هل القرآن فعلا كتاب مبين و ميسر لجميع البشر؟

إلياس شتواني
2023 / 9 / 19

إن ما يميز الدين الإسلامي حقا هو أسراره المكنونة و فجاجه العميقة. إنك لا تكاد تفهم آية، كلمة، أو حرفا مقطعا حتى يتبين لك الأقوال العديدة و المتضاربة و حتى الخرافات المتوارثة. إن الكتاب المقدس الإسلامي يحتاج مجلدات و أخبارا و اثارا لكي يفهم و يصل إلى عقل القارئ بعد مشقة بالغة. إنه نفس الكتاب الذي يدعي البيان و التيسير لكل العالمين. إنه نفس الكتاب الذي يدعو الناس للتدبر في معانيه و إستخلاص عظمة و حكمة الخالق.


يوجد عند المؤمنين نزعة دفينة للتصديق و التبجيل. لن أتطرق هنا إلى مسألة غريزية التدين عند البشر، فهذا ليس لب المبحث. ما يهمني هو الكيفية التي من خلالها يصل الإنسان إلى نوع من التوازن و القناعة الفكريين. القراءة من أجل الثواب و الحسنات تختلف جذريا مع القراءة النقدية و الموضوعية. القارئ الباحث عن الحقيقة لا يستحضر وجود الملائكة أو رقابة الخالق. القارئ الباحث لا يهمه طهره الجسماني أو الروحي. القارئ الباحث لا يطربه الحس الترتيلي للآيات القرآنية، بل تستهويه حصرا الجوانب الدلالية و المنطقية لأي كتاب او طرح فكري كيفما كانت إدعائاته و صيرورته.

عندما نقرأ القرآن، نجد آيات تتحدث عن بيانه و وضوحه الساطعين. نجد أيضا آيات تدعوا البشر عموما للتدبر و التأمل فيه. فالقرآن في آخر المطاف حجة لك أو حجة ضدك.

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17) القمر

الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) هود

وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) البقرة

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ (16) الحج

يقول إبن كثير في تفسيره للآية الأولى:
(ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي: سهلنا لفظه، ويسرنا معناه لمن أراده، ليتذكر الناس.

هل توجد آيات من القرآن تثبت عكس ذلك؟

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) الزمر
يقول إبن كثير في تفسيره:
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( مثاني ) قال: القرآن يشبه بعضه بعضا، ويرد بعضه على بعض.

هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) آل عمران
يقول إبن كثير في تفسيره:
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب) أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه (وأخر متشابهات) أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [أنه قال] المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به.

أمثلة لغموض القرآن

الۤـمۤ، الۤـمۤـصۤ، الۤر، الۤـمۤـر، كۤـهـيـعۤـصۤ، طـه، طـسۤـمۤ، طـسۤ، يـسۤ، صۤ، حـمۤ، عۤـسۤـقۤ، قۤ، نۤ
يقول إبن كثير في تفسيره:
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله، ولم يفسروها [حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - به، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خثيم، واختاره أبو حاتم بن حبان]
ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور [قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر، ونقله عن سيبويه أنه نص عليه].
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أنه قال: " الم "، و " حم "، و " المص "، و " ص "، فواتح افتتح الله بها القرآن.
وكذا قال غيره: عن مجاهد. وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه، أنه قال: " الم "، اسم من أسماء القرآن.
وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى . فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى، وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وقال شعبة عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: " الم " اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة.
ورواه ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت السدي عن " حم " و " طس " و " الم "، فقال: قال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم .
وقال ابن جرير: وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو النعمان، حدثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله، فذكر نحوه [وحكي مثله عن علي وابن عباس].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.
وروي - أيضا - من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: " الم "، قال: أنا الله أعلم.
و لكي لا أطيل عليكم أعزائي، فلا أحد يعلم المعنى بالتحديد.

الرقيم

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) الكهف
يقول إبن كثير في تفسيره:
[وأما " الكهف " فهو: الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون. وأما " الرقيم "] فقال العوفي، عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " الرقيم "، قال: يزعم كعب أنها القرية.
وقال ابن جريج عن ابن عباس: " الرقيم " الجبل الذي فيه الكهف.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرقيم: الكتاب. وقال سعيد بن جبير: [الرقيم] لوح من حجارة، كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف.

المرسلات

وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) المرسلات
يقول الطبري في تفسيره:
حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا المحاربي، عن المسعودي، عن سَلَمة بن كهَيل، عن أبي العُبيدين أنه سأل ابن مسعود فقال: ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال: الريح.
حدثنا إسرائيل بن أبي إسرائيل، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا الضحى، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ) قال: الملائكة.

الخنس

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) التكوير
يقول الطبري في تفسيره:
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عُرعُرة، أن رجلا قام إلى عليّ رضي الله عنه ، فقال: ما( الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ) ؟ قال: هي الكواكب.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت خالد بن عُرعرة، قال: سمعت عليا عليه السلام ، وسُئل عن ( لا أُقْسِمُ بالخُنَّسِ * الجَوَارِ الكُنَّسِ ) قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتكنس بالليل.
حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا هشيم بن بشير، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، عن أبي ميسرة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال لأبي ميسرة: ما الجواري الكنس؟ قال: فقال بقر الوحش قال: فقال: وأنا أرى ذلك .
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله، في قوله: ( الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ) : قال: بقر الوحش.

قسورة

فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) المدثر
يقول الطبري في تفسيره:
حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي موسى ( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) قال: الرماة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) يعني: رجال القَنْص.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) قال: ركز الناس أصواتهم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة ( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) قال: هو الأسد.
حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال ثني سلم بن قتيبة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه سُئل عن قوله: ( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) قال: هو بالعربية: الأسد، وبالفارسية: شار، وبالنبطية: أريا، وبالحبشية: قسورة.
كلمة حبشية في القرآن!
هذه الكلمات على سبيل المثال لا الحصر.

لنعد إلى صلب الموضوع. المفترض في بادئ الأمر أن القرآن كتاب ميسر للذكر و الفهم كما تشير الآيات أعلاه. كتاب يفهمه القرشي الوثني و العربي البسيط و المثقف في كل زمان و مكان. كتاب يفهمه حتى الأعجمي المسلم. كتاب رب العالمين لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. هذه أطروحة الإسلام الخالدة. لكن فيما يبدو جليا أن الواقع ينافي هذا الطرح قلبا و قالبا. فمن خلال قرائتنا الموضوعية للقرآن، يتضح لنا أن هناك آيات أخرى متشابهات. آيات تحتمل التفاسير المتعددة و أحيانا تأويلات تعسفية و متناحرة. كلمات و أحرف لا يعلم تأويلها إلى الله. كلمات و أحرف قد تكون أجنبية و ليست حتى نموذجا للسان العربي القح.
يقول القرآن في سورة يوسف: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2). هذا الموقف الغريب و المتناقض لأطروحة القرآن و تأكيده المتواصل و الملح على أصالته و بيانه اللغويين إنما يحمل بين طياته سرا عميقا. هو في الحقيقة إلا تسترا على فكرة بسيطة مفادها أن القرآن ليس بالوضوح و البلاغة اللتين ينسبهما الكتاب لنفسه. إختلافات السلف و جهابدة اللغة و التفسير خير دليل على ذلك، موقف يعززه صمت مطبق للقرآن و آياته. لنأخذ أمثلة أخرى على ذلك:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ سورة البقرة :258
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا سورة البقرة :259
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ سورة يس :13
من الذي حاج إبراهيم؟
من الذي مر على قرية؟ و أية قرية؟
من أصحاب القرية؟ و من هم المرسلون؟
نحن لا ندري من هاته الشخصيات و لا الأمكنة و الأزمنة المرتبطة بها. فتفسير هاته الآيات البينات يستلزم وجوبا مراجع و كتبا أخرى. إنها محنة تفسير إن صح القول. فهم القرآن عبارة عن دوامة و إستدلال دائري أزلي. لقد فهم السلف هذا الأمر حينها. كتابة الأحاديث و الأخبار كان لابدا منه. فنحن لا نلوم من يقول أن السنة مكملة أو شارحة للقرآن، نحن نلوم و ننقاش من يقول بأن الكتاب بين و لا يحتاج لبرهان. تستحضرني هنا كلمات مستشرق عن الإسلام. لقد كان القرآن دائما في صراع مع نفسه قبل أي يكون في صراع مع الآخر.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت