في الدين والقيم والإنسان.. (18)

بنعيسى احسينات
2023 / 9 / 18

في الدين والقيم والإنسان.. (18)
(تجميع لنصوصي "الفيسبوكية" القصيرة جدا، من دون ترتيب أو تصنيف، التي تم نشرها سابقا، أود تقاسمها مع القراء الكرام لموقع الحوار المتمدن الكبير المتميز).

أذ. بنعيسى احسينات - المغرب

إن العالم العربي الإسلامي اليوم وقبل أي وقت مضى، ليس في حاجة إلى إصلاح سياسي، ولا إلى مؤسسات مجتمع مدني. بل هو في حاجة أولا وقبل كل شيء، إلى إصلاح فكري وديني وثقافي. وإلى الاجتهاد في خلق الإبداع الفقهي المتجدد، لتفعيل ما عندنا من مؤسسات موجودة، لمسايرة الواقع المتطور، بكل إيمان ومسؤولية.

ما ليس موجودا في الماضي، لا حق له في الوجود في الحاضر والمستقبل. هذا منطق شيوخنا وفقهاؤنا اليوم. بمعنى أن عصر الأنوار وراءنا لا أمامنا. إنه تكريس لأخلاق السلف ولأفكارهم وسلوكياتهم. رغم أنهم يستعملون التكنولوجيا الحديثة، التي هي من إنتاج وصنع ما يطلقون عليهم الكفار. لذا كان يحكمنا الأموات لا الأحياء.

يقول د. محمد شحرور رحمه الله: "إن الله حي بعث كتابه إلى أحياء، والله حي ونحن الآن أحياء، فكتابه لنا أيضا. لقد كان بالأمس لهم والآن هو لنا، لأن الله يخاطب الأحياء لا الأموات. فهناك من تفاعل مع الكتاب ضمن أرضيته المعرفية، ولكن نحن لنا أرضية معرفية أخرى. لذا يجب أن نبحث عن مصداقية التنزيل الحكيم الآن، على أن الله صدق في القرن 7 وفي القرن 10 والآن. فالمقدس هو دائم الحياة"

أمام النفاق والتظاهر بالتدين، والتسابق إلى احتلال الصفوف الأولى. وأمام انتشار ظاهرة سرقة الأحذية بالمساجد، يفضل الإنسان المتقي الورع، المشي في الشارع وهو يفكر في اللّه ويتأمل في خلقه، على التواجد في المسجد وهو يفكر في حذائه، وينتبه إلى ما يفعله جيرانه في الصف، حتى يحاسبهم على أخطائهم فيما بعد.

إن الديانات السماوية في حد ذاتها، خادمة للإنسان في كل تجلياته ومقاصده. لكن الساهرين على تطبيق تعاليمها، من جل رجال الدين والشيوخ والفقهاء وغيرهم، أفسدوها وحرفوها بجهلهم وطمعهم وجشعهم، خدمة لمصالحهم الضيقة ومصالح أسيادهم. فما أحوجنا إلى صحوة دينية حقيقية، تجعل الإنسان والقيم، مركزا لكل ما هو موجود.

المسلم عموما، هو المؤمن بالله واليوم الآخر وبالعمل الصالح، إذ يشمل كل من ينتمي للديانات السماوية. والمسلم خاصة، هو المؤمن بالله وبرسوله محمد (ص)، وبالأنبياء والرسول السابقين. هذا الأخير يعيش خاتمية الرسالة المحمدية، ونُضْجَ الدين الإسلامي مع رُشْدِ الإنسانية عامة، التي تستطيع التشريع لنفسها، لكونها لا تتعارض مع قيم الإسلام.

عند إقامة الصلاة في المسجد أو في غيره، تُقِيمُ عهدا مع الله في صلاتك، كونها تنهاك عن الفحشاء والمنكر، وتأمرك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدفعك للعمل الصالح يرضاه الله. لكن هل تقيم عهد الله هذا عند خروجك من المسجد أو غيره؛ في حياتك مع نفسك وأهلك وذويك، وباقي الناس الذين تعمل معهم أو تربطك معهم علاقة ما؟

أركان الإسلام الخمسة، المفروضة على المسلمين عامة، فيها أركان خاصة بالفقراء والأغنياء على حد سواء؛ كالشهادتين والصلاة والصيام إلى حد ما. إلا أن هناك فرائض خاصة بالأغنياء القادرين عليها؛ كالزكاة والحج، وكذا الذين لا يقدرون على الصيام، إذ يؤدون فدية مقابل ذلك. كما يتم اقتناء أضحية العيد كسنة، على الأغنياء دون غيرهم.

للأغنياء رخص كثيرة في ممارسة حياتهم الدينية، التي لا نجد لها أثرا في حياة الفقراء المسلمين. لوحدهم يخرجون الزكاة، ويؤدون فريضة الحج، والقادرون على أداء الفدية في حالة عدم القدرة على الصيام، والمستطيعون لوحدهم على تحرير رقبة، وإطعام 60 مسكينا أو أقل حسب طبيعة الخطأ، في حالة المطالبة بالصيام ككفارة شرعية.

عندما يسمح قانون دولة، بتظاهرة متطرفين ضد الإسلام، يوم عيد الأضحى وأمام مسجد، مع الاحتفال بحرق القرآن الكريم، رمز الرسالة الإسلامية، أمام أعين الكاميرات والإعلام المحلي والعالمي، واستفزاز حوالي مليار ونصف من المسلمين في العالم. فما محل حرية التعبير والتعايش والتسامح الدينيين من الإعراب في هذا؟

من الناس من يحكم على المظاهر الخارجية، دون تفكير في عمق الأشياء. لأن ما يظهر لنا في الغالب، لا يمت إلى الحقيقة بصلة، فنتسرع في أحكامنا بلا تريث. فما تقدمه لنا حواسنا، تبقى نسبية لا ترقى أبدا إلى الحقيقة. فعلينا قبل التسرع في الأحكام، أن نتريث ونفكر أكثر، قبل إصدار أحكام كيف ما كان نوعها.

إن إحراق مصحف القرآن، من طرف جماعة كارهة للدين الإسلامي، بترخيص من نظام الدولة السويدية بأوروبا، يبرهن بما لا يدع أي مجال للشك، بعنصرية الغرب عامة، ضد كل ما هو إفريقي عربي إسلامي. فأين حقوق الإنسان التي يتشدقون بها؟ وأين أثر الحضارة الإنسانية التي يتغنون بها؟ إنه مجرد نفاق وخداع بامتياز.

من أعيب العيوب أن تنبش في عيوب الناس وتعمل في تفشيها، وتنسى عيوبك الخاصة. كل إنسان فيه وتحيط به عيوب شتى؛ منها ما هو من صناعته ومسئوليته، ومنها ما هو لا دخل له فيها، لكن مع الأسف يهتم بعيوب الآخرين. فعيوب الناس أمر شخصي من حميميتهم، التي يجب عدم الكشف عنها واحترام هذه الخصوصية.

الخوض في عيوب الناس بشتى الوسائل، ذاتية منها وموضوعية، شيء لا يقبله لا العقل ولا الأخلاق ولا الدين. إنها من خصوصيات الناس وحميميتهم، لا يجب الخوض فيها مهما كانت الأسباب. لكل منا عيوبه، فلا تنشروا عيوب الناس، ستكون عيوبك من بينهم لا محالة.

قال أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي (909 - 974 هـ) فقيه شافعي ومحدِّث ومؤرخ ومتكلم، في النميمة والغيبة: "كل نميمة غيبة، وليس كل غيبة نميمة، فإن الإنسان قد يذكر عن غيره ما يكرهه، ولا إفساد فيه بينه وبين أحد، وهذا غيبة، وقد يذكر عن غيره ما يكرهه وفيه إفساد، وهذا غيبة، ونميمة معًا".

إن قول: "صدق الله العظيم"، بعد قراءة آية أو آيات، أو سورة أو مجموع سور، أو القرآن كاملا، هو أن الله صادق في ما قاله ويقوله، لا مبدل لكلامه عز وجل. فكيف نقول: صدق الله العظيم، ونحن نقول مع شيوخنا وفقهاؤنا، بأحقية ومصداقية الناسخ والمنسوخ؟ بل القول والجزم بأن ألسنة، أي الحديث النبوي ينسخ القرآن؟

إن مستقبل الأديان في العالم اليوم، مهدد بالإفلاس في مجال تجارتها، لأن المفلسين الحقيقيين الأساسيين، هم رجال الدين المتاجرين فيه؛ سياسيا وأخلاقيا وأسطوريا وخرافيا. لأن سلعها هذه، لم يعد لها زبناء وموردين في الجيل القادم. لذا سيكون العلم والإنسانية هما عقيدة المستقبل. فلغته وأسلوبه العلم وقيمه الإنسانية.

العلمانية ليست محاربة الدين أو نفيه أو إزالته، بل هي مجرد فصل الدين عن الدولة أو السياسة. فالدولة تملك أدوات الإكراه والتسلط، وتعمل على تطبيق القانون على الجميع، في حين الدين ليس كذلك، لأنه خاص يمارسه الأفراد والجماعات بحرية واختيار، في علاقتهم مع خالقهم. وهؤلاء يدخلون تحت حماية الدولة التي تحتويهم.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت