من أجل ثقافة جماهيرية بديلة 39

عبدالرحيم قروي
2023 / 9 / 9

المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية
للقائد الشيوعي جوزيف ستالين
ترجمة حسقيل قوجمان

الحلقة الرابعة

ج) والخاصية الثانية للانتاج هي ان تغيره وتطوره يبدأ دائما بتغيرات وتطور قوى الإنتاج، وبالدرجة الرئيسة، بتغيرات وتطور ادوات الإنتاج. ان قوى الإنتاج بناء على ذلك هي عنصر الإنتاج الاكبر حركة وثورية. فقوى انتاج المجتمع تتغير وتتطور اولا، ثم، استنادا إلى هذه التغيرات، وبالانسجام معها، تتغير علاقات الناس الإنتاجية، علاقاتهم الاقتصادية. وهذا لا يعني طبعا، ان علاقات الإنتاج لا تؤثر في تطور قوى الإنتاج وان الاخيرة لا تعتمد على الاولى. فبينما يعتمد تطور علاقات الإنتاج على تطور قوى الإنتاج فان علاقات الإنتاج بدورها تفعل مفعولها على تطور قوى الإنتاج، بتسريعه أو اعاقته. بهذا الخصوص يجب ملاحظة ان علاقات الإنتاج لا يمكن ان تتاخر لوقت طويل جدا وبحالة تناقض مع نمو قوى الإنتاج بقدر ما لا تستطيع قوى الإنتاج ان تتطور تطورا كاملا الا حين تكون علاقات الإنتاج منسجمة مع طابع قوى الإنتاج، مع حالتها، وتسمح لها باقصى مجالات التطور. لهذا، مهما ازدادت علاقات الإنتاج تأخرا وراء تطور قوى الإنتاج فانها يجب ان تصبح منسجمة مع – وان تصبح فعلا منسجمة مع – مستوى تطور قوى الإنتاج وطابع قوى الإنتاج ان عاجلا أو اجلا. والا فيحصل خرق اساسي لوحدة قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ضمن نظام الإنتاج، وتفكك الإنتاج ككل، ازمة الإنتاج، تفكك قوة الإنتاج.
ان الحالة التي لا تنسجم معها علاقات الإنتاج مع طابع قوى الإنتاج، تتصادم معها، هي حالة الازمة الاقتصادية في البلدان الراسمالية، حيث تكون الملكية الراسمالية الخاصة لوسائل الإنتاج في حالة عدم انسجام صارخ مع الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج، مع طابع قوى الإنتاج. ينجم هذا عن ازمة اقتصادية تؤدي إلى تدمير قوى الإنتاج. اضف إلى ذلك، يشكل عدم الانسجام هذا الاساس للثورة الاجتماعية التي تهدف إلى تحطيم علاقات الإنتاج القائمة وخلق علاقات انتاج جديدة تنسجم مع طابع قوى الإنتاج.
على العكس من ذلك، ان الحالة التي فيها تكون علاقات الإنتاج منسجمة تماما مع طابع قوى الإنتاج هي حالة الاقتصاد الوطني الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي حيث الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج تنسجم تمام الانسجام مع طابع قوى الإنتاج وحيث لهذا السبب لا وجود للازمات الاقتصادية ولا لتحطيم قوى الإنتاج.
وبناء على ذلك فان قوى الإنتاج ليست فقط العنصر الاكثر حركة وثورية في الإنتاج بل كذلك العنصر المقرر في تطور الإنتاج.
ايا تكون قوى الإنتاج كذلك يجب ان تكون علاقات الإنتاج.
بينما يقدم وضع قوى الإنتاج الجواب على السؤال – باية ادوات انتاج ينتج الناس القيم المادية التي يحتاجونها – فان وضع علاقات الإنتاج يقدم الجواب على سؤال اخر – من يمتلك وسائل الإنتاج (الارض، الغابات، الماء، الثروات المعدنية، المواد الخام، ادوات الإنتاج، الخ..)، من يتحكم بوسائل الإنتاج، أهم المجتمع كله، ام اشخاص افراد، أو جماعات أو طبقات اخرى؟
فيما يلي صورة موجزة لتطور قوى الإنتاج منذ العصور الغابرة إلى ايامنا. ان الانتقال من الادوات الحجرية الاولية إلى القوس والنشاب، والانتقال من الادوات الحجرية إلى الادوات المعدنية (الفأس الحديدية، المحراث الخشبي المزود بحديدة قاطعة الخ..)، مع الانتقال المتطابق للحراثة والزراعة، تحسين اخر للادوات المعدنية لتطوير المواد، ادخال منفاخ الحداد، ادخال صناعة الخزف مع تطور الحرف المتطابقة معها، انفصال الحرف عن الزراعة، تطور صناعة حرفية مستقلة ونتيجة لذلك تطور المانيفكتورا، الانتقال من ادوات المانيفكتورا إلى المكائن وتحويل الحرف والمانيفكتورا إلى صناعة المكائن، الانتقال إلى نظام المكائن ونشوء صناعة المكائن الحديثة الواسعة النطاق – هذه صورة عامة بعيدة عن الكمال لتطور قوى الإنتاج في المجتمع خلال تاريخ الانسان. من الواضح الجلي ان تطوير وتحسين ادوات الإنتاج قد اجراه الناس الذين كانوا مرتبطين بالإنتاج، وليس بالاستقلال عن هؤلاء الناس؛ وبناء على ذلك، فان تغيير وتطوير ادوات الإنتاج قد رافقه تغيير وتطور الناس، باعتبارهم اهم عنصري قوى الإنتاج، بتغير وتطور ميزاتهم الإنتاجية، مهاراتهم العملية، قدراتهم على تناول ادوات الإنتاج.
بالانسجام مع تغير وتطور قوى انتاج المجتمع في مسار التاريخ، تغيرت وتطورت ايضا علاقات انتاجهم، علاقاتهم الإنتاجية.
عرفت خمسة انواع من علاقات الإنتاج في التاريخ: المشاعية البدائية، العبودية، الاقطاع، الراسمالية والاشتراكية.
ان اساس علاقات الإنتاج في ظل النظام المشاعي البدائي هو ان وسائل الإنتاج مملوكة جماعيا. وهذا ينسجم بصورة رئيسية مع طابع قوى الإنتاج في تلك الفترة. الادوات الحجرية وبعدها القوس والنشاب، أعاق ان يقوم الناس منفردين في مكافحة قوى الطبيعة والحيوانات المفترسة. من اجل جمع فواكه الغابات وصيد السمك، وبناء نوع من المأوى، اضطر الناس إلى العمل مجتمعين اذا لم يريدوا ان يموتوا جوعا، أو ان يقعوا فرائس للحيوانات المفترسة أو ضحايا للمجتمعات المجاورة. ان العمل سوية ادى إلى الملكية العامة لوسائل الإنتاج، وكذلك لثمار الإنتاج. هنا لم توجد بعد فكرة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فيما عدا الملكية الشخصية لبعض ادوات الإنتاج التي كانت في الوقت ذاته وسائل للدفاع ضد الحيوانات المفترسة. هنا لم يكن ثمة استغلال ولا طبقات.
ان اساس علاقات الإنتاج في ظل النظام العبودي هو ان مالك العبيد يملك وسائل الإنتاج؛ هو كذلك يمتلك العامل في الإنتاج – العبد الذي يستطيع بيعه أو شراءه أو قتله كما لو كان حيوانا. ان علاقات الإنتاج هذه تنسجم بصورة رئيسية مع حالة قوى الإنتاج في تلك الفترة. فبدلا من الادوات الحجرية اصبح تحت تصرف الانسان الان ادوات معدنية؛ وبدلا من اقتصاد الصياد، البائس البدائي الذي لم يكن يعرف الرعي ولا الحرث ظهر الان الرعي والحرث والحرف، وتوزيع العمل بين فروع الإنتاج هذه. تظهر هنا امكانية تبادل المتتجات بين الافراد وبين الجماعات، امكانية تراكم الثروة في ايدي القلائل من الناس، التراكم الفعلي لادوات الإنتاج في ايدي الاقلية، وامكانية اخضاع الاقلية للاغلبية وتحويلها إلى عبيد. لم نجد هنا العمل العام الحر لاعضاء المجتمع في عملية الإنتاج – هنا يسود عمل العبيد القسري، لا توجد ملكية عامة لوسائل الإنتاج أو لثمار الإنتاج. لقد حلت محلها الملكية الخاصة. هنا يبدو مالك العبيد مالك الثروة الرئيسي والاساسي بكل ما في العبارة من معنى.
ثمة الغني والفقير، المستغل والمستغل، اناس لهم كامل الحقوق واناس لا حقوق لهم، وصراع طبقي ضار بينهم – هذه هي صورة النظام العبودي.
ان اساس علاقات الإنتاج في ظل نظام الاقطاع هي ان السيد الاقطاعي يمتلك وسائل الإنتاج ولكنه لا يمتلك عامل الإنتاج – القن – امتلاكا تاما، لم يعد السيد الاقطاعي يستطيع قتل القن ولكنه يستطيع شراءه أو بيعه. إلى جانب الملكية الاقطاعية ثمة ملكية فردية يمتلك فيها الفلاح والحرفي ادوات انتاجه ومشروعه الخاص القائم على اساس عمله الشخصي. ان علاقات الإنتاج هذه تنسجم بالدرجة الرئيسية مع حالة قوى الإنتاج في تلك الحقبة. تحسينات اخرى في صهر الحديد والعمل به، انتشار المحراث الحديدي والمغزل، مزيد من التطور في الزراعة والبستنة وزراعة الكروم، وصناعة الالبان، ظهور المانيفاكتورات إلى جانب الورشات الحرفية – هذه هي المعالم المميزة لحالة قوى الإنتاج.
تتطلب قوى الإنتاج الجديدة ان يبدي الكادح شيئا من المبادأة في الإنتاج وميلا للعمل واهتماما بالعمل. لذا فان السد الاقطاعي ينبذ العبد باعتباره عامل لا اهتمام له بالعمل وعديم المبادأة اطلاقا، ويفضل التعامل مع القن الذي يمتلك اقتصاده الخاص وادوات انتاجه وبعض الاهتمام فيي العمل الشيء الجوهري في زراعة الارض ويدفع جزءا من حصاده عينا إلى السيد الاقطاعي.
هنا تطورت الملكية الخاصة تطورا اضافيا والاستغلال ما زال كما كان في ظل العبودية تقريبا – لقد جرى تلطيفه بعض الشيء. ان الصراع الطبقي بين المستغلين والمستغلين هو الصفة الرئيسية للنظام الاقطاعي.
ان المعالم الرئيسية لعلاقات الإنتاج في ظل النظام الراسمالي هي ان الراسمالي يمتلك وسائل الإنتاج، ولا يمتلك العمال في الإنتاج – العمال بأجور الذين لا يستطيع الراسمالي قتلهم ولا بيعهم لانهم احرار شخصيا، ولكنهم محرومون من وسائل الإنتاج ولكي لا يموتون جوعا هم مضطرون إلى بيع قوة عملهم إلى الراسمالي وان يرزحوا تحت نير الاستغلال. إلى جانب الملكية الراسمالية لوسائل الإنتاج نجد اولا نطاقا واسعا من الملكية الخاصة للفلاحين واصحاب الحرف في ملكية وسائل الإنتاج، وهؤلاء الفلاحون واصحاب الحرف لم يعودوا اقنانا، وتقوم ملكيتهم الخاصة على اساس كدحهم الشخصي. وبدلا من الورشات الحرفية والمانيفاكتورات تظهر معامل ومصانع مجهزة بالمكائن. وبدلا من القطع الزراعية للفلاح المزروعة بادوات انتاج بدائية، تظهر الان مزارع راسمالية واسعة تدار بطرق علمية ومزودة بالمكائن الزراعية.
يتبع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت