نبيلة منيب تطلق نداء استغاثة من مراكش

أحمد رباص
2023 / 9 / 19

مباشرة بعد انتهاء اجتماع اعضاء المكتب السياسي للاشتراكي الموحد المنعقد مؤخرا بمراكش، خصت السيدة نبيلة منيب، النائبة البرلمانية والأمينة العامة للحزب، قناة مغربية على اليوتوب بتصريح مطول تقدم جريدة "الحوار المتمدن" في ما يلي مضمونه بدون زيادة او نقصان:

اليوم، اجتمع المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد بمدينة مراكش. جئنا إلى هنا لنقف على مخلفات هذا الزلزال الفاجعة لثامن شتنبر الذي اصاب بلادنا، وبالخصوص مراكش ونواحيها كالحوز وشيشاوة وأزيلال ووارزات وتارودانت.
نتواجد اليوم بمدينة مراكش، هذه المدينة العريقة التي أصيبت، للأسف، بأضرار فادحة ودمار كبير لحق السور التاريخي وعدد من المساجد والمدارس والأحياء بما فيها الملاح في المدينة القديمة وباب دكالة وكثير من أحياء المدينة العتيقة.
نحن لا نتحدث عن المدينة السياحية، بل عن هذه المدينة التاريخية الكبيرة التي بها يعرف المغرب كله. بالفعل، هناك استعجالية لتقديم الإعانة لمن ذهبوا ضحية الزلزال، ونقدم لهم بهذه المناسبة التعازي. نطلب من أطبائنا، حيثما وجدوا في المغرب، حتى المشتغلين في القطاع الخاص، المجيئ إلى هنا ليساهموا في علاج المصابين وإنقاذ أرواحهم. وكل جهة أرادت ان تتعاون فمرحبا بها، غير أنه يلزم وجود تنسيق حتى يمكن الجواب على المستعجل.
هناك في ما بعد المستعجل ضرورة الحفاظ على التراث المعماري لمدينة مراكس. وأظن أن مدينة تارودانت تعرضت هي الأخرى لمثل ما تعرضت له مدينة مراكش. الكتبية، هذه المعلمة التاريخية، تعرضت من الداخل لتصدعات ويتعبن ترميمها، حسب ما قاله لي بعض المراكشيين. كثير من المساجد دمرت، حي الملاح يعاني من فساد كبير. عدد من الناس اشتروا دورا من ملاكها الفقراء ويكترونها بعد أن بنوا فوقها الطبقة الأولى والثانية، وجاء الزلزال فنسفها.
نحن نعلم أنه كلما كانت هناك كارثة يخرج الذئاب ويكشرون عن أنيابهم لاستغلال الكارثة الإنسانية وما رافقها من دمار عوض أن يتقدموا بمساعدة او يقترحون فكرة، نجد هؤلاء المفسدين يستغلون وضع الدمار ليغتنوا كيفما اغتنوا أمثالهم في جائحة كوفيد.
نطلق نداءنا لكل شرفاء الوطن، وللدولة المغربية حتى تتحمل مسؤوليتها، بعد ان أغمضت عبنيها طويلا عن الفساد والاستبداد والمنتخبين الفاسدين والمعينين الذين لا يقومون بأدوارهم. اليوم نريد هبة كتلك التي قام بها الشعب المغربي الذي منه من تبرع بنصف كيسه من الدقيق أو بنصف بيدونه من الزيت لفائدة سكان المنطقة المنكوبة، ولكن هناك أشياء أهم من المأكل والمشرب. نحن نريد بناء بلادنا، لتكون فيها جهوية حقيقية، وتبنى مدننا على أسس متينة. علينا الآن مباشرة ترميم المباني المتضررة وبناء المتاحف والنهوض بالأحياء العتيقة وهذا ما يشكل القيمة الكبيرة لهذه المدينة.
شاهدنا بعض الإخوان والرفاق في الصحافة المستقلة وقد قاموا بجولات في المناطق المنكوبة وقدموا لنا صورا عن حجم الدمار خاصة في وسط مدينة مراكش. هذا الوضع يتطلب منا هبة خاصة لإنقاذ التراث المعماري للمدينة، وللتفكير في الأيواء والإسكان اللائقين لكل سكان مراكش المتضررين من الزلزال، لا أن يتم الحؤول دون "رياضاتهم" وإبعادهم إلى مناطق تنعدم فيها ظروف العيش الكريم وتبعد عن مقرات عملهم. هذه جريمة ترتكب في حق هؤلاء. يلزم توفير السكن اللائق وخدمات القرب وفك العزلة عنهم، ولا يجب استبعادهم وشراء دورهم وإقصائهم خارج المدينة.
لهذا، اوجه نداء استغاثة من أجل مدينة مراكش وكل الدواوير. نحن نعلم أنه من الصعب البناء في المناطق الجبلية، لماذا لا تتعاون السلطات مع هؤلاء الناس. يتركونهم يبنون في الظلام لأنهم لا يسمحون لهم بالبناء جهارا نهارا ولا يساعدونهم، وليس هناك مخطط للتهيئة الترابية يهدف إلى النهوض بالمناطق القروية والجبلية في بلادنا. هل نترك هذه "القصور" بدون ماء ولا مراحيض ليشاهدها فقط السياح الوافدون، أم نريد منها أن توفر سكنا لائقا؟
نوجه نداء من اجل بناء قرى نموذجية تحافظ على جمالية المنطقة وتراثها، تتوفر كل وحدة من وحداتها على صالون وغرفتين ومطبخ وحمام حتى تسكن الناس في سكن لائق. وينبغي أن يتوفر في كل واحدة من هذه القرى النموذجية مدرسة ومسجد ومستوصف وفضاءات يلعب فيها الأطفال وأخرى تحتضن تعاونيات لإنتاج زيت أركان أو زيت الزيتون أولإنتاج اللوز او نسج الزرابي، ويمكن أن يقصدها الصناع التقليديون الذين يذرفون الدموع تعبيرا منهم عن عجزهم على كسب قوتهم اليومي بعملهم. لماذا؟ لأن الدولة، في إطار الانفتاح غير المعقلن، سمحت لبعض الأشخاص بأن يجلبوا اللزير. نحن لسنا ضد التقدم العلمي والتطور، لكن ما يصنع باليد من طرز وخياطة وزرابي وفخار ونحاس وفضة يجب أن تعطاه قيمته الحقيقية. هذا تراث هائل لاىيجب أن نتركه عرضة للضياع.
بهذه مناسبة التي سنحت بها الفاجعة، نقول: رب ضارة نافعة. نريد من هذه الضارة التي أوجعت قلوبنا وأجسادنا وأرواحنا أن تكون فرصة للقيام بنقلة. الدولة المغربية تقسم المغرب إلى 20 % من الجماعات الحضرية و80 % من الجماعات القروية والجبلية المتروكة للتهميش كخزان انتخابي. اليوم، نريد للمغاربة أن يتحرروا، وأن تصل المدرسة إلى الجميع حتى إذا جاءت الانتخابات يختار المواطن اللون السياسي عن قناعة وعلم ودراية. كفى من استغلال الناس. بالفعل، لم يكن من الممكن إيقاف الزلزال، ولكن الخراب والهشاشة والفقر الذين يعاني منهم المغاربة الدولة والحكومات المتتالية هي المسؤولة عنهم.
أجدد تحيتي للشعب المغربي على هذه الهبة التضامنية التي أرادت بعض الدول تكسيرها، غير ان قيم التضامن والإخاء ما زالت راسخة في نفوسنا. نريد دولة قوية، نريد مؤسسات خالية من الفساد، نريد منتخبين نزهاء عندهم الكفاء و"الكبدة والقلب على هاد البلاد" لأجل أن يخدموها، وليس لأجل البحث عن أراض للاستحواذ عليها.
في إطار الانفتاح، لا حاجة لنا إلى ترحيل سكان المناطق الغنية بالمعادن والثروات والتطويح بهم في الفيافي. اسمحوا لي، العائلات التي هدمت بيوتها تم إرسال ذكورها إلى الملعب وإناثها إلى المسجد. هناك عدة منازل فارغة. على الدولة أن تتدخل لإسكان الناس اليوم قبل الغد، ليس في مدينة مراكش فقط ولكن حتى في الدواوير. يجب البحث عن حلول. هناك أناس يعرفون بناء المنازل بالخشب وهم مستعدون للعمل شريطة إمدادهم بهذه المادة الأساسية.
ومرة اخرى اقول إن الدولة ملزمة بإشراك مهندسين مغاربة يضعون تصاميم خاصة بالقرى النموذجية التي تتوفر فيها إمكانية الدراسة والعيش وممارسة طقوس العبادة ومزاولة التجارة والصناعة التحويلية حتى تتحسن الأوضاع. هناك حاجة ملحة إلى مخطط استراتيجي للنهوض بالعالم القروي والجبلي وفك العزلة عن القرى والدواوير حتى نعفي المواطنين من محن التنقل في ظروف غاية في الصعوبة. فقبل الكارثة كان هؤلاء يعانون من العزلة. البرد والثلج على الأبواب. أطلب من المغاربة الذين تضامنوا مع سكان هذه المناطق المنكوبة أن يستمروا في تضامنهم مع كل الجهات المهمشة من الوطن. وأطالب بالانخراط الواعي في الجمعيات والأحزاب الجادة حتى يمكن لنا النهوض ببلادنا وضمان تقدمها، وحتى يعيش المغاربة قاطبة في ظروف يتوفر معها العيش الكريم.
بهذه المناسبة، بعد الاطلاع على تقارير قدمها لنا رفاقنا في مراكش أو بعض الشبان في الصحافة المستقلة الذين ذهبوا إلى عين المكان والتقطوا الصور، نندد بهؤلاء المنعشين العقاريين الفاسدين الذين يقيمون بناءات هشة. في المحاميد، مثلا، تشققت المنازل وبات أصحابها في الخلاء خوفا على اولادهم وأرواحهم. إذن، أين هي المراقبة؟ لا يمكن بناء دولة الحق والقانون بدون مراقبة ومحاسبة ليس فقط المنتخبين والمعينين ولكن حتى هؤلاء التجار الذين يتاجرون بأرواح الناس. اليوم، يجب الانتباه إلى ما يقع في العقار وإلى أوضاع الأطفال الأيتام. يجب الإسراع في إيجاد ملاجئ لهم وإدخالهم إلى المدرسة مع تخصيص إعانات سيكولوجية لفائدتهم. إنهم اولادنا، وإن فقدوا آباءهم تبقى الدولة هي امهم التي يجب عليها رعايتهم لأنهم هم الأجيال المقبلة التي يجب ان تنمو في ظل شروط تؤهلها لتكون غدا في مستوى المساهمة في تنمية البلاد.
بهذه المناسبة، تحيي الشعب المغربي قاطبة على هذه الهبة التضامنية. رأينا تضامن الشباب في المدارس والكليات والمؤسسات والمقاولات المواطنة الكبيرة التي ساهمت بمساهمة فعالة، بخلاف الآخرين الذين - ربما مات ضميرهم - او عميت بصيرتهم ولا يمكنهم أن يقدموا أي شيء سواء في هذه الفاجعة او في ما سيقع من فواجع أخرى، لا قدر الله. ولكن الأغلبية الساحقة من هذا الشعب تبذل قصارى جهودها وأحييها وأدعوها إلى التفكير في كل الجهات المهمشة من هذا الوطن. ويجب أن تتجاوز الإعانات التي نقدمها الحماس إلى التخطيط والتنسيق مع الجمعيات المحلية إلى جانب المراقبة والمحاسبة حتى نستهدف فئات واسعة من مجتمعنا وننتشلها من هذا البؤس وهذا الفقر اللذين لا تستحقهما. وفي الحقيقة، كل المغاربة يستحقون العيش الكريم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت