ضبط مفهوم الإمبريالية في الإدراك العربي

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 9 / 19

في الحقيقة، لا أعرف سر تمسك العربية العجيب بمصطلح ’الإمبريالية‘، ولا حتى سبب سَكِّه وتداوله فيها من الأصل إلى اليوم، خاصة وأنه هو نفسه ’الإمبراطورية‘ أو ما نسميها ’الخلافة‘ ولا نزال نعتز ونتفاخر بها- وبعضنا يتباكى عليها- تاريخاً مشرفاً للعرب والمسلمين إلى اليوم. الإمبريالية والإمبراطورية والخلافة هي ثلاثة أسماء لشيء واحد لا يقبل التجزئة. مع ذلك، كل واحد منها يعكس زاوية نظر- ومشاعر- متفاوتة إلى حد التناقض تجاه ذات النظام الواحد والنظام نفسه. دعونا نلقي نظرة على مضمون هذا الكيان الواحد لكن ذو المسميات الثلاثة.

الإمبراطورية قديمة قدم التاريخ البشري. ولم تبدأ في الغرب، الذي نُصِّرُ على وصمه ’إمبريالي‘؛ بل هي بدأت في أنحاء الشرق الأقصى والأوسط والأدنى من العالم، بالتحديد فيما تُسمى حضارات ’العالم القديم‘ كالتي ظهرت وتلاشت في مصر والصين والهند وبلاد ما بين النهرين والشام...الخ. ثم بلغت ذُرى غير مسبوقة بظهور الإسكندر الأكبر المقدوني، مروراً بالإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى الروسية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية والفرنسية...الخ في العصر الحديث. كافة شعوب وحضارات العالم القديم والأوسط وحتى الحديث كانت ذات أساس وتوجه إمبراطوري صريح؛ كلها ما كانت ترى في إخضاع أقوام آخرين بقوة السلاح لإرادتها السياسية عيباً، بل عظمة ورفعة؛ ما كانوا يجدون في قتل واستعباد رجال الأقوام الآخرين، وسبي نسائهم ومصادرة بيوتهم وممتلكاتهم ونهب أموالهم وثرواتهم، وتشريد أطفالهم وعجائزهم، ما ينتقص من شهامتهم ورجولتهم أو يجرح مشاعرهم وإنسانيتهم، بل يزيدهم عِزَّة وهيبة وكرامة ومجداً وسط ذويهم وشعوب الأقوام الأخرى. ولم يقتصر الأمر على مثل هؤلاء من كُبارات أقوام العالم والإنسانية، بل كانت كافة أقوام الأرض وتجمعاتها البشرية صغرت أم كبرت تقوم على ذات الأساس والتوجه الإمبراطوري التوسعي بقوة السلاح، حتى لو لم يحالفها الحظ لتبلغ مستويات النجاح التي أدركتها جماعات وحضارات إقليمية وعالمية ذائعة الصيت. في الحقيقة، إلا بضعة عقود متأخرة، لا يتعدى تاريخ العالم كونه سرداً مُكرراً ومُملاً لتاريخ الإمبراطورية. ماذا تعني ’الإمبراطورية‘؟

أن يفرض قومٌ إرادته السياسية على قومٍ آخرين بقوة السلاح. رغم انتشارها حول جزيرة العرب منذ آلاف السنين، لم يمارس العرب الإمبراطورية قط قبل ظهور الإسلام. بعد ذلك التاريخ، سواء تحت مبررات دينية أو غير ذلك، انطلق العرب في جميع الاتجاهات يُخضعون بقوة السلاح أقواماً غير عربية لسيطرتهم السياسية، انطلاقاً من حدود جزيرتهم وصولاً إلى جنوب أوروبا في أقصى الغرب وحدود الصين والهند شرقاً، وأوروبا شمالاً. ثم خضع هؤلاء العرب بدورهم وبقوة السلاح أيضاً للإرادة السياسية لأقوام مسلمة لكن غير عربية ممن كانوا في السابق يخضعون لحكم العرب، لتنتهي الخلافة العربية وتبدأ وريثتها الإسلامية التي استمرت حتى الحرب العالمية الأولى. ومنذ ذلك التاريخ، تفوق السلاح الأوروبي وفرض إرادته السياسية على جميع أقوام الإمبراطورية الإسلامية السابقة حتى بلغت الإمبراطورية ذاتها خاتمتها ولقيت حتفها في أتون الحرب العالمية الثانية.

إن التأثير والتفاعل المتبادل بين التجمعات والشعوب البشرية أمر بديهي ومستحب وضروري من أجل بقاء الجنس وتطوره وازدهاره. وقد يبلغ هذا التفاعل مستويات ساخنة ومنذرة بخطر الانفجار المدمر بين الحين والآخر. لكن كل ما يقف دون اللجوء إلى العنف المباشر (استعمال السلاح في حالتنا هذه)، لا يرتقي إلى مرتبة الغزو (الفتح في تراثنا) الممهد لتأسيس إمبراطورية (خلافة في تراثنا أيضاً). بينما حين يُستخدم السلاح ليس بغرض الإخضاع السياسي فحسب، بل لإزاحة قومٍ آخرين من دياريهم (عبر الإبادة الشاملة أو الجزئية، أو التهجير الجماعي القسري، أو الاستعباد/الفصل العنصري) وأخذ هذه الديار وطناً للغزاة، لا يُسمي ذلك إمبراطورية، بل غزو استيطاني أو استعماري غايته استبدال السكان الأصليين بالمحتلين الجدد. وهو نوعية أكثر بشاعة وشراسة ودموية من الغزو الإمبراطوري، وما يميزه عن الأخير أن الغزو الاستعماري/الاستيطاني لا تكون له بؤرة (مركز/عاصمة) تجميع وإمداد مستدامة، تخدم بمثابة الحبل السُّرِّي له وتظل تغذيه وتجذبه وينجذب إليها وتأسر وجدانه وعاطفته وتغلب قوته وتمرده في مناطق تواجده على مبعدة آلاف الأميال طوال سيرورته، مثلما كانت تفعل مقدونيا أو روما أو بغداد أو دمشق أو إسطنبول، أو موسكو أو باريس أو لندن أو واشنطن العاصمة.

إذا كانت الإمبراطورية قد بدأت قصتها وزحفها من العالم القديم، إلا أنها بلغت أقصى أوجها وشراستها وقوتها التدميرية في العالم الحديث، بالتحديد في أوروبا والعالم الجديد. بسبب الإمبراطورية، اشتعلت هناك حربين عالميتين. في خنادق الأولى، رأى الأوروبيون بأعينهم مدى ما حققه السلاح من قدرة غير مسبوقة على الدمار والخراب؛ وعبر سماء الثانية، وصلوا ومعهم أغلب سكان العالم إلا قناعة لا تقبل الشك أن الإمبراطورية وما يلازمها بالضرورة من حروب لا تنتهي أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على بقاء الجنس البشري. وفي هذا المسعى، تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية سائر بلدان العالم. واعترافاً بفضلها هذا، لا زال ضريح الإمبراطورية قائم على أراضيها ومزاراً دورياً لوفود من ممثلي كل أقوام الأرض على قدم المساواة دون استثناء أو تمييز- داخل مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة. في هذه الأخيرة، دُفن، أو هكذا يعتقد، ماضي البشرية الإمبراطوري إلى غير رجعة. وفي سابقة كانت الأولى عبر التاريخ، نال كل قوم مستقل وذو سيادة على أرضه الاعتراف القانوني بحقه الشرعي في الوجود من بقية أقوام الأرض كلها، أقويائها قبل ضعفائها. ولأول مرة أيضاً، يصبح إخضاع قومٍ بقوة السلاح لإرادة قوم آخر عمل مشجوب ومُدان قانونياً وأخلاقياً. في قول أخير، ما كان الغرب، أو أمريكا، هم الذين اخترعوا الإمبراطورية؛ لكنهم ورثوها من الشرق. لكنهم هم الذين أنهوا أقبح مؤسستين في تاريخ البشرية- الإمبراطورية والعبودية- واستبدلوهما بمنظومة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن الإنحيازات وزوايا النظر الشخصية للشيء قد تُطيب الخواطر وتكافئ أصحابها براحة البال والسكينة، لكنها لا تخلق حقيقة ولا تستطيع أن تغير واقعاً. وحين نُسمي الغزو ’فَتْحاً‘ ونحتفي به لكوننا كنا الغزاة الفاتحين، ثم نُسميه ’إمبريالية‘ عندما نقع ضحايا له لا يغير شيئاً من حقيقة الفعل: استخدام السلاح لإخضاع الإرادة السياسية، سواء لصالحنا أو ضدنا. بل هو يعكس حالة من الفِصام الإدراكي لا توصل إلى التشخيص الصحيح للعِلة بغرض مداواتها بالعلاجات الفعالة.

ومن المفارقة أن زاوية النظر المنحازة هذه للإمبراطورية قد نشأت وتجذرت وسط واحدة من أعتى وأعرق إمبراطوريات العالم- روسيا القياصرة؛ وظلت ترتوي وتتضخم هناك من روافد الأيديولوجية الشيوعية طوال معظم القرن الماضي حتى تجاوزت حدود العقل والمنطق، لتبقى ذكراها حية ومؤثرة عبر أنحاء متفرقة من عالم اليوم لا يجمع بينها سوى شيء واحد: كل دولها قد تجرعت بشكل أو بآخر مرارة الضعف أو الشعور بالانهزام في مواجهة مفترضة أو فعلية مع القوة العسكرية الغربية والأمريكية. إذ كيف يُعقل أن الاتحاد السوفيتي، وهو ذاته إمبراطورية بقوة السلاح الروسي من عديد الأقوام المختلفة والمتنافرة والمستقلة في السابق، ينعت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالإمبريالية وينسى نفسه؟! هل لأن الاتحاد السوفيتي كان دوماً يشعر بالخطر والضعف أمام التفوق العسكري الغربي والأمريكي ويخاف الهزيمة في مواجهة شاملة مفترضة؟!

على الأقل، في أوروبا والولايات المتحدة لا أحد يخشى من مغبة الإقرار بالذنب والاعتراف الخطأ سواء بحق مستعمرات سابقة أو أخطاء وسوء تقديرات ماضية أو حالية أو مستقبلية. هل يجرؤ أحدٌ في روسيا على فعل ذلك؟! لكونها ممارسة قديمة تَجذَّرت في الوجدان البشري عبر الممارسة الممتدة منذ آلاف السنين، رغم زوال الإمبراطورية قانونياً ودولياً في مبادئ الأمم المتحدة، إلا أنها لا تزال حية وتأبى الفناء التام في الممارسة على أرض الواقع. ولهذا لا يستغرب أن تقع الشعوب- أي وكل شعب- في هذه الخطيئة من وقت لآخر. لكن ما يستدعي الاستغراب حقاً هو العناد والمكابرة في الإثم والعدوان، وعدم الاعتراف بالخطأ وتقديم الاعتذار مهما كان الثمن. هل قدم وريث الاتحاد السوفيتي- حيث تأصَّل وانتشر مفهوم ’الإمبريالية‘ البائس- أي اعتراف بالذنب أو اعتذار لأي من الأقوام التي كان يخضعها لإرادته بقوة السلاح في الماضي وأصبحت دولاً قومية مستقلة اليوم؟! ألا تستخدم عاصمة الإمبراطورية القيصرية، موسكو، الآن لا تزال قوة نيرانها الفتاكة في غزو شامل وصريح بهدف إخضاع دولة أوكرانيا لإرادتها السياسية وإحياء أمجادها الخوالي؟!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت