقايا هذه الكتل إلى البحث عن صيغ تبقيها على الخريطة السياسية، فتتحد أو تأتلف مع قوى يمينية شبيهة بها. من أبرز تجارب الاندماج والاتحاد بين هذه المجموعات تجربة حزب الاتحاد الوطني، وحزب البيت اليهودي، وكلاهما واجه لاحقا شبح الاندثار ما اضطره من جديد للاندماج مع غيره من الكتل والمجموعات. ولكن وسط هذه الحالة غير المستقرة من التشكل والانحلال يجدر ملاحظة وجود اتجاه ثابت في حراك وأوضاع المجموعات اليمينية المتطرف والذي يمكن إجماله بالنقاط التالية:
- أن هذه القوى والاتجاهات باتت تملك قاعدة سكانية مستقرة وثابتة، تعطي أصواتها غالبا لقوى اليمين واليمين المتطرف، وهذه القاعدة موجودة بشكل رئيسي في المستوطنات مع امتدادات جدية في مدن وبلدات الخط الخضر.
- تتجه هذه القوى لتبني أفكار ومواقف الصهيونية الدينية القائمة على الدمج بين الرؤية التوراتية الدينية والقومية الصهيونية المتطرفة، ليتشكل بالنتيجة تيار سياسي عنصري يؤمن بتفوق العنصر اليهودي وينكر حقوق غير اليهود.
- وجود شبكة واسعة من المؤسسات والمجالس اللوائية والإقليمية للمستوطنات، والجمعيات الأهلية والاجتماعية والثقافية، والتي تنشط تحت يافطات خيرية وتربوية ودينية واستيطانية، إلى جانب تشكيلات ميليشيوية شبه عسكرية مثل شبيبة التلال، وهذه الشبكة بشكل عام تمثل بنية تحتية داعمة للقوى اليمينية المتطرفة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت