أوسلو : ماذا بعد، اما آن للسلطة أن ترحل

علي أحمد
2023 / 9 / 18

بعد 30 عاما على توقيع منظمة التحرير اتفاق “أوسلو” مع دولة الاحتلال الإسرائيلي تراجعت القضية الفلسطينية تراجعا كبيرا، وزاد الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، وسيطر الاحتلال على مدينة القدس بشكل أكبر ولم يعد لعودة اللاجئين مكان حتى في مفاوضات عقيمة ومنتهية.

بعد 30 عاما ما زال الفلسطينيون يعانون من تبعات وانتكاسات اقتصادية وسياسية وأمنية جراء اتفاق وصفه الكثيرون بالكارثة، ووصفه رئيس الاتحاد الدولي لمؤرخي فلسطين الدكتور غسان وشاح بأنه “مولود غير شرعي ومشوّه نتج عن 14 جولة سرّية استمرت قرابة العامين بين إسرائيل وممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية التي انفردت بتوقيع اتفاق مصيري دون إخضاعه لاستفتاء شعبي أو حتى أخذ رأي قوى كبيرة في الشارع الفلسطيني”. اتفاق أوسلو التاريخي الذي وُقع في 13 سبتمبر/أيلول عام 1993، أنهى الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي استمرت قرابة 6 أعوام، وتمخّض عنه، إقامة سلطة فلسطينية توصف بأنها “وكيل أمني” للاحتلال. وينص أبرز بنود الاتفاق على اعتراف منظمة التحرير بـ(إسرائيل) مقابل اعتراف الأخيرة بالمنظمة، وليس بدولة فلسطين.وشكّلت أوسلو بعدها مرحلة فاصلة يذكرها الفلسطينيون بالكثير من الأسى وخيبات الأمل.

وعلى الرغم من آثار الاتفاق المدمرة للشعب الفلسطيني، وخدمته لمصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي فإن السلطة لا تزال تتمسك به، وترفض تطبيق مطالب الإجماع الوطني بالتراجع عن هذا الاتفاق. ففي خلال الـ 30عامًا زادت سلطات الاحتلال من الاستيطان في مدن الضفة الغربية المحتلة، وأستولت على المزيد من الأراضي وصادرتها، بمعنى أن الاتفاق لم يحقق للفلسطينيين أي شيء إيجابي غير الخسائر. قيادة منظمة التحرير باتفاق أوسلو تنازلت عن 78% من فلسطين التاريخية وما بها من موارد، وقبلت 22% فقط، وحتى ذلك فإن اتفاق أوسلو لم يحافظ على القليل الذي قبلته قيادة منظمة التحرير.

فعلى صعيد الأرض والموارد سأكتفي ببعض المؤشرات الرقمية المنشورة عن واقع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967م:
عدد المستوطنين في الضفة المحتلة عام 1993م (تاريخ توقيع أوسلو) 116 ألف مستوطن، فيما عددهم في القدس عام 1993م ما يقارب 144 ألف مستوطن بينما وصل عدد المستوطنين في الضفة المحتلة وشرقي القدس مع مطلع العام 2023 م (بعد 30 عامًا من توقيع أوسلو) 726 ألف مستوطن .نسبة الزيادة في عدد المستوطنين والاستيطان بلغت 350% في أراضي السلطة الفلسطينية التي مساحتها أصلًا 22% من مساحة فلسطين التاريخية، وبخصوص مواقع المستوطنات فإنها أقيمت على أعالي الجبال وفوق آبار المياه العذبة والأراضي الخصبة، ما يعني استيلاء الاحتلال على الموارد الفلسطينية.

أن أبرز الوعود الاقتصادية التي نصّت عليها أوسلو هي ميناء غزة الذي لم يتم استكماله، والمطار الذي تم إنشاؤه ثم قُصف بعد أعوام قليلة من تشغيله، إضافة إلى الكثير من المشاريع الإستراتيجية المتعلقة بإنتاج الطاقة والاستثمار والشركات القابضة والمشاريع الدولية الكبرى كالمدن الصناعية المشتركة التي لم يتم تطبيقها وفقا لبروتوكول باريس الاقتصادي.

وبروتوكول باريس الاقتصادي الملحق باتفاقية أوسلو والموقع في 29 أبريل/نيسان 1994 جوهره هو إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالكامل بالاقتصاد الإسرائيلي من خلال الاتحاد الجمركي ومن خلال تقييد الاقتصاد الفلسطيني وجعله معزولا عن التبادل التجاري المستقل مع العالم. وأرجع أبو جياب سبب الأزمات المالية والواقع المعيشي الصعب للفلسطينيين إلى اتفاقية باريس “حيث سمحت إسرائيل لنفسها باقتطاع 3% من إجمالي الضرائب والرسوم والجمارك على البضائع الواردة للأراضي الفلسطينية تحت بند إدارة عمليات التحصيل”. وأردف أن “إسرائيل تستخدم الأموال كواحدة من أدوات الابتزاز السياسي والاقتصادي ضد السلطة، فهي تحتجز اليوم الأموال الفلسطينية وتستقطع منها، ونجحت في الكثير من المفاصل في منع السلطة من الإقدام على أي خطوات سياسية ودولية وإقليمية”. وفيما يتعلق بواقع التجارة الخارجية والملاحة للفلسطينيين، ذكر أبو جياب أن المعبر الوحيد مع غزة وأكثر من 12 معبرا للتجارة والأفراد في محافظات الضفة كلها تحت حكم الاحتلال.

بعد توقيع اتفاق أوسلو إنهار منطق القيادة الفلسطينية الذي راهن على أن يفتح ذلك أفق تجميع مقومات السيادة الفلسطينية على الأرض بصورة تدريجية وصولاً إلى الاستقلال، بل أصبح وجود السلطة الفلسطينية يخدم مخطط القيادة الإسرائيلية الهادف إلى إعادة هيكلة نظام الاحتلال والتحرر من تكاليفه. اتفاق أوسلو وملحقاته ألزما السلطة الفلسطينية بأن تكون سلطة خاضعة للابتزاز بموجب العديد من الاتفاقيات الأمنية، والاقتصادية كاتفاقية باريس كما أسلفنا التي تسمح للكيان بتغيير دور السلطة ووظيفتها من سلطة وطنية إلى سلطة تحفظ أمن الاحتلال. وبذلك جعلت السلطة الفلسطينية نفسها بهذا الاتفاق ملزمة بأن تجعل الاحتلال الإسرائيلي احتلالًا ناعمًا نظيفًا غير مكلف، تلك التكاليف التي وفرتها إسرائيل وظفتها في مشاريع توسيع المستوطنات وزيادة عددها وتسريع عمليات تهويد مدينة القدس المحتلة. السلطة وقيادتها لا تزالان تعولان على خيار المفاوضات والتسوية، ولا تمتلكان أي جرأة لتقييم حقيقي وواقعي للاتفاق حتى لا تلجآ إلى الحلول الحقيقية في المواجهة مع الاحتلال.

المطلوب من السلطة وقيادتها الإذعان للموقف الرسمي للفصائل، والمواقف الشعبية، ومؤسسات المجتمع المدني، وإلغاء الاعتراف بدولة الاحتلال واتفاق أوسلو والعودة للشعب عبر إجراء انتخابات. بدوره يؤكد المحلل السياسي، عمر عساف، أن اتفاق أوسلو خدم الاحتلال، وفرّط بالقدس بإزاحتها للمرحلة النهائية، كما لم يتوقف الاستيطان بل تمت التغطية عليه.

ويقول عساف لـصحيفة “فلسطين”: “اتفاق أوسلو لم يتفق على وقف الاستيطان، وقدم مزيدا من التنازلات المجانية من السلطة للاحتلال، وتراجعت مكانة القضية الفلسطينية تحت ذريعة وجود تسوية”. ويضيف: “حققنا خسارة كبيرة من هذا الاتفاق، في المقابل حقق الاحتلال ربحا صافيا في السنوات الماضية”. ويوضح عساف أن السلطة تصر على اتفاق أوسلو لأن “هناك مصالح لأفراد متنفذين في السلطة، لذلك يعملون على بقائه، من خلال التنسيق الأمني، وتحويل القضية الفلسطينية من حقوق وطنية، إلى بعض المطالب الإنسانية. ويبين أن السلطة حولت القضية الفلسطينية إلى قضية اقتصادية، وهذا الركن الأساسي لاتفاق أوسلو، إلى جانب الدور الأمني الذي تقوم به السلطة. ويطالب عساف السلطة بـ”المغادرة”، مع وجود ضغط شعبي وفصائلي لتغييرها لإلغاء دورها لأنه “أصبح تدميريا، ولا يقدم أي شيء للقضية أو الشعب الفلسطينيين”.

أن السلطة لم تُحصِّل من توقيع اتفاق أوسلو، إلا على الأوهام، وزيادة التراجع عن الثوابت الفلسطينية، وحدوث انتكاسات وخسائر للقضية الفلسطينية، فماذا بعد، أما آن لهذه السلطة أن ترحل وتتحد الفصائل الفلسطينية في عمل جبهوي يكون في طليعة إنتفاضة فلسطينية تعمل على إنهاء الأحتلال من منطقتنا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت