هل تترك السعودية صلاح للمصريين؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 9 / 10

مما لا شك فيه أن مصر قد فرطت خلال العقود الأخيرة في كثير مما ظلت تتفاخر به على العرب لأكثر من قرن من الزمان. ثم حلت صفقة بيع الرياضي العربي الأشهر، محمد صلاح، لنادي سعودي مؤخراً لتجدد لدى المصريين شجن التحسر على ما فات: حتى فخرنا الوحيد الباقي يريدون أن يحرمونا منه؟!

في الحقيقة، محمد صلاح لا هو فخر المصريين ولا حتى "فخر العرب". بل هو منتج أجنبي بامتياز، حتى لو كانت مادته الخام مصرية ويتحدث العربية. إذا كنا نتحدث عن لاعب كرة قدم بمواصفات عالمية، لا شك أن المنظومة الرياضية المصرية، أو السعودية، أو أي منظومة محلية عربية أخرى، لا تزال لا تستطيع أن تنتج لاعباً بهذه المواصفات. هذا اللاعب العالمي هو منتج أوروبي، بإمكانيات ناديه الإنجليزي ليفربول وعبقرية مدربه الألماني يورجين كلوب. وذلك، من جهة أخرى، لا يقلل إطلاقاً من أهمية عوامل شخصية مثل الجهد والمثابرة والانفتاح على التعلم وإتقان العمل وحب المنافسة والتفوق من جانب اللاعب المصري والعربي. وهي صفات ما كانت لتجد الفرصة لتنمو وتنضج بالشكل الذي أدركته بالفعل في ظل الظروف والتربة المحلية الغالبة حالياً في مصر والمنطقة العربية.

لماذا يتفاخر المصريون بشيء لم تنتجه أيديهم؟! في الواقع، لو كان صلاح لم يلوذ بالفرار ويكتب له النجاة من هذه الأيادي، لكان مثله مثل أي لاعب آخر محلي وما تغنى باسمه "Mo Salah" محبوه من كل جنسيات وشعوب العالم. من ناحية أخرى، لماذا لا يرضى أغلب المصريين ببيع سلعة لم ينتجوها لصالح دولة عربية شقيقة، بينما يتفاخرون بنفس السلعة بعدما باعوها منذ البداية خاماً لصالح دولة كانت تحتل مصر وتحكمها حتى منتصف القرن الفائت؟! أكثر من ذلك، لماذا يُصر السعوديون بهذا الشكل والسعر الجنوني غير المسبوق في اللعبة من أجل إتمام الصفقة؟! لماذا مو صلاح بالتحديد؟!

مؤخراً، كانت الدنيا على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية تقوم ولا تقعد كلما تفوه مغني أو مغنية مصري/ة بكلمة أو اثنتين من الإطراء والمجاملة- المتوقعة والمستحبة في استجابة عفوية لمشاعر الحظة والمناسبة- بحق المملكة الشقيقة والشعب السعودي على الهواء خلال حفلات الغناء والترفيه التي تنظمها الرياض. ما سر هذه الحساسية المصرية غير المبررة؟ كأن ثمة جُرح قديم غائر في لاوعي الجسد المجتمعي المصري وكلما هبت نسمة ريح عابرة تجعله ينزف ويتوجع؛ وكل حديث عن احتمال أن تستحوذ السعودية على محمد صلاح ينبش في نفس الجرح ويدميه أكثر!

في مضمار التنافس على الزعامة العربية بين مصر والسعودية، قد بدأت القصة بمجرد خدش سطحي مطلع السبعينات بعد وفاة عبد الناصر وعودة العلاقات بين مصر والسعودية، خاصة عقب حرب أكتوبر 1973 في عهد الرئيس المصري محمد أنور السادات. ثم أخذ الجرح يتسع ويتعمق أكثر خلال زهاء ثلاثة عقود من عهدة نائب السادات وخليفته، محمد حسني مبارك. ومع انتهاء الألفية الثانية وبداية الثالثة، بالتحديد خلال العقد الثاني حين تطوعت السعودية بوظيفة الإطفائي لنيران حمم الربيع العربي منذ عام 2011، كان الجُرح قد تفاقم إلى حد مرض مزمن لا يوجد له علاج ولا يُرجى منه شفاء: أصبحت مصر مجرد تابع للسعودية ولم تعد صاحبة المبادرة والريادة على الساحة العربية كما اعتادت من قبل. السعودية أزاحت مصر (أو سبقتها وتفوقت عليها) من موقع الصدارة والقيادة العربية؛ أكثر من ذلك، حتى في شؤونها الوطنية الداخلية، ما عادت مصر تستطيع حتى أن تُدبر حالها بقدرتها الذاتية من دون دعم سعودي لا ينقطع.

كما الأفراد، من حق الشعوب أن تتباهى وتتفاخر بمنجزاتها. ومن معاني الإنجاز أن ثمة قيمة مضافة يجب أن يساهم بها هذا الشخص أو الشعب على مادة خام متاحة في الطبيعة للكافة دون عناء كبير. بهذا المعنى، كما لا يحق للسعودية أن تتفاخر على أحد بثراء فاحش ناتج عن استخراج مادة خام طبيعية مثل النفط ومشتقاته، كذلك لا يحق لمصر أن تتفاخر بموهبة عالمية لم تساهم فيها بأكثر من الإنجاب التكاثري الطبيعي. وحين تشتري السعودية صلاح فعلاً، فهي في الحقيقة لا تشتري من مصر شيئاً ولن تدفع في مقابله لمصر أي ثمن. بل هي، كما تفعل مع كافة أجهزتها ووسائل رفاهيتها وأسلحتها المتقدمة التي تشتريها بأثمان باهظة من الغرب والولايات المتحدة وسائر أنحاء العالم، ستشتري اللاعب العربي العالمي من الإنجليز وستدفع لهم- وليس للمصريين- ثمنه. في الواقع، لم يعد لدى مصر حالياً ما يُسيل لعاب السعوديين لشرائه، حتى رغم الإغراءات والمناشدات المستميتة من جانب المصريين.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت