خصخصة العمل الإنساني و-الخَيْرِي-

الطاهر المعز
2023 / 9 / 15

أظْهرت انتفاضات مصر وتونس وبعض البلدان الأخرى ضُعف مستوى الحُضور والفِعْل السياسي بين فئات الكادحين والفُقراء والمُهَمَّشين، حيث ساهم المناضلون التقدّميّون القاعديون ومن القيادات المحلّيّة في الحركة الجماهيرية، كأفراد أو مجموعات صغيرة مَحلّيّة، دون برنامج وطني بديل، فانْقَضّت التيارات اليمينية الرّجعية على ثمار الإنتفاضة، وتزامن انخفاض حجم ( وجودة) العمل السياسي الجماهيري للحركات والإتجاهات التقدّمية واليسارية، خصوصا في بلدان "الأطراف" أو "المُحيط"، مع اكتساح "المنظمات غير الحكومية" السّاحات، خصوصًا في البلدان التي تم احتلالها أو تدميرها من قِبَل جُيُوش وأسلحة الدول الإمبريالية والمنظمات الإرهابية التي تُمَوِّلُها وتُدرّب عناصرها وتُسلّحها، واختفت (أو تكاد) عبارة مُناضل ليتم استبدالها بعبارة "ناشط" (ونقيضها "كسول" أو "راكد"؟)، في فلسطين والعراق وسوريا وكافة أرجاء الوطن العربي، والبلدان الإفريقية والآسيوية...
تتطرق الفقرات الموالية إلى الإفلاس المالي الذي يُهدّد منظمات الأمم المتحدة والمؤسسات التاريخية للعمل "الإنساني" (وهو في الواقع مُوَجّهٌ سياسيا، لكنه تأسس في مرحلة أخرى وَلّت وانتهت) مقابل تعاظم دَوْر مؤسسات المنظمات الخاصة العابرة للقارات (مثل منظمة المجتمع المفتوح لصاحبها الملياردير الأمريكي جورج سُورُوس) إلى درجة مساهمتها بفعالية في توجيه السياسة الدّولية...

منظمات دولية مُهدّدة بالإفلاس:
لا تتطرق هذه الفقرة إلى إرادة الدّول الإمبريالية والكيان الصهيوني وضع حدّ لوجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطيني ( أنروا)، عبر خَنْقِها ماليا، بهدف مَحْو أثَر النّكبة من ذاكرة الشّعُوب، لأن الحديث عن "أنروا" يتطلب مقالا خاصًّا بها.
أعلنت منظمة الأمم المتحدة يوم الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2022، إنها تلاقي صعوبات مالية كبيرة، بسبب اتّساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من "الجهات المانحة"، واعتبرت إن الدّعم المُقَدّم لسكّان أوكرانيا من العوامل الأساسية التي تسببت في تفاقم العجز نقص في التمويل، إلا أنها ليست العامل الوحيد، وقدّرت الأمم المتحدة أنها ستحتاج إلى مبلغ قياسي قدره 51,5 مليار دولار سنة 2023 للاستجابة للاحتياجات الإنسانية الهائلة، بزيادة قدرها 10,5 مليار دولار عن التوقّعات السابقة، بسبب تفاقم الوضع الإنساني في اثنتي عشرة دولة لا تصل فيها نسبة تمويل عملياتها حتى إلى 50%، وتخشى منظمة الأمم المتحدة عدم تأمين المبالغ الضرورية لتجنب النتائج الكارثية على المحتاجين، وأعلن متحدّث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عجز هذه المنظمة عن تأمين حوالي 54% من الاحتياجات التمويلية، رغم زيادة الحاجة إلى المساعدات في سوريا واليمن والسودان والصومال وتشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بالإضافة إلى خطط الاستجابة لأوضاع النازحين واللاجئين، ويعيش سكان كل هذه البلدان حروبا عدوانية خارجية أو صراعات داخلية تُغذّيها الشركات العابرة للقارات والدّول الإمبريالية، حيث يتم الإنفاق بسخاء على الأسلحة والمُرتزقة والجيوش النظامية ومعدّاتها، دون الإكتراث بحياة شُعُوب هذه البلدان، ولا تدعم الدّول الإمبريالية دول الجوار التي تستقبل أكثر من 90% من لاجئي العالم...
أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فجوة بقيمة 700 مليون دولارا، وأدّى ارتفاع سعر الغذاء والوقود إلى قَطْعَ إمدادات المياه عن مخيمات النازحين في السّودان والكونغو وسوريا ولبنان، وإيقاف المساعدات الغذائية لنحو سبعين ألف أُسْرَة سورية لاجئة في لبنان...
اعتبر خُبراء الأمم المتحدة أن تداعيات جائحة كوفيد -19 وتغير المناخ، والمشاكل الاقتصادية الحالية التي تعاني منها بعض الدول الغربية، وبالخصوص حرب أوكرانيا هي من العوامل الأساسية الكامنة، وراء هذه أزمة نقص التمويل، فقد بثت أبواق الدّعاية الأوروبية رسائل التّرحيب باللاجئين الأوكرانيين، بالتوازي مع رسائل العداء والكراهية لبقية لاجئي العالم، لتبرير المبالغ الضّخمة التي تم ضخّها في أوكرانيا، وخصوصًا على تدفّق الأسلحة، وقطعت الدّول الغنية التمويل عن اللاجئين من البلدان الأخرى التي دَمّرها سلاح حلف شمال الأطلسي والشركات العابرة للقارات،
قدّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أعداد النازحين قسراً في جميع أنحاء العالم بنحو 103 مليون لاجئ منتصف سنة 2022، بزيادة 15% عن نهاية سنة 2021، ما زاد من الحاجة إلى التّمويل، غير إن الإلتزام والتعاطف الذي أظهره العالم (لاافراد ومؤسسات وجمعيات وشركات ربحية وحكومات...) تجاه الأوكرانيين، لم يشمل جميع اللاجئين، الذين أجبروا على الفرار بسبب انعدام الأمن في بلادهم، وأشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى تلاعب بعض الدّول (منها دول شمال أوروبا وألمانيا وبريطانيا وسويسرا وغيرها) بتصنيفها الإنفاق على العمل الإداري والمساعدات المُقدّمة للاجئين المتواجدين فوق أراضيها، وخصوصًا من أوكرانيا، كمساعدات إنسانية، بينما هي تمنحها لنفسها وتقوم بشكل أساسي بمنحها لنفسها، وفق صحيفة "غارديان" (28 تشرين الأول/اكتوبر 2022)...
أدّى نقص التمويلات إلى إعلان "اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، إحدى أكبر المنظمات الإنسانية في العالم، يوم الرابع من نيسان/ابريل 2023، إنها "اضطرت لإقرار خطة تقشف تقضي خصوصا بخفض التكاليف خلال العام الجاري ومطلع العام المقبل بمقدار خمسمائة مليون دولارا، وبإلغاء نحو 1500 وظيفة، بسبب عدم كفاية التبرعات"، وفق وكالة الصحافة الفرنسية ( أ. ف. ب. 04 نيسان/ابريل 2023)، وتوظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومقرها في جنيف ( ويرأسها دائما مواطن سويسري) نحو 20 ألف شخص في أكثر من 100 دولة، وتُقدّر ميزانيتها السّنوية، بعد التخفيض بحوالي 2,5 مليار دولارا ( بينما ترتفع حاجتها إلى حوالي ثلاثة مليارات دولارا)، وكما حصل للمنظمات الدّولية الأخرى، فقد قلّصت "الجهات المانحة" مساعداتها بسبب المبالغ الضخمة التي أنفقتها دول أوروبا وأمريكا الشمالية والدّول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي لدعم أوكرانيا ضدّ روسيا، وفي حزيران/يونيو 2023، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) إنها لا تزال تواجه صعوبات مالية، ورفعت عدد الموظّفين المُسَرّحين من 1500 إلى 1800، وإغلاق 26 موقعًا على الأقل من مواقعها العالمية البالغ عددها 350 موقعًا، وطلبت المساعدة من الحكومة السويسرية ومن إقليم (كانتون) جنيف، وفقًا لصحيفة "سونتاغس تسايتونغ" الناطقة بالألمانية والصادرة بزيورخ يوم السادس من حزيران/يونيو 2023. أما وجهة نظر العاملين لجنة الصليب الأحمر الدّولية فهي مختلفة عن إدارتها، حيث وَقّع 2500 موظفة وموظف لائحة تنتقد التبذير والرواتب المرتفعة للمُدِيرين والإحتفالات الضخمة والمُكلفة والفساد التي ازداد تفشّيا خلال العقد الماضي، وفق موقع قناة الإذاعة والتلفزيون السويسري العمومي الناطقة بالفرنسية (RTS) في بداية شهر حزيران/يونيو 2023...
لم تسلم منظمة الامم المتحدة للطفولة (يونيسف) من نقص التمويل لإنقاذ بعض المواقع الأثرية التي تُعتَبَر تراثًا عالميا، وخصوص لبرامج دعم الأطفال، واعتبرت المنظمة إن وباء كوفيد أدّى إلى تباطؤ حركة مُقاومة فقْر الأطفال الذين ما زال 333 مليونا منهم يعانون من الفقر المدقع، وفق تقرير لَخَصت محتواه وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب يوم 13 أيلول/سبتمبر 2023، وأشار البنك العالمي – الذي يُحدّد خط الفقر الأدنى ب2,15 دولارا يوميا – إن وباء كوفيد-19 والنزاعات والتغيير المناخي وغيرها من الأسباب، أدت إلى التحاق ما لا يقل عن ثلاثين مليون طفل بصفوف الفقراء المُدقَعين، ولذلك، وما زال طفل من كل ستة يعيش على أقل من 2,15 دولارا يوميا، وإن نحو 40% من الأطفال في إفريقيا جنوب الصحراء ما زالوا يعيشون في فقر مدقع، وهي أعلى نسبة في العالم، وأعلنت مديرة يونيسيف إن إنهاء الفقر في أوساط الأطفال هو خيار سياسي.
في مقابل هذا الفقر والحاجة المُلِحّة للتمويل، تنعم مجموعات الضّغط (اللُّوبّيّات) وبعض المؤسسات التي تصف نفسها "غير رِبْحية"، والمنظمات التي تُعتَبَرُ "غير حكومية"، بهامش سياسي ومالي يفوق ميزانية ودَوْر وتأثير العديد من منظمات الأمم المتحدة، أو بعض الدول الفقيرة.

ازدهار مجموعات الضّغط
يُعتَبَر "المنتدى الإقتصادي العالمي" أكثر تأثيرًا من الأمم المتحدة، وهذه نبذة عنه وعن مؤسسه (كلاوس شواب) وعن تأثير المنتدى على قرارات أهم الحكومات الرأسمالية...
كان "كلاوس مارتن شواب" (Klaus Martin Schwab ) من مؤسسي المنتدى الإقتصادي العالمي، ولا يزال، في سن الخامسة والثمانين (وُلِد بألمانيا سنة 1938) يُشرف على المنتدى مع زوجته، وهو مهندس ورجل أعمال واقتصادي ألماني، أسّسَ سنة 1971 المنتدى الأوروبي للأعمال الذي أصبح "المنتدى الإقتصادي العالمي" سنة 1987، ومقره "دافوس" بسويسرا، وتم تعريفه آنذاك ك"مؤسسة غير ربحية، تهدف تطوير الوضع الإقتصادي العالمي"، ولما سادت النيوليبرالية تغير ليصبح الهدف الرّسمي للمنتدى " المنتدى العالمي لشراكة قادة الأعمال والسياسة والفكر"، ثم أسس سنة 1989 مع زوجته "مؤسسة شواب للمقاولة الإجتماعية"، وتم وصفها "مؤسسة غير ربحية" ومقرها جنيف، وأسس سنة 2004 "منتدى القادة العالميين الشباب" (Young Global Leaders - YGL ) ويضم أكثر من ألف شخص (بلغ عددهم 1400 بنهاية سنة 2022)، بمعدل مائة في كل دورة، تقل سنهم عن الأربعين، ممن لديهم مشاريع لتغيير الوضع العالمي (نحو مزيد من النفوذ الرأسمالي النيوليبرالي) وتمول مؤسسة شواب نشاطهم (بحوث ونشاط سياسي واقتصادي) والتعريف بهم في المنتديات الدّولية لفترة خمس سنوات (تم تمديدها إلى ست سنوات)، وأصبح معظمهم رؤساء دول وحكومات في البلدان الرأسمالية المتطورة، وصرّح كلاوس شواب، عن منتدى القادة العالميين الشباب، في شباط/فبراير 2023، إنه "فخور للغاية" بالمنتدى الإقتصادي وبمنتدى القادة العالميين الشباب، فقد تمكّن من اختيار قادة الغد وتدريبهم ليتسلّلوا إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم، وتمكّن، بحسب تعبيره لوكالة بلومبرغ، من إنجاز برنامج يُتيح اختيار "سادة العالم" المستقبليين الذين "سيشكلون السياسة والمجتمع والعالم من حولهم"، ولهذه الأسباب يمكن تصنيف المنتدى الإقتصادي العالمي وفُروعه (المنتدى العالمي للقادة الشباب) ضمن مجموعات الضّغط، ذات التأثير الأكبر في العالم، إلى جانب "منتدى بلدربيرغ" الذي تأسس قبله سنة 1954، والذي لا ينشر قائمة المدعويين ولا يُصدر بيانًا ختاميا ولا يسمح للصحافيين بالإقتراب من المبنى.
مجموعة ضغط
يُعَرِّفُ المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه على أنه مؤسسة غير ربحية، وهو في الواقع منظمة ضغط تجمع قادة الأعمال والقادة السياسيين كل عام منذ عام 1974، لحضور قمة في منتجع دافوس بسويسرا، ويختار "القائد المُؤسّس" والخبير الإقتصادي ( كلاوس شواب) ومُساعدوه المَدْعُوِّين من بين "ذوي القدرة على إحداث التغيير في النظام العالمي الجديد وتَحْديث للنظام الليبرالي ليتمكّن من قيادة العالم خلال العُقُود السّبعة المُقبلة"، ولهذا الغرض أسّس شواب وزوجته "المنتدى العالمي للقادة الشباب" ( YGL ) الذي يُعْتَبَرُ البديل المستقبلي لمنتدى دافوس، إذ يتم إعداد هؤلاء الشباب لكي يتمكّنوا من استباق الأحداث وليكتسبوا القُدْرَة على التأثير على عملية صنع القرار"، ويرأس شواب وابنته مجلس إدارة منتدى القادة العالميين الشباب الذي اعتبرته وكالة بلومبرغ وبيزنس ويك "واحدة من أكثر الشبكات الاجتماعية الخاصة انتقاءً وحصرية في العالم"، وقد ضم المنتدى YGL أكثر من 1400 عضو وخريج من 120 جنسية، ومن بينهم رئيس فرنسا الحالي "إيمانويل ماكرون"، ورجال الأعمال الأكثر ثراءً مارك زوكربيرج وإيلون ماسك ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو ورجال الأعمال الصيني جاك ما ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، ورئيس الأرجنتين الأسبق "ماوريسيو ماكري"، فضلا عن الممثل ليوناردو دي كابريو وبطل سباق السيارات مايكل شوماخر والممثلة تشارليز ثيرون، وغيرهم، ويتم اختيار الأعضاء (قادة المستقبل) وفق معايير مضبوطة، منها عملهم لفترة تتراوح بين خمس و15 سنة (وفق العُمر) في مجالات "القيادة والخبرة المهنية الاستثنائية والإنجازات المعترف بها" في العديد من المجالات، مثل "السياسة أو ريادة الأعمال أو البحث الأكاديمي أو الفن أو الإعلام أو المجتمع المدني..." والقُدْرَة على إظهار "الالتزام الشخصي بخدمة المجتمع محليًا وعالميًا"، والتّمتّع ب"سمعة طيبة"، ويتمتع موظفو القطاع العام رؤساء الحكومات والوزراء والبرلمانيون ورؤساء بلديات بالأفضلية خلال عملية الاختيار، بهدف اختراق مؤسسات الدّولة والتّأثير على قراراتها الإستراتيجية، من خلال تطبيق ما ورد في "برنامج تطوير القيادة" الذي يستمر لثلاث سنوات، ويتضمن منذ سنة 2007، ندوة صيفية سنوية تُسمّى "صيف دافوس" تجمع الوفود والأعضاء السابقين يُقدّمون تقارير ويُدْلُون بشهاداتهم حول أهمية هذه المؤسسة (المنتدى) في ارتقائهم في مناصبهم...
إلى جانب هذه المؤسسات الضخمة مثل منتدى دافوس والمنتد العالمي للقادة الشباب ومنتدى بيلدربرغ، توجد منظمات "غير حكومية" ذات ميزانيات ضخمة، وتأثير كبير، وهي كذلك مؤسسات خاصّة تدعمها شركات عابرة للقارات ومؤسسات وحكومات امبريالية، وليس لها من "غير الحكومية" سوى الصّفة المُنْتَحَلَة.

منظمات "غير حكومية"
أعلنت مؤسسة المجتمع المفتوح ( Open Society Fundation ) المعروفة اختصارا بـ (OSF) والتي أسّسها الملياردير الأميركي جورج سوروس، وتُقدّر ميزانيتها السنوية بنحو 25 مليار دولارا، إيقاف معظم أنشطتها في بلدان الاتحاد الأوروبي، والتركيز على العمل في بلدان أخرى، مع العلم أن سوروس الإبن (ألكسندر سوروس ) ابن جورج سوروس هو الذي كان يُشرف على عمليات "المجتمع المفتوح" في بلدان الإتحاد الأوروبي حيث سيؤدّي توقف نشاط المؤسسة إلى تسريح 40% من موظفيها، وفق وكالة بلومبرغ الأمريكية، التي أفادت إن هذه المؤسسة تعتزم "إحداث تغيير جذري في الاتجاه الاستراتيجي واعتماد نموذج التشغيل الجديد الذي يتطلب إعادة هيكلة إضافية كبيرة وإغلاق جميع البرامج الإقليمية والعالمية المعتمدة سابقا، وتحويل الموارد التي كانت مخصصة لدول الإتحاد الأوروبي، من وَسَط وشرقي أوروبا إلى أجزاء أخرى من العالم"، وأعلنت مؤسسة جورج سوروس إنفاق حوالي عشرين مليار دولارا في أوروبا الشرقية طيلة ثلاث عقود، من أجل "تعزيز الدّيمقراطية".
وجّهت بعض القوى السياسية الأوروبية إلى "مؤسسة المجتمع المفتوح" تهمة "استخدام البرامج الخيرية وتعزيز الدّيمقراطية بالاتحاد الأوروبي للتّدخّل الصارخ في الشؤون الداخلية للدول، لا سيما في أوروبا الشرقية"، من ذلك "المناورة لخصخصة وسائل الإعلام العامة وشرائها من قِبَل الأثرياء والشركات بأمريكا والاتحاد الأوروبي لتعزيز التوافق الإيديولوجي والإعلامي الكامل بين أوروبا والولايات المتحدة..." أما بعض قوى أحزاب اليمين المتطرف فتتهمها بالترويج المكثف والعالمي لمجتمع الميم ( المثليين)، ونظرية النوع الاجتماعي، باسم تعزيز حقوق الإنسان...
هاجر "جيورجي شوارتز" الذي أصبح اسمه جورج سوروس، عندما أصبح مواطنا أمريكيا، من المَجَر (هنغاريا) إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ليصبح رجل أعمال وتاجرًا اشتهر بالمضاربة في أسواق المال والأسهم، و"بالبيع على المكشوف"، وأنشأ سنة 1979 مجموعة من المؤسسات الخيرية، تضمّها مؤسسة "المجتمع المفتوح"، وكانت مُوجّهة لمعاداة الشيوعية بأوروبا الشرقية، باسم "دعم حقوق الإنسان"، في تناغم تام مع خطط وكالة الإستخبارات المركزية، وارتفعت ثروته سنة 1992، عندما قام بعمليات مضاربة بالجنيه الإسترليني.
يتمثل الهدف الرسمي المُعْلن لمؤسسة "المجتمع المفتوح" ( وهي عبارة مُستقاة من الفيلسوف "كارل بوير") في توفير الدّعم المالي و"قيادة الكفاح من أجل بناء مجتمع ليبرالي ومن أجل الحُرّيات الفردية ضد التمييز، والدفاع عن حقوق الأقليات والحق في التعليم" في البلدان التي تُعاديها الولايات المتحدة أو في بلدان "المُحيط"، وهو من أهم المُساهمين الدّائمين في المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) بدافوس، وفي الولايات المتحدة يُعْتَبَرُ جورج سوروس من أهم مُمَوِّلِي الحملات الإنتخابية للحزب الدّيمقراطي والجمعيات السياسية المُقربة من الحزب...
بلغ عدد موظفي "المجتمع المفتوح"، سنة 2021، نحو 800 شخص في أكثر من 20 دولة، وتخلى جورج سوروس في حزيران/يونيو 2023، عن الإشراف على المؤسسة التي أسَّسَها لِيُديرها ابنه ألكسندر الذي يترأس مجلس الإدارة منذ شهر كانون الأول/ديسمبر 2022، ولم يكن "التغيير الهيكلي العميق" الذي أعلن عنه سوى خطة أعَدَّها والِدُهُ وترك له مهمة الإعلان عنها ليكون سوروس الإبن في صدارة الأخبار، وفق وكالة "رويترز" التي وسلتها أخبار بتاريخ 15 آب/أغسطس 2023 عن تسريح عدد هام من العاملين في الفرع الأوروبي لمؤسسة "المجتمع المفتوح" الذي لعب دورًا هامّا في انقلاب أوكرانيا على النظام الدّيمقراطي في شباط/فبراير 2014، وتمويل المظاهرات المعادية للرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش (المنتخب ديمقراطيا) والمؤيدة للإتحاد الأوروبي ولحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا وفي جورجيا، وفق موقع صحيفة وول ستريت جورنال الذي أوْرَدَ إن مؤسسة المجتمع المفتوح سوف تقوم بتوسيع نطاق عملها المؤسسات والرموز السياسية...

خاتمة:
وجب أن ننطلق من طرح التساؤلات التالية:
ما مُبرّرات وجود أثرياء حدّ التّخمة وفُقراء حد الموت جوعًا؟ لماذا لا يشترك سكان أي بلد أو سُكّان العالم في بذل الجُهْد وفي تقاسم ثمار الجُهْد الجماعي؟
إن الفوارق الطّبقية والحروب من أجل الإستلاء على ثروات البلدان أو على موقعها الإستراتيجي هي التي تُسبّب وجود الفقراء والمُحتاجين والنازحين واللاجئين، ما يُبَرِّرُ تأسيس "العمل الخيري والإنساني" كبديل عن مطلب العدالة والمُساواة.
تكتسح المنظمات "غير الحكومية" الساحات والبلدان المنكوبة بالحرب أو بالكوارث، لتظهر بمظهر "المُغيث السّخي والمُتفاني في خدمة الشعوب وفئات الفُقراء"، وكان ذلك ظاهرًا في العراق وفلسطين ويوغسلافيا والصومال والحبشة والعديد من بلدان إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وكان "المؤتمر الوطني الإفريقي" قد تنبّه إلى هذا الأمر، منذ زمن، بعد مجازر مدينة "سويتو"، سنة 1976، رغم حظْر سلطات الميز العنصري نشاط ووجود "المؤتمر الوطني الإفريقي" الذي اشترط على المنظمات "الخيرية" أو "غير الحكومية" تحديد "المؤتمر" للإحتياجات وإشراف مناضليه على عملها، فرفضت تلك المنظمات وغادرت معظم مناطق البلاد. أما في فلسطين فإن المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبيا (من قِبَل الحكومات) تمكنت من تجنيد مناضلي اليسار الفلسطيني ليصبحوا من مُعِدِّي التقارير عن شعبهم، وكذا الأمر في العراق ومصر والأردن وتونس والمغرب وغيرها...
وردت في فقرات النص أعلاه بعض النّماذج من منظمات الأمم المتحدة ومن المنظمات "الخاصّة" التي يُشرف عليها الأثرياء، ويتمثل القاسم المشترك لهذه وتلك في إقصاء المعنيين بالأمر من تحديد الأولويات ومن سلطة القرار والإشراف، فيما يُشاركون في التنفيذ في أسفل درجات السّلّم الوظيفي وربما في منتصفه بأعداد صغيرة...
إن الإهتمام بمشاغل المواطنين وتلبية احتياجاتهم من مهام حكومات الدّول والأحزاب والمنظمات الشعبية المحلّيّة، وليس من شأن حكومات رأسمالية امبريالية أو منظماتها التي تُشرف عليها المخابرات (الولايات المتحدة) أو الحكومات (ألمانيا ) أو مؤسسات خاصة تنشر الإيديولوجية النيوليبرالية...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت