ثقافة التأسلم وأنتعاش الميول النازية في أوربا

عبدالله عطية شناوة
2023 / 9 / 13

يعتقد كثيرون، حتى من أصحاب العقول الراجحة في المنطقة العربية، أن سلوك أفراد الجاليات الأسلامية في أوربا، وسعي أوساطها المتطرفة الى نشر ثقافة التأسلم في الحياة العامة في المجتمعات الأوربية، قد خلق ردة فعل ثقافية مضادة يكمن في صلبها خوف المواطن الأوربي من تآكل قيمه الحضارية، كان من نتيجتها أنتعاش التوجهات والميول والحركات النازية التي تجتاح القارة الأوربية حاليا، وتترجم سياسيا بنجاح بعضها في الوصول الى السلطة كما في أيطاليا، والمزاحمة الجدية على موقع القيادة في فرنسا وألمانيا.

غير أن وجهة النظر هذا تقوم على كثير من التبسيط. وينسى المقتنعون بها أن النازية، قد برزت وسيطرت على العقول في أوربا، قبل ان يوجد فيها شيء من الإسلام أو ثقافة (( ثقافة التأسلم )) بنحو ثمانية عقود، ووجهت كراهيتها لليهودية حينها، ولكل الفئات الضعيفة والأثنيات غير البيضاء.

وهنا قد نحتاج إلى إلقاء نظرة تأريخية على مسار كل مجتمع من المجتمعات الأوربية التي تشهد حاليا انتعاشا للأفكار النازية، ونشاطا للجماعات المعبرة عنها. وللمساعدة في ذلك يمكن أن نلقي نظرة عجلى على التأريخ السويدي حيث يحتل حزب (( ديمقراطيي السويد )) ذو الجذور النازية مركز ثاني أكبر حزب في البرلمان السويدي حاليا، ويؤثر من خلال ذلك على توجهات حكومة يمين الوسط بقيادة أولف كريسترسون، التي لا يمكنها البقاء في السلطة يوما واحدا دون دعم الحزب المذكور.

كانت السويد في القرن الثامن عشر قوة عظمى تشمل ممتلكاتها النرويج وفينلندا وبلدان البلطيق استونيا وليتوانيا ولاتيفيا، والمنطقة التي تقوم فيها حاليا مدينة سانت بيتروسبورغ، ثاني أكبر مدن روسيا، والتي حملت لاحقا أسم بيتروغراد، ثم لينين غراد خلال الحقبة السوفييتية، وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي عادت المدينة إلى أسم مؤسسها بطرس الأكبر الذي رسمته الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قديسا. وكانت السويد متحالفة مع مملكة بولندا، والدولة العثمانية ضد روسيا القيصرية.

وخلال الحرب الطويلة بين روسيا والحلف المذكور عزل ملك السويد حينها، اليافع المغامر كارل الثاني عشر، عن قوات بلاده المدحورة ولجأ مضطرا الى الأستانة، وظل فيها لسنوات ضيفا ثقيلا على السلطان العثماني، لم ينقطع خلالها عن مطالبة السلطان باستئناف الحرب لدحر روسيا، إلحاح لم يلق استجابة من السلطان، فهرب كارل الثاني عشر ومجموعة حمايته من الأستانة على ظهر الخيول، والقوارب عائدا إلى السويد، ليكتشف أن الدنمارك، قد سلخت، خلال سنوات غيابه في تركيا، النرويج. فجهز جيشا لاستعادتها وعند وصوله وجيشه الى الحدود قتل برصاصة لم يعرف حتى الآن ما أذا كانت صادرة من المعسكر الدنماركي أم من معسكره هو. وبمقتله أنتهت فترة حكم أسرة غوستاف فاسا السويدية. لكن ظل ينظر الية من قبل القومييين السويديين كبطل قومي، ينتصب حتى الآن في ساحة الملك في قلب العاصمة ستوكهولم، نصبه مشيرا بيده نحو الشرق، أي نحو العدو الروسي. ولم يتفق النبلاء السويديون على ملك من بينهم لحكم البلاد، واختاروا ضابطا فرنسيا سابقا ليكون ملكا، وبذلك بدأ حكم أسرة برنادوت الفرنسية، التي واصل ملوكها حمل تسلسل أسرة فاسا المنقرضة، وملك السويد الحالي كارل السادس عشر ليس حفيدا لكارل الثاني عشر بل هو من أسرة برنادوت.

وعلى مدى زمني قارب القرنين خبت تحت الرماد، ولكن لم تنطفئ، جمرة معاداة روسيا، سواء كانت قيصرية أو بلشفية أو رأسمالية بوتينية. وحين أنتعش الفكر النازي في ألمانيا وجد تعاطفا بين أوساط شعبية ورسمية سويدية، حتى أن والد الملك الحالي، الأمير غوستاف وكان خلال الحرب العالمية الثانية وليا للعهد، ربطته صلات وطيدة بهتلر، ووجهة له رسالة تأييد وابتهاج عند شروعه بالهجوم على الإتحاد السوفييتي. وكان النشاط النازي شرعيا في السويد، وارتباطا بهذه الصداقة أحترمت ألمانيا، حياد ستوكهولم الشكلي خلال الحرب العالمية الثانية، خاصة وأن السويد فتحت أراضيها أمام القوات الألمانية التي استخدمت وسائط النقل السويدية بما فيها القطارات خلال عمليات عبور أراضي السويد لغزو واحتلال النرويج، وامتنع الرسميون السويديون عن استضافة ملك النرويج، الذي رفض الخضوع للإحتلال النازي الألماني.

واستعار علماء سويديون الفكر النازي بخصوص نقاء ودعم العرق، وشرعوا في برنامج تعقيم لبعض حاملي الأمراض الوراثية وكذلك من يعانون من عاهات بدنية أو جمالية معينة. واستمر العمل في البرنامج حتى خمسينات القرن الماضي.

سياسيا وبعد هزيمة النازية في المانيا وإيطاليا، ظلت الميول النازية مكبوتة في السويد، ولم يتم التعبير عنها على نحو علني، ولكن قوى اليسار التي قويت باندحار النازية، كانت تتحدث باستمرار عن ما تسميه بالعنصرية المستترة. التي يتم التعبير عنها في السلوك الاجتماعي اليومي على نحو خجول، لكن مع نهاية ثمانيات القرن الماضي، بدأ الخجل ينحسر على نحو متسارع وتشكلت جماعات نازية تجاهر بنازيتها. وصار لها بالأضافة الى الكتائب المليشياوية المدنية، فنونها التي وجدت رواجا في بلدان الغرب الأخرى فيما يعرف بموسيقى القوة البيضاء. ومع مطلع التسعينات بدأت بعض فصائلها في إقامة تشكيلات سياسية، كان ينظر إليها باستخفاف، لكن سرعان ما استجابت لها الأوساط المتعايشة مع العنصرية المستترة، ووجدت فيها التعبير السياسي الذي كانت تفتقده. ولم يفلح تحرك حكومي بتعميم كتاب أسود عن جرائم النازية الألمانية على المدارس السويدية، لم يفلح في مواجهة النمو المتواصل للميول النازية حتى بين التلاميذ الصغار.

وقبل نحو سبعة عشر عاما فوجيء أبني المولود في السويد، بطفل في صفه المدرسي يسأله: لم لا تعود إلى بلدك؟ وحين رد عليه ولدي بأن السويد بلدي. قال له الطفل السويدي لو كانت السويد بلدك لكان لون عينك وشعرك وبشرتك مثل لون عيني وشعري وبشرتي، وعندما أخبرنا بالأمر تحدثنا مع المدرسة، التي تحدثت بدروها الى والد الطفل، الذي رفض الأعتذار، وكان رده أن ولده لم يخطئ، فأبن المهاجر هذا ليس سويديا، ولن يكون.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت