دراسة معنى كلمة -الأمر- في القرآن الكريم و كتابات حضرة بهاءالله (2)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 9 / 16

"يُدَبِّرُ {الْأَمْرَ} مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ" (السجدة: 5)
هذه الآية معنية بالخلاف فيما يتعلق بالجدل بين أتباع الإسلام و الدين البهائي. فالبهائيون يعتبرون أن الآية تشير إلى ظهور إلهى جديد [نزول وحي إلهى جديد] بعد ألف سنة من مجيء محمد (ص). و لكن بسبب فهم المسلمين لمفهوم أن محمداً "خاتم النبيين،" فالمسلمون يفسرون هذه الآية من دون أي تضمين لمجيء ظهور إلهى [وحي] إضافى من الله بعد محمد (ص).

الأمر في القرآن A. Al-Amr in the Quran
نعود الآن إلى الحالة الأولى التى ندرسها في هذا المقال، و يجب علينا محاولة برهان معنى كلمة الأمر في هذه الآية من القرآن الكريم. و لدينا مناهج مختلفة لهذا السؤال يمكننا الإستفادة منها.
1. تعريفات القاموس Dictionary definitions
في المقام الأول من المفيد دراسة ما ورد في القواميس القياسية. ففي معجم ليكسكون لإدوارد لين للغة العربية، هناك نوعان من سلسلة من المعانى أعطيت لكلمة الأمر:
أ. ’أمر a command؛ أمر/طلب an order؛ دعوة a bidding؛ أمر قضائي/إنذار an injunction؛ مرسوم a decree؛ فريضة/حكم an ordinance؛ أمر/تعليمات a pre-script-‘ مع الجمع الى أوامر و الكلمة المناقضة لها نهى (منع).
ب. شيء a thing؛ قضية an affair؛ شأن a business؛ مسألة a matter؛ مصدر إهتمام/قلق a concern؛ حالة a state، لشخص أو شيء أو لأشخاص أو لأشياء أو شؤون/أمور affairs أو ظروف circumstances؛ حال a condition؛ حالة/قضية a case؛ حادثة an accident؛ حدث/فعل an event وصيغة الجمع أمور.
و في دراسة هذه الآية القرآنية في ضوء تعريف إدوارد لين لكلمة الأمر، فهناك نوعان من الإعتبارات. الأول هو: ما هو المعنى الذي يتماشى أفضل مع الكلمة السابقة لها "يدبّر" ؟ والثاني هو: ما هو المعنى الذي يتماشى أفضل مع العبارة التالية التي تشير إلى أن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض ثم يصعد مرة أخرى؟ فيما يتعلق بالسؤال الأول، يدبّر، وهو الشخص الثالث [هو] من الفعل المضارع المبنى للمستقبل من الجذر دبر، و يمكن أن تترجم من خلال مجموعة واسعة من الكلمات الإنجليزية منها: إتخاذ الترتيبات اللازمة، إعداد الخطط، يعدُّ، ينظم، يصمم/يضع، يرتب، يحدث/يتسبب، يخترع، يباشر، يتصرف، يدير، يشغّل، وينظّم. و على ما يبدو أن المعاني في أي من مجموعة (أ) أو (ب) أعلاه من شأنها أن تتناسب مع كلمة يدبر، على الرغم من أن مجموعة (ب) ستكون أفضل نوعا ما. و فيما يتعلق بالسؤال الثاني، ومع ذلك، فمن الواضح أن المعاني في مجموعة (أ) تناسب أفضل بكثير: صورة الله ينزّل الأوامر و النواهى و الإنذار والمراسيم أو الأحكام/الحدود من السماء إلى الأرض و هو أمر شائع في كل الديانات الإبراهيمية.
2. التفسير القرآني Quranic Commentary
إنه من المعتاد أيضا لمحاولة التأكد من معنى مقطع (آية) في القرآن الكريم القيام باستشارة مختلف التعليقات/التفسيرات القياسية/النموذجية للقرآن الكريم. فمعظم التفسيرات لا تبدو أنها تعطى رأياً مباشراً عن معنى كلمة "الأمر". باستثناء واحد هو الكشاف للزمخشري (ت 1144 م) و الذي هكذا يفسر هذه الآية:
"{ الأمر } المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً { مِنَ السماء إِلَى الأرض } ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصاً كما يريده ويرتضيه إلا في مدة متطاولة؛ لقلة عمال الله والخلص من عباده وقلة الأعمال الصاعدة ، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص ودل عليه قوله على أثره { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }[المؤمنون: 78] أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض: لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة، كما قال: { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } [ الحج : 47 ]،
{ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } أي يصير إليه ، ويثبت عنده ، ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدّة: ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها ، ثم يدبر أيضاً ليوم آخر ، وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض. ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو ردّه مع جبريل ، وذلك في وقت هو في الحقيقة ألف سنة؛ لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة ، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل؛ لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد ، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ، ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله؛ أي يصير إليه ليحكم فيه.
{ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } وهو يوم القيامة ." (أبو القاسم الزمحشرى، الكشاف، على الرابط أدناه) (http://www.islamicbook.ws/qbook/alkshaf-014.html )2
من هذا المقتطف الطويل من الزمخشري، يمكن إستنتاج التفسيرات التالية. أن الزمخشري من الواضح يفسر الأمر بأنه أمر من عند الله إلى البشر بشأن ما هي الأعمال الصحيحة و الصالحة التي ينبغي القيام بها في طاعة الله (الطاعات والأعمال الصالحة). و أن تنفيذ هذا [الأمر] بواسطة نزول جبريل، و يبدو من هذا المقطع أن الزمخشري يُطابق ما أُنزِلَ مع الوحي، أى الوحى الذي نُزِّلَ على رسل الله. وهذا من شأنه أن يكون منطقيا لأن الوحي بأوامر الله المتعلقة بالطاعات و الأعمال الصالحة هو الغاية الحقيقية من مجيء رسل الله، مثل النبي محمد (ص). وبالطبع فإن الوحي حُمل لمحمد (ص) بواسطة الملاك جبرائيل. و أخيرا، فإن الزمخشري يصف هذه العملية بأنها مستمرة حتى آخر ساعة (قيام الساعة) وأنه يحدد اليوم‘ المذكور في هذه الآية بيوم القيامة.
البيضاوي (توفي عام 1291م) يكرر كثيراً من ما ذكره الزمخشرى، كلمة بكلمة تقريبا في بعض الأماكن. و أنه لا يعطي تفسيراً محدداً لكلمة الأمر، ولكنه قام بشرح الجزء الأول من هذه الآية على أنها تعني: "يدبر أمر الدنيا بالوسائط السماوية مثل الملائكة وغيرهم، و أن آثارهم تتنزل إلى الأرض."3 و لاحقا في تفسير النصف الثاني من الآية، فإن البيضاوي يكرر عبارة الزمخشرى، (المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً)، وبالتالي يتفق ضمنيا مع تفسير الأخير لكلمة الأمر. و البيضاوى يعيد مطابقة ما أُنزِلَ باعتباره الوحي (الرسالة)، وكذلك التأكيد على أن هذه العملية سوف تستمر حتى آخر ساعة (قيام الساعة)، وستنتهي عندما يعود إليه [الأمر] يوم القيامة. وبالتالي فإن البيضاوي يتفق في جميع النقاط الرئيسية التي حددناها أعلاه في تفسير الزمخشري.
أما تفسيرات الكتّاب/المفسرين الآخرين للقرآن ليست مفيدة جدا. و يبدو أن العديد منهم يعطون معظم إنتباههم في تفسيرهم لهذه الآية لبيانات حول كم من الوقت أخذته الملائكة في نزولها من السماء إلى الأرض. و هكذا على سبيل المثال ابن كثير (ت 1372م):
"و قوله: (يدبر الأمر من السماء الى الأرض ثم يعرج إليه)، أى: يتنزل أمره من أعلى السماوات الى أقصى تخوم الأرض السابعة، [كما] قال الله تعالى: (الله الذى خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير و أن الله قد أحاط بكل شئ علما) و ترفع الأعمال الى ديوانها فوق سماء الدنيا، و مسافة ما بينها و بين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، و سمك السماء خمسمائة سنة." (إبن كثير ، تفسير القرآن العظيم، ص: 91)4
لكن، بشكل عام، فإنه ليس من المفيد أن نرجع إلى المفسرين اللاحقين لتفسيرات هذه الآية في سياق تحقيقنا. و هذا لأنه بمجرد أن الإعتقاد بأن محمداً (ص) "خاتم النبيين" و التى أصبحت عقيدة راسخة في الإسلام في حوالي بداية القرن الرابع الهجري (أواخر القرن العاشر الميلادي)5، فإن كافة التفسيرات للآيات مثل هذه الآية بعد ذلك قد أصبحت مقيّدة بواسطة هذه العقيدة و أصبح من الصعوبة على نحو متزايد تقديم أي تفسيرات و التي إذا ما قدمت يمكن أن يُنظر إليها على أنها إلقاء الشك على هذا المذهب (ختم النبوة). و ما دام أن التفسير البهائي لهذه الآية كذلك، كما سنرى لاحقا، يلقي ظلالا من الشك على التفسير التقليدي المسلم لمفهوم "خاتم النبيين،" فلا يمكننا أن نتوقع أن نجد الدعم لذلك [التفسير البهائى] في التفسيرات [التالية للقرن الرابع الهجرى]، ربما باستثناء المبكرة منها للغاية. للأسف، التفسير كشكل أدبي في الإسلام جاء في وقت متأخر نسبيا و لذلك هناك مواد تفسيرية قليلة متاحة من الفترة المبكرة، أى قبل أن يصبح مفهوم "خاتم النبيين" عقيدة راسخة في الإسلام.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت