إنتصار إبليس

سعود سالم
2023 / 9 / 14

فالشيطان إذا تخلى عن هويته الأسطورية والرمزية وأصبح شخصية حقيقية ومخلوق يجب لعنه ورجمه والتعوذ بالله منه في كل دقيقة من الحياة، لأنه متواجد بيننا ويتربص بنا ليقودنا إلى التمرد والعصيان وإقتراف الجريمة، وليس من المستبعد أن يتهمه بعض القراء بكونه كاتبا أو محرضا على كتابة هذه السطور. وقد ذهب بعض المسطولين من علماء الإسلام، كالإمام جمال الدين إبن الجوزي 1116 - 1201م الذي يجعل من إبليس ليس فقط الشخصية المقيتة التي يعرفها أغلب المسلمين، والذي تتجسد فيه كل شرور الدنيا ويشير إسمه مباشرة إلى الدناءة والدس والفتنة والوسوسة والغواية والإنحلال والفساد والعصيان وما يتبع كل هذه الصفات القبيحة، وإنما يضيف إلى هذه الصفات المتعارف عليها، قدرات وطاقات أخرى تجعله يقوم بأعمال فكرية وأدبية خارقة لا يقوم بها حتى الله نفسه.
فجمال الدين إبن الجوزي هذا هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي الشيخ الإمام، العلامة، الحافظ، المفسِّر، المحدث، المؤرخ ، شيخ الإسلام عالم العراق. كتب بخطه كثيرًا من كتبه إلى أن مات. كان ذا حظٍ عظيم، وصيت بعيد في الوعظ، يحضر مجالسه الملوك، والوزراء وبعض الخلفاء، والأئمة والكبراء، وقيل إنه حضر في بعض مجالسه مائة ألف. وقال : «كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفًا». ( نقلا عن موقع "المكتبة الشاملة )
ومن الألفي مجلد التي يدعيها "بتواضع العلماء" بقي كتاب بإسم " تلبيس إبليس "، يجعل فيه إبليس مسؤولا عن معظم الحركات الدينية والفكرية الكبرى التي قامت طوال التاريخ الإسلامي والتي تشكل جوهر ما يسمى بالحضارة الإسلامية. ويتحول إبليس من شخصية ثانوية للغواية وإمتحان المسلمين وقدرتهم على مقاومة الإغراء والرغبة في القيام بالأعمال المحرمة، إلى شخصية بالغة الذكاء وإلى فيلسوف ومتكلم وباحث أكاديمي من الطراز الأول. حيث أن المدرسة السوفسطائية في الفلسفة، والفرق الدهرية والطبائعية وأديان الشرق الأقصى وكذلك المسيحية وعلم الكلام وبالذات الفرق المعتزلية، كلها من أعمال السيد إبليس ونتيجة لـ "تلبيسه" على المفكرين والعلماء والفلاسفة. كما أنه يرد حركة الخوارج والرافضة وايضا الزهد والتصوف إلى تلبيس إبليس على أأئمة هؤلاء القوم بما فيهم أبوطالب المكي والإمام الغزالي.
أما عز الدين المقدسي المتوفي سنة 1280 م، في كتابه "تفليس إبليس" فهو يخاطب إبليس ويعدد صفاته ومناقبه الجميلة قبل أن يطرده الله من الجنة غضبا من عصيان أمره بالسجود لآدم : " وأنت الذي خلقك الله بيد قدرته. وأطلعك على بدائع صنعته. ودعاك إلى حضرة قربته. وألبسك خلع توحيده. وتوجك بتاج تقديسه وتحميده. وجعلك تجول في مجال ملائكته. يقتبسون من نورك. ويستأنسون بحضورك. ويهتدون بعلمك. ويقتدون بعملك. فما برحت في الملأ الأعلى. تشرب بالكأس الأملى. وتتلذذ بالخطاب الأحلى. طالما كنت للملائكة معلما وعلى الكروبين مقدما" هذا النص ذكره صادق جلال العظم في كتابه نقد العقل الديني، والذي يرى فيه أن أن إسم إبليس في ذاته يدل على جوهره وهو "الإبلاس" أي اليأس التام من رحمة ربه أو الصفح عن معصيته الكبرى وإمكانية العودة إلى الجنة. ويعالج في كتابه ما يسمى بـ "محنة إبليس"، حيث أبتلاه الله بأمر لا يستطيع تنفيذه، وهو السجود لمخلوق مزري من الطين، ولو نفذ هذا الأمر لسقط في معصية أكبر وهي عدم الخضوع لمشيئة الله الذي يحرم السجود لغير الله. يقول صادق جلال العظم : " إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية معينة فإننا لا نشك في أن إبليس كان عاصيا وجاحدا، ولكن من ناحية أخرى يجب أن لا ننسى أن جحوده كان أعظم تقديس للذات الإلهية وأكبر مثل على التمسك بحقيقة التوحيد " وقد ذكر الحلاج أيضا محنة إبليس في الطواسين بهذا المعنى :
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له
إياك .. إياك أن تبتل بالماء.
وهكذا يفقد إبليس مكانته كما فقدها بروميثيوس من قبله كمتمرد وكثائر على السلطة الإلهية ويصبح مجرد عبد يذهب في طاعته وخنوعه للمشيئة المقدسة إلى أقصى الحدود المحتملة ويصبح شهيدا لتمسكه بفكرة التوحيد والتنزيه وعدم الشرك بالله.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت